مقدمة
خلال الأيام الماضية، وقّع رئيس الوزراء العراقي، بين واشنطن وهيوستن، على العديد من مذكرات التفاهم والعقود الكبرى مع الشركات الأميركية. تشمل هذه الاتفاقيات ثلاثة أبعاد رئيسة: زيادة إنتاج النفط، وتنويع ممرات التصدير، ووقف حرق الغاز المصاحب، وهي قضايا يعانيها العراق منذ عقد كامل.
حقل بابا كركر، الذي يقع على بعد 16 كيلومتراً شمال غربي محافظة كركوك وكان أول بئر نفطية تُحفر في العراق، كان يُعتبر أكبر حقل نفطي في العالم حتى اكتشاف حقل الغوار في السعودية عام 1948. ومع ذلك، لم يتمكن العراق بعد من رفع مستوى إنتاجه إلى أكثر من نصف مليون برميل يومياً وإنهاء حرق الغاز المصاحب فيه، وذلك بعد ثلاث سنوات من اتفاق العراق البالغة قيمته 25 مليار دولار مع شركة "بي بي" البريطانية. وفي هذه الزيارة إلى واشنطن، انضمت شركة "كونوكو فيليبس" الأميركية كشريك بنسبة 42% للتنقيب في نفس منطقة كركوك بهدف تطوير وزيادة إنتاج النفط، وتوفير التكنولوجيا الحديثة، والتعاون مع شركة نفط الشمال، ودعم خطة وزارة النفط، وكذلك الاستثمار الأمثل للثروة الهيدروكربونية.
وفقاً لبيانات البنك الدولي لعام 2025، احتل حقل باي حسن النفطي، الذي يعد جزءاً من نفس التكوين الجيولوجي لبابا كركر، المرتبة الثالثة على مستوى العراق من حيث حرق الغاز بكمية 1.3 مليار متر مكعب، بعد آبار نفط غرب القرنة-2 في البصرة.
في الواقع، إن توقيع رئيس الوزراء العراقي والوفد المرافق له على 48 عقداً بقيمة 60 مليار دولار مع شركات أميركية، يضع صناعة النفط والغاز أمام اختبار جديد. والسؤال الرئيسي هو: هل ستفي بغداد، من خلال هذه الاتفاقيات، بوعودها القديمة لزيادة الإنتاج، ووقف حرق الغاز، وتنويع الصادرات، أم أن الاتفاقيات ستبقى حبراً على ورق وتتكرر سيناريوهات الماضي؟
50 عقداً برأس مال يتجاوز 60 مليار دولار
كشف وزير النفط العراقي، عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، عن تفاصيل بعض من الـ50 عقداً ومذكرة تفاهم التي تم توقيعها مع الشركات الأميركية. على سبيل المثال، يهدف الاتفاق مع شركة "هاليبرتون" إلى رفع مستوى إنتاج النفط والغاز في حقل بن عمر، ليصل إنتاج النفط إلى 150 ألف برميل يومياً وإنتاج الغاز إلى 300 مليون قدم مكعب يومياً. كما خُطط في حقل السندباد لرفع إنتاج النفط من 80 ألفاً إلى 100 ألف برميل يومياً، وإيصال إنتاج الغاز إلى ما بين 240 و260 مليون قدم مكعب يومياً.
بخصوص زيادة إنتاج النفط في العراق، أعلن وزير النفط العراقي في آذار 2017 أنهم سيرفعون مستوى الإنتاج والتصدير بحلول نهاية ذلك العام ليصل الإنتاج إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً. ولكن بعد ما يقرب من عقد من الزمان وعلى الرغم من إنفاق أكثر من 70 تريليون دينار كاستثمارات، لم يصلوا بعد إلى ذلك المستوى.
في أواخر عام 2018، أعلن وزير النفط الجديد في حكومة عادل عبد المهدي أن "لديهم خططاً لزيادة مستوى إنتاج وتصدير النفط ليصل إلى أكثر من 5 ملايين برميل في عام 2019، بالتزامن مع تقليل حرق الغاز المصاحب".
لاحقاً، طرح إحسان عبد الجبار خطة جديدة لرفع مستوى إنتاج النفط بمقدار 3 ملايين برميل بحلول عام 2028، ليصل إجمالي الإنتاج بين عامي 2022 و2028 إلى أكثر من 8 ملايين برميل يومياً. لكن عند توقيع عقد شركة توتال إنرجيز الفرنسية، تمت إضافة عام إلى الخطة نفسها وتأجيل الهدف إلى عام 2029. وبعد ذلك، تم تخفيض الخطة إلى 6 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية عام 2027.
في بداية عام 2024، أعلن حيان عبد الغني، نائب رئيس الوزراء ووزير النفط، عن وجود خطة خمسية لرفع إنتاج النفط إلى 6 ملايين برميل يومياً، والعمل على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية. وخلال الإعلان عن جولتي التراخيص الخامسة والخامسة بلس لعقود النفط والغاز، تمت الإشارة مجدداً إلى رفع الإنتاج إلى 6 ملايين برميل.
والآن، أعلن رئيس الوزراء الجديد أنه خلال السنوات الثلاث المقبلة وحتى نهاية عام 2029، سيتم رفع مستوى إنتاج النفط إلى أكثر من 7 ملايين برميل يومياً.
تأتي هذه الوعود في وقت، بعد يوم واحد فقط من اتفاقيتي واشنطن وهيوستن—وقبل عودة الوفد العراقي إلى بغداد—فإن شركة HKN التي وقعت اتفاقية بدء العمل في حقل حمرين لإنتاج 140 ألف برميل من النفط و40 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً، لم تبدأ العمل فحسب، بل أوقفت إنتاج النفط في حقلي أتروش وسرسنك في إقليم كوردستان وعلقت جميع أعمالها في عموم العراق وإقليم كوردستان.
متى ينتهي حرق الغاز المصاحب؟
منذ بداية استخراج النفط في العراق، استمر حرق الغاز المصاحب (الغاز الذي ينبعث أثناء إنتاج النفط) بشكل متواصل. ترتبط كمية هذا الغاز ارتباطاً مباشراً بمستوى إنتاج النفط ووجود مشاريع جديدة للاستفادة منه.
وفقاً لأحدث تقرير لمجموعة البنك الدولي، التي تنشر بيانات الغاز المصاحب منذ عام 2012 واستخدمت هذا العام منهجية جديدة لجمع بيانات حرق الغاز من ثلاثة مصادر مختلفة—يعد حقل غرب القرنة-2 في العراق الأول عالمياً في حرق الغاز المصاحب. يتم حرق 2.7 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً فيه، وهو ما يعادل حوالي 40% من الغاز الذي يستورده العراق (والذي بلغ 6.8 مليار متر مكعب في 2025).
تظهر بيانات البنك الدولي لعام 2025 أن إجمالي الغاز المحروق في 296 حقلاً وبئراً ومصفاة في جميع أنحاء العراق قد بلغ 24.12 مليار متر مكعب—أي ثلاثة أضعاف إجمالي الكمية المستوردة. وفي هذا السياق، تحتل محافظة البصرة المرتبة الأولى بحرق 13 مليار متر مكعب.
من بين المواقع الـ 296، سُجّل أعلى مستوى لحرق الغاز في حقل غرب القرنة-2، والذي يصل إلى 4 مليارات متر مكعب سنوياً. هذا الحقل، الذي تم سحبه من شركة لوك أويل بسبب العقوبات الأميركية ومُنح لشركة شيفرون، يبلغ إنتاجه اليومي حوالي نصف مليون برميل من النفط. بعد هذا الحقل، توجد أكبر كمية من حرق الغاز المصاحب في محافظة كركوك وفي حقل باي حسن، والتي بلغت في عام 2025 نحو 1.3 مليار متر مكعب. هذه الكمية من حقل باي حسن وحدها تعادل 20% (الخمس) من كمية الغاز السنوية التي تنتجها شركة دانة غاز في حقل كورمور، والذي يؤمّن 80% من كهرباء إقليم كوردستان ويُباع أكثر من 1300 ميغاواط منه إلى العراق. ولكن في وقت كتابة هذه السطور، توقف الإنتاج فيه بسبب المخاطر الأمنية وهجمات الجماعات المسلحة (التي تعرضت لأكثر من 11 هجوماً في الفترة الماضية).
إن قصة إنهاء حرق الغاز المصاحب تشبه إلى حد كبير الوعود برفع إنتاج النفط. والغريب أنه على الرغم من تغيير وزراء النفط وتوقيع العديد من العقود وإنفاق تريليونات الدنانير، فقد تم تمديد الموعد النهائي لإنهاء حرق الغاز لمدة عامين آخرين. كان من المقرر سابقاً إنهاء حرق الغاز بحلول عام 2028، ولكن الموعد قد أُجّل الآن إلى نهاية عام 2029 وبداية عام 2030.

ممرات جديدة لتصدير النفط العراقي
يختص جزء آخر من عقود واشنطن وهيوستن بفتح ممرات جديدة ومد خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط العراقي إلى الخارج، بهدف تحرير البلاد من الاعتماد الكامل على مضيق هرمز. على الرغم من أن هذا الأمر كان يُناقش كخطة واستراتيجية منذ فترة طويلة، إلا أن العراق تكبد في الأشهر الخمسة الماضية خسائر فادحة بسبب اعتماده على ممر تصدير واحد فقط. بحيث كان مستوى التصدير اليومي في شهر مايو 2026 أقل مما كان يتم تصديره بعد الغزو الأميركي في منتصف عام 2003، بل وكان يعادل سدس ما كان عليه في فترة برنامج "النفط مقابل الغذاء".
خلال العقدين الماضيين، كان ما يقرب من 94% من نفط العراق يُرسل إلى الأسواق عبر موانئ البصرة والفاو ومن خلال مضيق هرمز. ولكن خلال حرب الأربعين يوماً وحتى الآن، لم يعد عبور السفن طبيعياً. وبسبب إغلاق المضيق خلال هذه الحرب، ووفقاً لبيانات "كيبلر"، انخفض مستوى إنتاج وتصدير العراق عن مستوى إيران.
إن مد خطوط أنابيب جديدة وإحياء شبكة الربط التصديري للعراق — على غرار ما كان عليه قبل عام 1980 حين كان هناك نظام أنابيب وتخزين موحد يمتد من الجنوب إلى الوسط وكركوك — يتطلب وقتاً وميزانية ضخمة. وبالمثل، فإن إعادة تأهيل خطوط أنابيب كركوك-بانياس، والجنوب-حديثة، والبصرة-العقبة، وكركوك-تركيا ليس بالأمر السهل. وفي ما يتعلق بخط أنابيب كركوك-تركيا، يُحكى عن اكتمال أعمال صيانته منذ شهر مارس، لكن لم يتم تصدير النفط منه بشكل كامل بعد. إذا اكتملت الأعمال في الأيام المقبلة، قد يتم اتخاذ قرار بشأن العقود الجديدة التي تقضي بنقل نفط البصرة بالناقلات إلى كركوك ومن هناك يتم إرساله عبر الأنابيب إلى تركيا.
تُقدّم الآن العديد من المقترحات والاتفاقيات لتنويع منافذ التصدير عبر تركيا وسوريا والأردن. لكن ما سيتضح في المستقبل هو مدى دخول هذه المقترحات حيز التنفيذ؛ لأن بناء أو تأهيل أي خط أنابيب محلياً، بالإضافة إلى تكلفة مليارات الدولارات، يتطلب وقتاً يتراوح بين عامين وثلاثة أعوام.
في الواقع، يمكن لاتفاقيات واشنطن والوعود باستثمار ما يزيد على 60 مليار دولار في قطاع الطاقة أن تفتح مرحلة جديدة للعراق، شريطة أن يتم تنفيذها. ولكن إذا سارت الأمور كما أُعلن عنها أثناء التوقيع، فإن البنية التحتية للنقل، والقدرة التخزينية، ومستوى الإنتاج لن تتمكن من استيعاب هذه القفزة الكبيرة. ومن جانب آخر، لا ينبغي إغفال المخاطر الأمنية؛ تلك المخاطر التي خفضت إنتاج النفط العراقي من 4.7 مليون برميل يومياً إلى 2 مليون برميل في الشهر الماضي، وخلقت بيئة غير مستقرة للشركات الأجنبية. ويعد إيقاف شركة HKN لأعمالها مثالاً مصغراً على هذه التعقيدات، فضلاً عن العقبات المستمرة بين أربيل وبغداد وغياب قانون النفط والغاز.
الخاتمة
وفقاً لوثائق ممثلي شركة نفط العراق في المؤتمرات الخارجية، جرى الحديث قبل عقد من الزمن تقريباً عن رفع الإنتاج إلى ما بين 6 و7 ملايين برميل يومياً، وإنهاء حرق الغاز المصاحب، وتنويع ممرات التصدير. لكن الواقع الحالي يظهر أن العراق ينتج نصف الكمية التي كان ينتجها قبل بداية هذا العام. كما أن الشركات الأجنبية، بسبب المخاطر الأمنية، لا تستطيع حتى توفير الغاز اللازم لإنتاج الكهرباء للسكان في حر تموز، فما بالك برفع الإنتاج إلى 7 ملايين برميل وإنهاء حرق الغاز المصاحب.
لقد أثبت تاريخ إنتاج وتصدير النفط في العراق أن المشكلة الرئيسة لم تكن في غياب الخطط المكتوبة أو العقود الكبرى، بل في انعدام الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ. ولهذا السبب، فإن الدوران في حلقة الاتفاقيات طويلة الأمد لزيادة الإنتاج واستمرار حرق مليارات الأمتار المكعبة من الغاز قد ألحق بالعراق ضرراً اقتصادياً وبيئياً مزدوجاً: فمن ناحية، تُهدَر ثروة وطنية، ومن ناحية أخرى، تُنفق مليارات الدولارات سنوياً على استيراد الغاز من دول الجوار.
كل هذا يأتي في وقت تم فيه استثمار أكثر من 37 تريليون دينار في قطاع النفط والغاز العراقي خلال فترة الحكومة السابقة وحدها (2022-2025). ولكن بحسب بيانات البنك الدولي، فإن مستوى حرق الغاز المصاحب لم يشهد انخفاضاً بل ازداد؛ ففي عام 2022 بلغ 14.67 مليار متر مكعب، لكنه وصل في عام 2025 إلى 15.06 مليار متر مكعب. وقد حدث هذا في وقت انخفض فيه مستوى إنتاج النفط من 4.47 مليون برميل يومياً في عام 2022 إلى 4.38 مليون برميل في عام 2025.
في الختام، صحيح أن اتفاقيات واشنطن وهيوستن يمكن أن تكون بوابة لجلب التكنولوجيا الأميركية المتقدمة، والاستثمار الأجنبي، وإنعاش قطاع الطاقة، وتقليل حرق الغاز، وتنويع ممرات التصدير. ولكن، ما لم تُجرَ إصلاحات جذرية في إدارة قطاع الطاقة ولم يتم وقف هيمنة الدول الأجنبية على العراق، فمن الصعب أن تتمكن هذه العقود من إحداث تغيير جوهري في ظل الحكومة الحالية؛ وبذلك، ستنضم وعود هيوستن وواشنطن إلى أرشيف الاتفاقيات غير المنفذة للعقد الماضي.

.jpg&w=3840&q=75)

