شهدت منطقة بهدينان في مطلع القرن
العشرين مجتمعاً متنوعاً دينياً ضم المسلمين والمسيحيين واليهود، الذين عاشوا جنباً
إلى جنب في مدن دهوك وزاخو والعمادية وعقرة، إضافة إلى عشرات القرى المنتشرة في
السهول والجبال.
كما شكّل الكورد الإيزديون أحد
المكونات الدينية الرئيسة في المنطقة، إذ انتشروا في العديد من القرى الواقعة جنوب
دهوك وغربها، وفي مناطق الشيخان والقرى المحيطة بزاخو، فضلاً عن تجمعاتهم الكبيرة
في المنطقة الممتدة بين الشيخان وألقوش، التي ضمت عدداً من أكبر القرى الكوردية الإيزدية
وأكثرها استقراراً، ومن أبرزها ختارة (ختارى)، وباعذرة، وبحزاني، وبعشيقة، إلى
جانب عشرات القرى الأخرى التي شكّلت مراكز دينية واجتماعية للإيزديين. وكانت
باعذرة تمثل مقر إمارة الإيزديين ومركزها الإداري والاجتماعي، في حين يقع في وادي
لالش، ضمن حدود بهدينان التاريخية، أقدس معابدهم ومركزهم الديني والروحي، الذي
يقصده الكورد الإيزديون من مختلف مناطق كوردستان لأداء فريضة الحج وإقامة شعائرهم
الدينية في المناسبات السنوية.
وقد أسهم هذا التنوع الديني في
تشكيل بيئة اجتماعية وثقافية متميزة، اتسمت بالتعايش والتعاون في الحياة اليومية،
مع احتفاظ كل جماعة بعقائدها ومؤسساتها الدينية وتراثها الثقافي؛ وقد أسهم هذا
التنوع الديني في تشكيل بيئة اجتماعية وثقافية متميزة، اتسمت بالتعايش والتعاون في
الحياة اليومية، مع احتفاظ كل جماعة بمؤسساتها الدينية وتراثها الثقافي.
كان المسلمون يشكلون الأغلبية
السكانية في بهدينان، وغالبيتهم من الكورد الذين يدينون بالمذهب الشافعي والعقيدة
الأشعرية، مع انتشار واسع للطريقتين القادرية والنقشبندية. وكانت المساجد والجوامع
تمثل مركز الحياة الدينية والاجتماعية، حيث لم تقتصر وظيفتها على إقامة الصلوات،
بل كانت مدارس لتعليم القرآن الكريم والفقه واللغة العربية والعلوم الإسلامية. كما
كانت الزوايا والتكايا الصوفية (تكية بريفكان القادرية، وبامرني النقشبندية،
وبارزان النقشبندية وعقرة وروفيا القادرية) تؤدي دوراً مهماً في التربية الدينية
والإصلاح الاجتماعي، وكان العلماء والشيوخ والملالي يحظون بمكانة مرموقة، إذ جمع
كثير منهم بين الإمامة والخطابة والتعليم والإفتاء والإصلاح بين الناس.
أما المسيحيون، فقد توزعوا بين
أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وكنيسة المشرق - الاشورية، والكنيسة
السريانية الارثوذكسية، والكنيسة السريانية الكاثوليكية، وكانت لهم قرى وأحياء
خاصة، ولاسيما في دهوك وزاخو والعمادية وعقرة والقصبات والقرى الجبلية. وتمحورت
حياتهم الدينية حول الكنائس والأديرة التي كانت تؤدي وظائف العبادة والتعليم
والرعاية الاجتماعية، كما حافظت على اللغة السريانية والتراث الكنسي. وأسهمت
الإرساليات التبشيرية الغربية، منذ أواخر القرن التاسع عشر، في إنشاء مدارس
ومستشفيات ومطابع؛ مما ساعد على انتشار التعليم الحديث بين أبناء الطوائف
المسيحية، مع بقاء المؤسسة الكنسية المرجع الرئيس في الشؤون الدينية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، كانت الطائفة
اليهودية تشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي في بهدينان، ولاسيما في زاخو
ودهوك والعمادية وعقرة. وكان اليهود الكورد يتحدثون الكوردية إلى جانب الآرامية
اليهودية، ويمارسون شعائرهم في الكٌنس التي كانت أيضاً مدارس لتعليم التوراة
والتقاليد الدينية. وتولى الحاخامات الإشراف على الحياة الدينية والقضاء في
الأحوال الشخصية والتعليم الديني، بينما اشتهر اليهود بالتجارة والصيرفة وصياغة
الذهب والحرف اليدوية، الأمر الذي جعلهم عنصراً فاعلاً في النشاط الاقتصادي
للمنطقة.
ويعد الكورد الإيزديون، من حيث
الانتماء القومي، جزءاً من المجتمع الكوردي في بهدينان، إذ تجمعهم مع المسلمين
الكورد وحدة اللغة الكوردية (الكرمانجية الشمالية)، والبيئة الجغرافية، والبنية
العشائرية، وكثير من عناصر التراث الشعبي والثقافة المحلية؛ وقد أسهم هذا القاسم
الثقافي المشترك في تعزيز علاقات التعايش والتفاعل الاجتماعي بين الطرفين، على
الرغم من اختلاف الانتماء الديني، فظل المجتمع البهديناني مثالاً على تداخل الهوية
القومية مع التنوع الديني في كوردستان العراق.
وعلى الرغم من اختلاف العقائد،
فقد قامت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين والإيزديين واليهود على أساس المصالح
المشتركة وروابط الجوار. فقد التقى الجميع في الأسواق الأسبوعية، وتبادلوا السلع
والخدمات، وشاركوا في المناسبات الاجتماعية، واحترم كل فريق أماكن عبادة الآخر.
وكان أمراء العشائر وزعماؤها يحرصون في الغالب على حماية جميع السكان، بغض النظر
عن انتمائهم الديني، إدراكاً لأهمية الاستقرار في مجتمع متعدد الأديان.
ولم يكن التعايش بين المسلمين
والمسيحيين والإيزديين واليهود في بهدينان مجرد مبدأ نظري، بل كان واقعاً يومياً
تجسد في مختلف جوانب الحياة. فقد كانت الأسواق في دهوك وزاخو والعمادية ملتقى
لأبناء الديانات الأربع، حيث اعتمد المسلمون والإيزديون في المقام الأول على
الزراعة وتربية المواشي، مع انخراط عدد منهم في التجارة المحلية، بينما برع اليهود
في التجارة والصيرفة وصياغة الذهب وبعض الحرف الدقيقة، وعمل المسيحيون في الزراعة
والنجارة والحدادة والبناء وصناعة عدد من المنتجات المحلية، مما أوجد شبكة واسعة
من المصالح الاقتصادية المتبادلة بين مختلف مكونات المجتمع.
وكانت المعاملات التجارية تقوم
على الثقة والاعتماد المتبادل، فكثيراً ما كان التجار المسلمون يودعون أموالهم أو
بضائعهم لدى التجار اليهود، كما اعتمد المسلمون والمسيحيون والإيزديون على بعضهم
في عمليات البيع والشراء ونقل المحاصيل والماشية والبضائع بين القرى والمدن، الأمر
الذي أسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين سكان بهدينان على اختلاف
انتماءاتهم الدينية. وفي الحياة الاجتماعية، كان أبناء الطوائف المختلفة يتبادلون
الزيارات في المناسبات العامة، ويشاركون في تقديم التهاني والتعازي، ويحرص زعماء
العشائر على حماية جميع السكان دون تمييز. كما لجأ كثير من المسيحيين واليهود إلى
آغوات العشائر الكوردية المسلمة طلباً للحماية عند وقوع النزاعات أو الاضطرابات،
وهو تقليد اجتماعي كان معروفاً في المجتمع الكوردي، وأسهم في ترسيخ الشعور بالأمن
والانتماء المشترك. وفي المقابل، كان الحرفيون من المسيحيين واليهود يقدمون
خدماتهم لجميع السكان، ولم تكن الحواجز الدينية تحول دون قيام علاقات الجوار أو الشراكة
في العمل.
ومن مظاهر هذا التعايش أيضاً
احترام أماكن العبادة، إذ احتفظ كل مكون بمساجده أو كنائسه أو كنسه، دون تدخل يذكر
في شؤونه الدينية الداخلية. كما كانت المدن الكبرى، ولاسيما زاخو ودهوك والعمادية
وعقرة، تضم أحياء متجاورة يسكنها المسلمون والمسيحيون واليهود، يتعاملون فيما
بينهم بصورة طبيعية في الأسواق والطرقات والمناسبات العامة.
غير أن هذا التوازن الديني
والاجتماعي بدأ يشهد تغيرات تدريجية منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع تزايد نشاط
الإرساليات التبشيرية الأوروبية والأميركية في كوردستان، ولاسيما الإرساليات الأميركية
والبريطانية والفرنسية. فقد أنشأت هذه الإرساليات مدارس حديثة ومستشفيات ومستوصفات
ومطابع، وأسهمت في نشر التعليم النظامي بين أبناء الطوائف المسيحية، كما أدخلت
مناهج تعليمية حديثة، وشجعت على تعلم اللغات الأجنبية، الأمر الذي انعكس إيجاباً
على المستوى الثقافي والصحي، وأدى إلى ظهور نخبة مسيحية متعلمة أسهمت لاحقاً في
مجالات التعليم والإدارة والترجمة.
إلا أن نشاط هذه الإرساليات لم
يقتصر على الجوانب التعليمية والإنسانية، بل حمل أبعاداً دينية وسياسية أثارت
مخاوف السلطات العثمانية، كما أثارت تحفظات عدد من علماء المسلمين وزعماء العشائر
الكوردية الذين رأوا في التبشير امتداداً للنفوذ الأوروبي في المنطقة، ولاسيما في
ظل احتدام التنافس بين الدول الكبرى على إرث الدولة العثمانية. وفي الوقت نفسه،
أدت محاولات استقطاب أتباع كنيسة المشرق وغيرها من الكنائس الشرقية إلى المذهبين
الكاثوليكي والبروتستانتي إلى انقسامات داخل المجتمع المسيحي نفسه، الأمر الذي
ألقى بظلاله على العلاقات بين الطوائف المسيحية، قبل أن يمتد أثره إلى البيئة
الاجتماعية الأوسع.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى
(1914–1918)، دخلت منطقة بهدينان مرحلة جديدة اتسمت بتداخل الاعتبارات الدينية
والقومية مع المصالح الدولية، ولاسيما بعد تحالف قسم من الآشوريين، بقيادة
بطريركية كنيسة المشرق، مع القوات البريطانية أملاً في الحصول على حماية سياسية
ووطن قومي أو حكم ذاتي عقب انتهاء الحرب. ومع تأسيس الدولة العراقية تحت الانتداب
البريطاني عام 1920، عملت السلطات البريطانية على تنظيم قوة عسكرية محلية عُرفت
باسم قوات الليفي- الشبانة (Iraq Levies)، والتي أصبحت منذ أوائل عشرينيات القرن العشرين تعتمد بصورة رئيسة
على المجندين الآشوريين، بعد أن اكتسبت ثقة القيادة البريطانية لما عُرف عن
أفرادها من الانضباط والخبرة العسكرية.
وأوكلت إلى قوات الليفي مهمة
حماية المطارات والقواعد العسكرية والمنشآت الحكومية، كما شاركت، إلى جانب القوات
البريطانية، في حفظ الأمن وإخماد عدد من الحركات والانتفاضات المناهضة للانتداب
البريطاني في كوردستان الجنوبية، ولاسيما في مناطق السليمانية وكركوك وزاخو
والعمادية وعقرة ودهوك، فضلاً عن مشاركتها في العمليات العسكرية التي استهدفت بعض
العشائر الكوردية المعارضة للسياسة البريطانية. وقد أسهم هذا الدور في ترسيخ صورة
قوات الليفي، في نظر قطاع واسع من الكورد، بوصفها أداة عسكرية بيد سلطات الانتداب،
الأمر الذي ألقى بظلاله على العلاقة بين بعض الأوساط الكوردية والقيادات الآشورية،
على الرغم من استمرار علاقات الجوار والتعايش بين عامة المسلمين والمسيحيين في
المدن والقرى.
وزادت هذه الحساسية مع سعي
السلطات البريطانية، ثم الحكومة العراقية لاحقاً، إلى إيجاد مناطق لإسكان واستقرار
اللاجئين الآشوريين الذين نزحوا من هكاري والمناطق الحدودية بعد الحرب العالمية
الأولى. وقد طُرحت مشاريع لتوطينهم في عدد من مناطق كوردستان العراق، ولاسيما في
أجزاء من دهوك والعمادية وزاخو وسهل نينوى، كما أُنشئت قرى جديدة أو أُعيد توزيع
بعض القرى لإسكانهم. ورغم أن هذه المشاريع قُدمت رسمياً بوصفها حلولاً إنسانية
لمعالجة أوضاع اللاجئين، فإنها أثارت اعتراضات لدى عدد من العشائر والسكان الكورد،
الذين رأوا فيها محاولة لإحداث تغيير في البنية السكانية أو منح امتيازات خاصة لجماعة
بعينها تحت رعاية سلطات الانتداب، وهو ما أدى إلى بروز نزاعات حول ملكية الأراضي
وحقوق الانتفاع بها في بعض المناطق.
وقد أسهم تداخل هذه العوامل، إلى
جانب استخدام قوات الليفي في العمليات العسكرية، في تعميق الشكوك المتبادلة بين
القيادات الكوردية والآشورية، وأوجد إرثاً من الخلافات السياسية والاجتماعية استمر
تأثيره في بعض مناطق كوردستان لعقود لاحقة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذه
السياسات الرسمية وبين طبيعة العلاقات اليومية بين السكان؛ إذ تشير الوثائق
المحلية وشهادات المعاصرين إلى أن المسلمين والمسيحيين ظلوا، في كثير من مدن وقرى
بهدينان، يحافظون على علاقات الجوار والتعاون والتبادل الاقتصادي، ولم تكن
الخلافات السياسية تعكس بالضرورة مواقف المجتمع المحلي بأسره.
وبعد انتهاء الانتداب البريطاني
واستقلال العراق عام 1932، ازدادت العلاقة بين الحكومة العراقية والقيادات الآشورية
تعقيداً، ولاسيما بعد مطالبة البطريرك مار شمعون إيشاي بضمانات سياسية وإدارية
خاصة للآشوريين، وهو ما رفضته الحكومة العراقية باعتباره يتعارض مع سيادة الدولة
ووحدة أراضيها. ومع تصاعد الأزمة السياسية والأمنية، وما رافقها من تحركات بعض
المجموعات الآشورية المسلحة على الحدود العراقية - السورية، بلغت التوترات ذروتها
في حوادث سميل سنة 1933، التي شكلت واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخ العراق
الحديث.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، لم
تعد الإرساليات التبشيرية تُنظر إليها من قبل كثير من الأوساط الرسمية والشعبية
باعتبارها مؤسسات دينية وتعليمية فحسب، بل ارتبط نشاط بعضها – في نظر الحكومة
العراقية وقطاع من زعماء العشائر الكردية – بالقضية الآشورية وبالمصالح البريطانية
في العراق، الأمر الذي أسهم في تصاعد حالة الشك والتوتر، وأثر في طبيعة العلاقات
بين المسلمين والمسيحيين في بعض مناطق كوردستان العراق. وقد انعكست هذه الأجواء
على العاملين في الإرساليات أنفسهم، وكان من أبرز مظاهرها مقتل المبشر الأميركي
الدكتور روجر سي. كمبرلاند (Roger C.
Cumberland) ، أحد أعضاء
الإرسالية المشيخية الأميركية في دهوك، في 12 حزيران 1938، على يد سليم مصطفى آغا
البيسفكي الدوسكي. وقد أثارت الحادثة اهتماماً واسعاً داخل العراق وخارجه، وتناولت
الصحافة والوثائق البريطانية والأميركية ملابساتها بتفسيرات متباينة؛ فبينما
ربطتها بعض الروايات بالتوترات السياسية والاجتماعية التي خلفتها قضية الآشوريين
ونشاط الإرساليات الأجنبية، رأت روايات أخرى أن للحادثة دوافع محلية وشخصية
متداخلة. ومهما يكن من أمر، فقد مثل مقتل كمبرلاند محطة بارزة في تاريخ الإرساليات
التبشيرية في كوردستان العراق، وعكس حجم التعقيدات السياسية والاجتماعية التي كانت
تشهدها المنطقة في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين.
وقد بلغت هذه التوترات ذروتها في
حوادث سميل في آب 1933، التي تُعد من أكثر الأحداث مأساوية في تاريخ العراق
الحديث. فقد اندلعت الأزمة على خلفية تصاعد الخلاف بين الحكومة العراقية والقيادات
الآشورية، وما رافقه من تحركات مسلحة لبعض المقاتلين الآشوريين على الحدود
العراقية - السورية، انتهت باشتباكات في منطقة ديرابون - فيشخابور، قبل أن تتطور
إلى حملة عسكرية شملت بلدة سميل وعددًا من القرى الآشورية في قضاء دهوك التابع
للواء الموصل. وأسفرت تلك العمليات عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم رجال
ونساء وأطفال، فضلاً عن تهجير مئات الأسر وتدمير عدد من القرى والممتلكات، في
واحدة من أكثر صفحات العنف إيلامًا في تاريخ العراق المعاصر.
وقد اختلفت المصادر التاريخية في
تقدير عدد الضحايا؛ فبينما أشارت بعض الوثائق الرسمية العراقية إلى أن عدد القتلى
بلغ بضع مئات، قدّر عدد من الباحثين الغربيين الضحايا بما يتراوح بين 300 و600
قتيل، في حين رفعت مصادر آشورية وكنسية وبعض الدراسات اللاحقة العدد إلى نحو 3000
قتيل أو أكثر، اعتماداً على شهادات معاصرة وروايات شفوية. ويعزى هذا التفاوت إلى
اختلاف منهجيات الإحصاء، وتداخل ضحايا الاشتباكات المسلحة مع ضحايا العمليات
العسكرية اللاحقة، فضلاً عن تأثر الروايات بالسياقات السياسية والقومية التي أُعيد
فيها تناول الحدث. ومع ذلك، فإن اختلاف التقديرات لا يغيّر من حقيقة أن ما جرى في
سميل كان جريمة بحق المدنيين وانتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ترك آثاراً عميقة في
الذاكرة الجماعية للآشوريين، وأصبح أحد أكثر الأحداث استحضاراً في تاريخهم الحديث.
ومع ذلك، فإن من الخطأ تفسير
حوادث سميل بوصفها تعبيراً عن طبيعة العلاقات التاريخية بين المسلمين والمسيحيين
في بهدينان أو في كوردستان العراق عموماً؛ إذ إن هذه الأحداث كانت، في جوهرها،
نتيجة لتشابك عوامل سياسية وعسكرية ودولية معقدة، من أبرزها تداعيات الحرب
العالمية الأولى، وسياسات الانتداب البريطاني، وقضية توطين الآشوريين، وتشكيل قوات
الليفي، والخلاف بين الحكومة العراقية والقيادات الآشورية حول مستقبلهم السياسي.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد
ظلت العلاقات بين سكان بهدينان، من المسلمين والايزديين والمسيحيين واليهود، قائمة
في معظمها على حسن الجوار والتعاون والاعتماد المتبادل، واستمرت مظاهر التعايش
التقليدي في المدن والقرى، رغم ما خلفته تلك الأحداث من جراح وآثار سياسية
واجتماعية امتدت إلى العقود اللاحقة.
وكان لهذه الأحداث أثر بالغ في
العلاقات بين مكونات المنطقة، إذ دفعت كثيراً من المسيحيين إلى الشعور بعدم
الأمان، وشجعت بعض الأسر على الهجرة الداخلية أو الخارجية، كما استغلتها
الإرساليات التبشيرية الغربية والمنظمات الكنسية الدولية لتسليط الضوء على معاناة
المسيحيين في العراق، في حين رأت الحكومة العراقية أن الأزمة كانت نتيجة تداخل
المطالب السياسية مع التدخلات الأجنبية.
ومع ذلك، فإن من المهم التمييز
بين مواقف الحكومات والقيادات السياسية من جهة، وبين طبيعة العلاقات الاجتماعية
المحلية من جهة أخرى؛ حيث انه وبالرغم من التوترات السياسية التي شهدتها المنطقة،
فإن العلاقات الاجتماعية في بهدينان لم تنقطع بين المسلمين والمسيحيين والايزديين
واليهود، بل حفظت الأعراف العشائرية الكوردية كثيراً من مظاهر التعايش.
وتشير الروايات المحلية والوثائق
المعاصرة إلى أن عدداً من شيوخ العشائر والأسر الدينية الكوردية وفروا الحماية
للأسر المسيحية خلال فترات الاضطراب، ومنهم أسرة شيوخ بريفكان في دهوك، وتحديداً (الشيخ
عبيدالله بن الشيخ نورمحمد البريفكاني)، التي آوت عدداً من العائلات المسيحية
الفارة، كما قام عدد من زعماء عشائر الدوسكي (سعيد آغا بن ديوالي آغا الدوسكي)،
وأعيان العمادية، وزاخو بالتدخل لتوفير الحماية أو التوسط لوقف أعمال الانتقام،
انطلاقاً من تقاليد الجوار (الجوانية) والدخالة (الاستجارة) التي كانت راسخة في
المجتمع الكوردي. وتدل هذه المواقف على أن العلاقات بين السكان المحليين كانت في
كثير من الأحيان أقوى من آثار الصراعات السياسية التي فرضتها ظروف المرحلة.
كما استمرت علاقات الجوار
والتبادل التجاري بين المسلمين والمسيحيين في مدن مثل دهوك وزاخو والعمادية بعد
انتهاء الأزمة، وهو ما يدل على أن أحداث سميل، على فداحتها، كانت حدثاً سياسياً
وعسكرياً استثنائياً، ولم تكن تعبيراً عن طبيعة العلاقات التاريخية بين سكان
بهدينان، التي ظلت في معظمها قائمة على التعايش والاعتماد المتبادل. كما انعكست
على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لجميع سكان بهدينان. ومع ذلك، بقيت روح التعايش
سمة بارزة في معظم المدن والقرى حتى منتصف القرن العشرين، قبل أن تؤدي التحولات
السياسية اللاحقة إلى هجرة معظم يهود المنطقة الى إسرائيل بين عامي 1949 - 1951،
ثم تناقص الوجود المسيحي بسبب موجات الهجرة والصراعات المتعاقبة.
وتكشف هذه الصورة أن الحياة
الدينية في بهدينان خلال مطلع القرن العشرين لم تكن قائمة على الانعزال بين
الطوائف، بل على التفاعل المستمر داخل مجتمع متعدد الأديان، احتفظت فيه كل جماعة
بمؤسساتها الدينية والتعليمية وتراثها الخاص، مع مشاركة الجميع في بناء الحياة الاقتصادية
والاجتماعية للمنطقة. ولذلك تعد بهدينان نموذجاً مهماً للتعددية الدينية والتعايش
في كوردستان العراق خلال العقود الأخيرة من العهد العثماني وبدايات العهد الملكي.


.jpg&w=3840&q=75)
