من المؤسف أنه، ومنذ أكثر من
عقدين من الزمن، مازال المواطن العراقي يعيش على وعود وآمال بتحقيق الاستقرار
الكامل في توفير الطاقة الكهربائية، في وقت أصبحت فيه الكهرباء ركيزة أساسية
للحياة اليومية والتنمية الاقتصادية. ورغم الجهود والمشاريع التي أُعلنت خلال
السنوات الماضية، فإن التطلع لايزال قائماً إلى منظومة كهربائية مستقرة تلبي
احتياجات المواطنين وتواكب متطلبات التنمية.
فالكهرباء اليوم لم تعد مجرد خدمة
عامة أو وسيلة للإنارة وتشغيل الأجهزة المنزلية، بل أصبحت عصب الحياة الحديثة،
وأحد أهم مقومات التنمية المستدامة. فهي ترتبط بجميع تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً
من المنازل، مروراً بالمؤسسات التعليمية والصحية، ووصولاً إلى القطاعات الاقتصادية
والإنتاجية. فالمستشفيات تعتمد عليها في تشغيل الأجهزة الطبية وغرف العمليات،
والمدارس والجامعات تحتاجها لضمان استمرار العملية التعليمية، كما ترتبط بها حركة
المصانع والورش والأسواق والمؤسسات الحكومية والخاصة، لذلك فإن أي انقطاع أو عدم
استقرار في التيار الكهربائي ينعكس بصورة مباشرة على مختلف القطاعات ويؤثر في
مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما أن استمرار الحاجة إلى مصادر
طاقة بديلة يشكل عبئاً اقتصادياً إضافياً على الأسرة العراقية، إذ يضطر كثير من
المواطنين إلى تخصيص جزء من دخلهم الشهري لتغطية تكاليف المولدات الأهلية أو شراء
الوقود أو استخدام وسائل أخرى لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وهو ما يزيد من الضغوط
المعيشية، خاصة على ذوي الدخل المحدود.
وفي المقابل، يمتلك العراق مقومات
كبيرة تؤهله لتحقيق نقلة نوعية في قطاع الطاقة، سواء من خلال موارده الطبيعية أو
موقعه الجغرافي أو إمكاناته البشرية والفنية. ومع استمرار مشاريع تطوير محطات
الإنتاج، وتأهيل شبكات النقل والتوزيع، والتوجه نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة،
تبرز فرصة حقيقية لبناء منظومة كهربائية أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على تلبية
احتياجات الحاضر ومواكبة متطلبات المستقبل.
وإلى جانب ذلك، يمثل التوسع في
إنشاء السدود والخزانات المائية، وفق دراسات فنية وبيئية دقيقة، أحد الخيارات
الاستراتيجية التي يمكن أن يسهم في دعم قطاع الكهرباء وتعزيز الأمن المائي. فإلى
جانب توفير خزين مائي يدعم تنمية القطاع الزراعي ويحسن إدارة الموارد المائية،
تتيح السدود إنتاج الطاقة الكهرومائية بوصفها مصدراً نظيفاً ومتجدداً يرفد الشبكة
الوطنية بالكهرباء، ويسهم في تنويع مصادر إنتاج الطاقة. كما أن تنفيذ هذه المشاريع
من شأنه توفير فرص عمل للمهندسين والفنيين والعمال واستيعاب أعداد من العاطلين عن
العمل، إلى جانب تنشيط قطاعات اقتصادية متعددة، بما يدعم التنمية المستدامة ويعزز
الاقتصاد الوطني.
إن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب
رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على التخطيط العلمي، والاستفادة من الخبرات
الوطنية والدولية، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، والالتزام بالجداول الزمنية، مع
تعزيز الشفافية والمتابعة والتقييم المستمر، بما يضمن تحقيق أفضل النتائج واستثمار
الموارد بالشكل الأمثل.
ولا يختلف اثنان على أن تحسين
واقع الكهرباء سيكون له أثر إيجابي واسع يتجاوز حدود الخدمة نفسها، إذ سينعكس على
دعم الاقتصاد الوطني، وتحفيز الاستثمار، وزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي، وخلق
فرص عمل جديدة، فضلاً عن تحسين مستوى الخدمات العامة ورفع جودة الحياة للمواطنين.
فاستقرار الطاقة يمثل بيئة جاذبة للاستثمار، وعنصراً أساسياً في بناء اقتصاد متنوع
وقادر على النمو.
ومن هنا، فإن ملف الكهرباء لا
ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تحدياً خدمياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً وطنياً متكاملاً
يرتبط بمستقبل التنمية في العراق. فكل خطوة تُنجز في هذا القطاع تسهم في تعزيز ثقة
المواطن بمؤسسات الدولة، وتدعم جهود البناء والإعمار، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون
فيها توفير الكهرباء المستقرة واقعاً ملموساً، يواكب طموحات العراقيين ويعكس
الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها بلده.
.jpg&w=3840&q=75)

