في فلسفة الأنظمة الديمقراطية
المعاصرة، يُعد تفرد الدولة بحمل السلاح الشرط الأول لتأمين المسار الديمقراطي
وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة. فالانتخابات والاستفتاءات لا يمكن أن تُعبر عن
الإرادة الحرة للمواطنين ما لم تُحمَ بمؤسسات أمنية خالية من السلطات الموازية،
مما يجعل حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية المعيار الحقيقي لمدى نضوج تجربة بناء
الدولة.
فالحيازة العشوائية للأسلحة خارج
الأطر القانونية تُشكل اعتداءً صارخاً على مقومات الأمن القومي ومنظومة حقوق الإنسان
وهيبة الدولة؛ إذ يساهم هذا الانفلات في تقويض السلطة العامة وتغذية الفوضى،
مسقطاً المجتمع في بيئة هشة تُحل فيها النزاعات بقوة السلاح بدلاً من سيادة
القانون.
حجر الأساس في أجندة الزيدي
من هذا المنطلق، وضع رئيس الوزراء
علي الزيدي ملف حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية في مقدمة أولويات برنامجه الحكومي،
مؤكداً في أكثر من مناسبة أن "ملف حصر السلاح بيد الدولة شأن سيادي يُدار وفق
أحكام الدستور والقانون وبقرار وطني مستقل". يُقرأ هذا التوجه الاستراتيجي في
بغداد كخطوة تصحيحية تهدف إلى تحويل مبدأ "احتکار القوة" من شعار دستوري
إلى واقع ملموس يحمي أمن البلاد.
غير أن التساؤلات تتسارع اليوم
حول مدى قدرة الزيدي على الوفاء بمهلة الثلاثين من أيلول المقبل لضبط هذا الملف،
تزامناً مع زيارته الأخيرة إلى واشنطن والضغوط الأميركية المكثفة لإنهاء ملف
الفصائل المسلحة القريبة من إيران.
معضلة الإجماع السياسي وحجم
التحدي
إن نجاح هذه الخطوة يمر حتماً عبر
جبهة سياسية موحدة تتكامل فيها الأدوار بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية
والقضائية). والسؤال الجوهري هنا: هل يملك البرلمان الجرأة السياسية اليوم لتشريع
قانون واضح يضبط آليات حصر السلاح ويحدد صلاحيات السلطة التنفيذية لإنهاء هذه
الأزمة؟.
عملياً، يبدو تطبيق هذا البرنامج
ممكناً إذا ترافق مع توافق سياسي وازن، وتوفر إرادة وطنية جامعة، وانتهاج أسلوب
متدرج يوازن بين الحوار السياسي والحلول المؤسساتية. أما الاعتماد على القرارات
الإدارية الفردية في ظل وجود تحديات بالغة المعالجة، فقد يُغرق التنفيذ في صعوبات
متكررة، أبرزها:
-امتناع القوى المسلحة: استمرار
تمسك بعض التشكيلات الفاعلة بنفوذها الميداني وسلاحها المستقل.
-التداخل السياسي: تمتع العديد من
هذه القوى بتمثيل ووجود نافذ داخل قبة البرلمان والمؤسسات التنفيذية، مما يفرض
ضرورة التوافق الشامل بدلاً من القرارات الأحادية.
الثغرة التشريعية.. البيئة
القانونية كعائق
وفي قراءة قانونية للملف، يتبين
أن المعالجة السياسية وحدها لا تكفي دون غطاء تشريعي رادع؛ فالقانون النافذ (رقم
51 لسنة 2017) ينطوي على ثغرات جوهرية أضعفت الجانب العقابي بتحويل حيازة السلاح
إلى "جنحة" تعاقب بالحبس لسنة واحدة أو الغرامة، بعد أن كان القانون
الملغى (لسنة 1992) يصنفها كـ "جناية" كبرى. فضلاً عن ذلك، فإن سماح
التشريع الحالي بترخيص محال تجارية لبيع الأسلحة يمثل خطوة مجافية للواقع الأمني
وتساهم في تفاقم الأزمة بدلاً من حلها.
الخاتمة
ختاماً، ينبغي الإقرار بأنه على
الرغم من إدراج حصر السلاح كبند رئيسي في البرنامج الحكومي المصادق عليه
برلمانياً، إلا أن تحويله إلى واقع ملموس يظل هدفاً مرحلياً يتطلب وقتاً وإجراءات
متدرجة قد تمتد لأشهر أو سنوات. إن نجاح هذه التجربة سيبقى مرهوناً بمدى توفر
توافق سياسي عابر للمكونات وإرادة وطنية حقيقية ترتقي إلى مستوى مفهوم الدولة
الحديثة.
.jpg&w=3840&q=75)


