في ظل مسار الاندماج بين قوات
سوريا الديمقراطية والسلطة الانتقالية في دمشق حالياً لإنهاء مرحلة الصراع، يُطرَح
السؤال الجوهري حول القضية الكوردية في سوريا ومستقبلها بمنأىً عن الترتيبات
العسكرية والتنظيمية والإدارية ولاسيما أنه قد وصل لمحطة تحول رئيسية في المشهد
السوري والتحولات الإقليمية: ماذا تبقى للكورد من هامش المناورة والمكتسبات
الاستراتيجية خلال الأعوام الماضية، وما هي حدود قدرتهم التفاوضية في المعادلة
الحالية؟.
هذه اللحظة السياسية الأشد تعقيداً
وقسوة على الكورد في سوريا على الإطلاق، اللحظة التي باتت تفرض كيفية ترجمة الإنجازات
المرحلية من سياسية وميدانية إلى أطر حقوقية مستدامة ضمن العقد الاجتماعي الجديد.
وفقاً لما فرضته خرائط النفوذ،
جاء خيار الاندماج بالخصم من رصيد الحقوق الاستراتيجية والتطلعات المشروعة للشعب
الكوردي. في هذا السياق، ومع تبدلات مستمرة في الموقف الأميركي تجاه الكورد خصوصاً
في الجانب العسكري، يطفو على السطح وبعمق تساؤل لا يقل أهمية: إذا تغيرت الرهانات
والحساب الأميركية، هل ستكون هناك احتمالية العودة لبناء تحالف سياسي أو عسكري مع
الكورد بالصورة التي كانت قائمة مسبقاً؟ أم أن الإدارة الأميركية ستتجه نحو صياغة
مصفوفة جديدة للعلاقات وإعادة ضبط تنسيقاتها؟.
ماذا بقي للكورد؟
في المعادلة السورية الجديدة،
وبعد البدء بتنفيذ بنود عملية الاندماج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، تغير
موقع الكورد بشكل مباشر؛ فبعد امتلاكها حضوراً جيوسياسياً على المستويات الجغرافية
والإدارية والعسكرية، يفرض عليهم المشهد اليوم الدخول في مواجهة تفاوضية داخل
الهياكل المؤسسية للدولة استناداً إلى خريطة تأثير مغايرة لتلك التي أتاحت لها
الهامش سابقاً لتشكيل غطاء وبيئة خصبة خاصة بها عسكرياً وإدارياً في روجآفا
كوردستان (شمال شرق سوريا).
أعتقد أن المعضلة الأساسية ليست
في مبدأ الاندماج كخيار سياسي، بل في ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين فيما يتعلق
بضمانات تحفظ الحقوق الكوردية لا إضعافها أو القضاء عليها تدريجيا كما كان نظام
ميشيل عفلق يتناولها.
كما يبدي المشهد، ربما هناك تراجع
حاد في موقع القضية الكوردية في روجآفا خصوصاً بعد التصريحات والخطابات التي صدرت
عن بعض القيادات الكوردية في صفوف قوات سوريا الديمقراطية التي تؤكد الضعف المرحلي
بل وانحسار الأوراق التفاوضية، ما يعني أن عملية الاندماج لا تعتبر صفحة لطي
النزاع والمواجهة، وإنما تأكيد حي على إعادة تبويب القضية الكوردية من محور ارتكاز
المشهد السياساتي واختزالها في أبعادها القانونية والإدارية.
في المقابل، المطالبة باللامركزية
السياسية، وشكل سوريا المستقبلي، وحقوق الكورد اللغوية والثقافية وتمثيلهم داخل
البرلمان وكذلك الضمانات الدستورية، تعد من أهم الركائز الجوهرية بل والمحورية
التي يجب الدفاع عنها وتثبيتها في صلب الدولة المزمع بناءها رغم تقلص ولربما فقدان
مساحة النفوذ العسكري والجغرافي الكوردي بنسبة كبيرة، لكن الأمر لا يلزم الكورد
بالابتعاد عن قضيتهم كما يظن البعض، بل يتوجب عليهم التفكير خارج الصندوق نحو
تغيير كبير في إعادة بناء أدوات التأثير، والانتقال إلى أدوات جديدة سياسياً
وقانونياً لحماية حقوقهم وترسيخها في إطار الدولة السورية الجديدة.
هنا وعلى ذات المنوال، أتساءل:
هل، من خلال أدوات القانون والتفاوض والحوار، بإمكان القيادات الكوردية في روجآفا
حماية قضيتهم وتحويل تراجع حضورها الميداني والعسكري إلى محطة لمراجعة وتأصيل
المشروع السياسي وتجديد رؤيته بشكل أكثر ديمومة، وما لم يتم الأخذ بالقضية
الكوردية كنافذة ومساحة متسعة لإعادة ضخ الحيوية في شرايين العمل السياسي؛ بحيث
تكون قابلة للتفاوض في مسار الحوار والتفاهمات المرحلية القائمة بين دمشق والكورد،
فإن مخاطر تفريغ القضية من مضمونها ومحاولة تقزيمها ستظل مائلة وبقوة في العقدة
السورية.
الكورد وواشنطن.. عودة الورقة؟
اليوم، وفي قلب التحولات داخل
خارطة التوازنات السورية تحديداً فيما يخص القضية الكوردية؛ يستحضر التساؤل خاصة
بعد تبدل الموقف الأميركي تجاه الكورد حول آفاق ومستقبل العلاقة الثنائية بين
الجانبين، ليقدم بذلك صورة ضبابية بل وربما أقرب إلى الحقيقة التي تريدها واشنطن
متجاهلة ما قدمه الكورد (حتى ولو كان الاتفاق بينهما واضحا منذ البداية وعلى نقطة
واحدة فقط ألا وهي محاربة التنظيم) وبالتالي تراجع مستوى التنسيق دون الوصول إلى
القطيعة تحت ما يمكنننا تسميته بفترة الفتور السياسي.
وفقاً للمصالح والنفوذ والظروف
السياسية والأمنية المتغيرة سواء في سوريا أو المنطقة بشكل عام، تسعى واشنطن
لبلورة سياساتها بعيداً عن الشراكات والاتفاقات العابرة للمراحل والبنيوية، لذا من
المرجح أن تكون هناك فرصة لإعادة فتح المسار وسنوح فرصة الاستئناف بين الطرفين؛
وهنا سيعود ترمب إلى عادته في استثمار الفاعل الكوردي من جديد، بعد تقييم مصالح
وحسابات أميركا في سوريا، خاصة وبعد أن يلمس في الورقة الكوردية بوصفها ذاك اللاعب
الاستراتيجي والطرف المؤثر الجديد القديم في إعادة تشكيل خرائط النفوذ السورية
والإقليمية.
وفي حال استعيدت علاقة الانخراط
بين واشنطن والكورد، فإنها ستواجه بمزيد من التحديات والمخاطر وستكون أكثرها ثقلاً
وتأثيراً على الكورد بصورة خاصة؛ فأميركا لن تتحالف بالرؤية والاستراتيجية التي
يسعى إليها الكورد فيما يتعلق بقضيتهم ومشروعهم السياسي، وإنما قد تكون في إطار
تعاون أمني مشروط أو على نحو مقاربة سياسية تفرضها أولوياتها ومصالحها الإقليمية.
وبناء على ذلك، ليس من الممكن
بناء وتحديد معالم مستقبل القضية الكوردية استناداً للمظلة الدولية؛ حيث من الممكن
التعويل على بعض الحلفاء الدوليين في مسألة المفاوضات ولربما تحركات أوسع، إلا
أنهم لن يكونوا قادرين على تقديم الحلول الجذرية والمفصلية للقضية الكوردية أو
ضمانات للحقوق الكوردية ما لم تكن هناك رغبة ورؤية كوردية واحدة وموحدة داخل
المشهد السوري وفي مناطقهم الكوردية.
لذا فالسؤال يبرز: ما الذي يمكن
أن تقدمه واشنطن لدعم الكورد إن عادت، وهل ستوظف القيادات الكوردية الدعم المقدم (احتمالاً)
خدمة لقضيتهم التاريخية عوضا عن الارتهان له؟
بناء النفوذ مجدداً.. كيف؟
بالطبع أن عملية الاندماج الحاصلة
بين الطرفين قد قوضت من فرص التحرك الكوردي، وأضعفت وسائل قوته خلافاً لما كان
يتطلع إليه الشعب الكوردي، إلا أن المعالجة الحقيقية لهذا الملف يعتمد بالدرجة
الأولى على توحيد الصف والموقف الكورديين فيما يرتبط بقضيتهم وأن يكون البيت
الكوردي الداخلي نقياً لا تشوبه أية شائبة، واستئناف الحوار والمفاوضات مع السلطة
الانتقالية بصورة مكثفة أكثر من ذي قبل للمطالبة بحقوق الشعب الكوردي وتطلعاته
المشروعة سياسياً وثقافياً ولغوياً، وكذلك الضغط باتجاه اللامركزية السياسية (لا
يخلو الأمر إن تم عبر تحالفات سورية داخلية عبر التعاون مع المكونات الأخرى وجعلها
قضية سورية)، والتمثيل في مجلس الشعب وفق نسبهم الحقيقية ضمن الأطر القانونية
والدستورية، أي تحويل القضية الكوردية إلى سياسية ودستورية.
وفي المقابل، يجب الاستثمار في
الصحافة والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات القانونية والقضائية والبرلمان
كمسارات جديدة للفعل السياسي والتأثير. ناهيك بالمراجعة النقدية لأداء ودور
القيادات الكوردية وتقييمها بهدف التغيير في أساليب إدارة القضية الكوردية في
المرحلة المقبلة.
ويجب على الكورد الاستفادة من
التجارب السابقة في أخذ العبر من تحالفاتهم مع القوى الخارجية، وإعادة تعريف
علاقاتها مع هذه القوى واعتبارها عنصراً مسانداً لا خياراً يستبدل به المشروع
السياسي الكوردي، ويضاف إلى ذلك العمل على تأسيس تعايش سياسي وتوافق وطني بما يضمن
وجود حقيقي للقضية الكوردية في عملية بناء الدولة السورية الجيدة واعتبارها
الركيزة الأساسية.
في النهاية، تقف القضية الكوردية
اليوم أمام مفترق الطرق: إما أن تستثمر في خسارتها لوجودها الميداني للدفع نحو
بلورة مرجعية سياسية كوردية مشتركة وأكثر تماسكا، أو أن تتبدل ما تم التنازل عنه
إلى انتكاسة سياسية يصعب تعويضها. وبين سوريا وأميركا، يظل الكورد سيد قراراتهم
المصيرية: هل سينجح الكورد في أن يصبحوا أصحاب قرار قضيتهم، أم سيبقى مصيرها أسيراً
لنفوذ الآخرين؟.
.jpg&w=3840&q=75)


.jpg&w=3840&q=75)