في القرن السابع عشر، وفي مرحلة
بدأت فيها البعثات الكاثوليكية الأوروبية بتوسيع نطاق نشاطها في مناطق المشرق،
برزت في المصادر الكنسية الرومانية شخصية كوردية من مدينة العمادية هي بطرس جيسي
العمادي (Pietro Gessi)الذي تذكر الروايات أنه كان من أبوين مسلمين، ثم غادر
موطنه متجهاً إلى روما، حيث اعتنق المسيحية وتعمّد، قبل أن يلتحق بكلية نشر
الإيمان، إحدى أبرز المؤسسات التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لتكوين رجال الدين
وإعدادهم للعمل في مناطق الشرق.
تكتسب قصة بطرس جيسي أهميتها من
كونها تكشف عن وصول النشاط الكنسي الأوروبي إلى البيئة الكوردية المسلمة ومحاولته
استقطاب بعض أبنائها وإعادة توظيفهم في العمل الديني، كما تمثل حالة مبكرة لشخص
كوردي انتقل من بيئته الإسلامية في العمادية إلى المؤسسة الكاثوليكية في روما، ثم
عاد إلى المشرق في إطار النشاط الكنسي الذي كانت روما تعمل على توسيعه في المنطقة.
وقد انتشرت في بعض الكتابات
الحديثة عبارة تفيد بأن بطرس جيسي "تنصر في روما سنة 1624م"، إلا أن هذه
السنة لا تنسجم مع التسلسل الزمني الذي ترويه المصادر الكنسية. فالمعلومات المتاحة
تشير إلى أن سنة 1624م قد تكون قريبة من سنة ولادته التقديرية، بينما كان وصوله
إلى روما في حدود سنة 1641م، وتذكر الرواية أن معموديته تمت في 7 أيلول 1642م. ثم
التحق بعد ذلك بكلية نشر الإيمان في روما سنة 1647م، وكان عمره آنذاك نحو أربعة
وعشرين عاماً.
وتصف الرواية بطرس بأنه من مدينة
العمادية، إحدى أبرز مدن منطقة بهدينان التاريخية، وتذكر أنه كان من أبوين مسلمين.
وهذه المعلومة ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تجعل الشخصية من أقدم الشخصيات الكوردية
المسلمة المعروفة بالاسم التي توثق المصادر الكنسية انتقالها إلى المسيحية في
روما. أما اسمه الإسلامي السابق فلا يزال غير معروف بصورة موثقة، كما لا تتوفر
لدينا معلومات مؤكدة عن اسم والده أو والدته أو أسرته في العمادية قبل انتقاله إلى
روما.
وتظهر الشخصية في المصادر بصيغة "Pietro Gessi Persiano"، أي "بطرس جيسي الفارسي"، مع ربطه بمدينة
العمادية. وهذه التسمية تثير سؤالاً مهماً حول سبب وصف رجل من العمادية بأنه "فارسي".
غير أن استعمال كلمة "Persiano" في المصادر الأوروبية في القرن السابع عشر لا ينبغي أن
يُفهم بالضرورة بمعناها القومي الحديث، إذ كانت التصنيفات الجغرافية والسياسية
الأوروبية لسكان الشرق تختلف عن مفاهيم القومية الحديثة. ولذلك فإن وصفه بـ"الفارسي"
لا يكفي لإثبات أنه كان فارسي الأصل، خصوصاً أن المصدر نفسه يربطه بمدينة
العمادية. ولهذا فإن وصفه بـ"بطرس جيسي العمادي" يبقى أكثر دقة في
الكتابة التاريخية المعاصرة، مع الإشارة إلى أن بعض الوثائق تصفه بـ"الفارسي".
تقول الرواية إن بطرس غادر الشرق
متجهاً إلى روما في حدود سنة 1641م، وكانت روما آنذاك مركزاً رئيسياً للنشاط
الكاثوليكي العالمي. وكانت الكنيسة قد أنشأت مؤسسات متخصصة لتكوين رجال الدين
القادمين من مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمتها كلية نشر الإيمان أو Collegio Urbano di Propaganda Fide، التي أصبحت مركزاً مهماً لتعليم رجال الدين
وإعدادهم للعمل في المناطق التي كانت الكنيسة تسعى إلى توسيع حضورها فيها.
وفي 7 أيلول 1642م، جرى تعميد
بطرس في روما، بحسب الرواية الوثائقية التي نقلتها المصادر اللاحقة. وتذكر الرواية
أن مراسم التعميد تمت في إحدى كنائس روما، وأن عرّابه كان الكونت جيسي الفرنسي،
الذي تصفه الرواية بأنه ابن السفير الفرنسي لدى الدولة العثمانية في القسطنطينية.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة، لأنها تشير إلى أن بطرس ارتبط منذ بداية حياته
المسيحية الجديدة بشبكة من العلاقات الكنسية والدبلوماسية الأوروبية.
ومن اللافت أن اسم "جيسي"
نفسه يحتاج إلى مزيد من التحقيق، إذ لا نعرف حتى الآن بصورة قاطعة هل كان Gessi اسم
عائلة بطرس الأصلي، أم اسماً اكتسبه بعد تعميده، أو هل كانت له علاقة مباشرة باسم
عرّابه. وهذه مسألة لا يمكن حسمها إلا بالرجوع إلى النص الإيطالي أو اللاتيني
الأصلي لسجل المعمودية، ولذلك ينبغي عدم التعامل مع جيسي بوصفه اسماً عائلياً ثابتاً
قبل التحقق من الوثيقة الأصلية.
ولم تتوقف حياة بطرس عند
المعمودية، فقد قُبل في 17 آب 1647م في كلية نشر الإيمان بروما، وكان عمره في ذلك
الوقت نحو أربعة وعشرين عامًا. وتذكر الرواية أن قبوله تم بترشيح من الكاردينال
بربرينو (Barberini)، وبقرار من مجمع نشر الإيمان صدر في 3 حزيران من السنة نفسها.
وهذه المعلومة تكشف أن الكنيسة لم تتعامل معه باعتباره مجرد شخص اعتنق المسيحية،
وإنما عملت على تكوينه داخل مؤسسة دينية متخصصة، وهو ما يدل على أن له دوراً كان
متوقعاً في العمل الكنسي في الشرق.
وتكشف هذه المرحلة عن سياسة مهمة
اتبعتها الكنيسة الكاثوليكية في التعامل مع الشرق؛ إذ لم يكن الاعتماد على رجال
الدين الأوروبيين وحدهم كافياً لممارسة العمل الديني في المجتمعات الشرقية، بسبب
اختلاف اللغات والعادات والبنى الاجتماعية. ولذلك اهتمت روما بتكوين رجال دين من
أبناء تلك المجتمعات، بحيث يستطيعون العودة إلى مناطقهم الأصلية والعمل داخلها.
وبطرس جيسي يمثل نموذجاً مبكراً لهذه السياسة، فقد خرج من المجتمع الكوردي، وتلقى
تكوينه في روما، ثم عاد إلى الشرق وهو يحمل خبرة دينية وثقافية مختلفة.
بعد إكمال تكوينه الكنسي، عاد
بطرس إلى الشرق، وتشير الروايات إلى أنه مارس العمل الديني والتبشيري، ولا سيما في
مدينة آمد، أي دياربكر. وكانت آمد في تلك الفترة مركزاً مهماً من مراكز المسيحية
الشرقية، كما كانت المنطقة المحيطة بها تشهد تداخلاً بين الكنائس الشرقية والبعثات
الكاثوليكية القادمة من أوروبا. ومن ثم كان وجود رجل مثل بطرس، الذي يعرف المنطقة
من الداخل ويعرف المؤسسة الكنسية في روما من الداخل أيضاً، ذا أهمية خاصة.
ثم ارتبط بطرس بالبطريرك إيليا
الثامن، أحد أبرز بطاركة كنيسة المشرق في القرن السابع عشر. وتذكر الرواية أن
البطريرك أدرك قيمة تجربته في روما ومعرفته بالدوائر الكنسية هناك، ولذلك أصبح
بطرس جزءاً من شبكة الاتصال بين قيادة الكنيسة الشرقية وروما. وبذلك تحول دوره من
شخص اعتنق المسيحية وتلقى التعليم في روما إلى وسيط ديني وسياسي بين بيئتين
كنسيتين مختلفتين.
وتشير الروايات الكنسية إلى أن
البطريرك إيليا الثامن هابيل (Eliya VIII Habil)، الذي تولى بطريركية كنيسة المشرق في خط القوش بين عامي 1617
و1660م، ارتبط خلال عهده بمحاولات التواصل مع الكرسي الرسولي في روما، في ظل
الانقسامات والتنافسات التي شهدتها كنيسة المشرق في تلك المرحلة. وفي هذا السياق،
تذكر الروايات أن البطريرك إيليا الثامن أوكل إلى بطرس جيسي مهمة التوجه إلى روما
برفقة الأب مرقس والشماس طيمثاوس، للتواصل مع المسؤولين في الكرسي الرسولي ونقل
المعلومات المتعلقة بأوضاع الكنائس الشرقية. ويكشف هذا التطور عن تحول لافت في
مسيرة بطرس؛ فالرجل الذي انتقل في بداية حياته من العمادية إلى روما طلبًا لاعتناق
المسيحية والتعلم في مؤسساتها، عاد بعد سنوات إلى الشرق ليصبح حاملًا لرسالة من
البيئة الكنسية الشرقية إلى روما.
وتتجلى أهمية هذه المرحلة في أن
بطرس جيسي أصبح، بحكم تجربته الشخصية، قادرًا على التحرك بين بيئتين مختلفتين؛ فقد
نشأ في المجتمع المسلم في العمادية، ثم عاش تجربة التحول الديني والتكوين الكنسي
في روما، قبل أن يعود إلى المشرق ويشارك في الاتصالات بين بعض القيادات الكنسية
الشرقية والدوائر الرومانية. ومن ثم يمكن النظر إليه بوصفه أحد الوسطاء الأوائل
الذين جمعت تجربتهم بين معرفة المجتمع الشرقي من الداخل، ومعرفة المؤسسة
الكاثوليكية الأوروبية وآليات عملها واتصالاتها بالكنائس الشرقية.
وتتأكد أهمية دوره من خلال
الإشارات إلى مراسلات رجال الدين الكبوشيين في المنطقة. فقد وردت شهادة للأب بطا
الكبوشي، المسؤول عن الرسالة الكبوشية في الموصل، تتعلق بالمهمة التي قام بها بطرس
مع رفيقيه. وتشير الرواية إلى أن بطرس كان يعرف اللغة، وأن مهمته كانت مرتبطة
بالتواصل مع روما ودراسة أوضاع الكنائس الشرقية وما يمكن أن تقدمه المؤسسة
الكاثوليكية لها. وهذه الشهادة تؤكد أن المعرفة بالبيئة المحلية كانت عنصرًا
أساسيًا في نشاط البعثات الدينية الأوروبية.
أما مسألة كونه "أول كوردي
تنصر في روما"، فهي تحتاج إلى قدر من الحذر العلمي. فالمصادر التي تمكنا من
تتبعها توثق بوضوح أن بطرس كان من العمادية، ومن أبوين مسلمين بحسب الرواية، وأنه
تعمّد في روما سنة 1642م، ثم درس في كلية نشر الإيمان (Collegio Urbano di Propaganda Fide) في روما ابتداءً من سنة 1647م. لكن لا يوجد في المادة التي أمكن التحقق
منها نص صريح يقول إنه كان "أول كوردي" اعتنق المسيحية في روما. ولذلك
فإن العبارة الأدق هي أنه "من أقدم الكورد المعروفين بالاسم الذين توثق
المصادر الكنسية الرومانية اعتناقهم المسيحية في روما ودراستهم في كلية نشر
الإيمان في القرن السابع عشر".
وقد وصلت قصة بطرس جيسي إلى
الباحثين المعاصرين من خلال جهود عدد من رجال الكنيسة والباحثين الذين اهتموا
بالعلاقات بين روما وكنائس المشرق، ومن بينهم الأنبا شموئيل جميل التلكيفي
(1841–1917م)، من مواليد تلكيف، دخل الرهبنة سنة 1866م، وأُرسل إلى روما للدراسة
في كلية نشر الإيمان، حيث رُسم كاهناً سنة 1879م. وبعد عودته إلى العراق تولى
عددًا من المناصب الكنسية، وانتُخب رئيساً عاماً للرهبانية الهرمزدية في ثلاث
فترات، كما أوفد إلى مناطق كوردستان لتفقد أحوال المسيحيين، وأقام في روما سبع
سنوات وكيلاً بطريركياً لدى الكرسي الرسولي. واشتهر باهتمامه بالتاريخ الكنسي
والمخطوطات والوثائق المتعلقة بالعلاقات بين روما وكنائس المشرق، ومن أبرز أعماله
نشر وثائق تتصل بالمراسلات بين بطاركة كنيسة المشرق والكرسي الرسولي في القرن
السابع عشر. توفي سنة 1917م ودُفن في دير السيدة في القوش. الذي أسهم في نشر مواد
وثائقية تتعلق بهذه العلاقات.
وتشير الإحالات المتداولة إلى
حوليات كلية نشر الإيمان، وإلى مجموعة الوثائق المتعلقة بالفترة 1633–1753م، وإلى
ورقة تحمل الرقم 15 بحسب النقل المنشور، كما أحال المطران عمانوئيل دلي إلى هذه
المادة في دراسته عن مبادرات الاتحاد بين بطاركة بابل وروما في القرن السابع عشر.
ومن هنا فإن قصة بطرس جيسي لا تقوم على رواية محلية متأخرة فحسب، وإنما ترتبط
بسلسلة من الوثائق الكنسية التي تعود إلى القرن السابع عشر.
ومع ذلك، لاتزال جوانب كثيرة من
حياة الرجل مجهولة. فلا نعرف حتى الآن اسمه الإسلامي السابق بصورة مؤكدة، ولا اسم
والده أو والدته، ولا تاريخ ولادته الدقيق، ولا تفاصيل رحلته من العمادية إلى
روما، ولا من تكفل بسفره، ولا جميع مراحل حياته بعد مغادرة روما. كما أن تاريخ
رسامته الكهنوتية وتاريخ وفاته يحتاجان إلى توثيق من السجلات الأصلية. وهذه
الثغرات تجعل شخصية بطرس جيسي واحدة من الشخصيات التي تحتاج إلى مزيد من البحث في
أرشيفات روما، ولا سيما سجلات مجمع نشر الإيمان وسجلات كلية بروباغندا وسجلات
المعمودية في كنائس روما.
ومع ذلك، فإن ما نعرفه حتى الآن
يكفي لإعطاء الشخصية مكانة خاصة في تاريخ كوردستان. فبطرس جيسي يمثل حالة مبكرة
لشخص كوردي من العمادية انتقل من البيئة الإسلامية إلى البيئة المسيحية في روما،
ثم تلقى تعليماً دينياً في واحدة من أهم المؤسسات الكنسية العالمية، قبل أن يعود
إلى الشرق ويشارك في شبكة الاتصالات بين روما وكنائس المشرق.
إن قصة بطرس جيسي تفتح نافذة على
جانب غير معروف كثيراً من تاريخ كوردستان في القرن السابع عشر؛ فالتاريخ الكوردي
لم يكن منفصلاً عن التطورات التي كانت تجري في روما واستنبول وبغداد ودياربكر
والموصل، بل كان أبناؤه يتحركون داخل شبكات سياسية ودينية وثقافية عابرة للحدود.
وبطرس جيسي واحد من أولئك الذين حملتهم هذه الشبكات من جبال كوردستان إلى قلب
العالم الكاثوليكي، ثم أعادتهم إلى الشرق في أدوار جديدة.
ومن العمادية إلى روما، ثم من
روما إلى آمد (دياربكر)، وبعدها في اتجاه الشرق والغرب مرة أخرى، تبدو حياة بطرس
جيسي أشبه بجسر بشري بين عالمين. وإذا كانت المصادر المتوفرة اليوم لا تسمح لنا
بأن نطلق عليه بصورة قطعية لقب "أول كوردي تنصر في روما"، فإنها تسمح
لنا، دون مبالغة، بأن نضعه بين أقدم الشخصيات الكوردية المعروفة بالاسم التي
ارتبطت بالكنيسة الكاثوليكية في روما خلال القرن السابع عشر.
وتكتمل سيرة بطرس جيسي بفصل
مأساوي تضعه الروايات في نهايات حياته في الحبشة، حيث تذكر أنه قُتل سنة 1680م على
يد رجال من أتباع الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، بعد أن تعرض للطعن بالرماح
والرجم بالحجارة، بسبب تمسكه بالكاثوليكية ودفاعه عن تعاليمها في مواجهة خصومه
الأرثوذكس. وإذا صحت هذه الرواية، فإن مقتله لا يمكن فصله عن المناخ الديني
والسياسي المضطرب الذي شهدته الحبشة آنذاك، ولا عن الصراع المرير بين الكاثوليكية
والكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، في ظل المحاولات التي بذلها الكرسي الرسولي، عبر
المرسلين الكاثوليك، لضم الكنيسة الإثيوبية إلى الاتحاد مع روما وإقناع أتباعها
بالاعتراف بسلطة البابا وتبني العقيدة والممارسات الكاثوليكية.
فقد شهدت الحبشة خلال القرن
السابع عشر تنافساً حاداً بين الإرساليات الكاثوليكية والكنيسة الإثيوبية
الأرثوذكسية، ولم يكن الخلاف مجرد اختلاف في الطقوس والممارسات الدينية، بل امتد
إلى قضايا لاهوتية وكنسية عميقة، وفي مقدمتها طبيعة المسيح، وسلطة البابا، وحدود
استقلال الكنيسة الإثيوبية عن الكرسي الرسولي. وقد حاولت روما، من خلال الإرساليات
والبعثات التي أرسلتها إلى الحبشة، تحقيق اتحاد الكنيسة الإثيوبية معها، بينما
نظرت المؤسسة الكنسية الإثيوبية إلى هذه المحاولات باعتبارها تهديدًا لاستقلالها
الديني وتقاليدها المتوارثة.
وفي هذا السياق المضطرب يمكن فهم
النهاية المأساوية المنسوبة إلى بطرس جيسي؛ فالرجل الذي خرج من العمادية مسلماً،
ثم اعتنق المسيحية في روما، وتلقى تكوينه في كلية نشر الإيمان، وعاد إلى الشرق
حاملاً معه العقيدة الكاثوليكية، انتهى به المطاف في بيئة شهدت واحدة من أشد
المواجهات بين الكاثوليكية والأرثوذكسية الشرقية. وبحسب الرواية المتداولة، أصبح
انتماؤه إلى روما ودفاعه عن المذهب الكاثوليكي سبباً في مقتله، ليكون بذلك ضحيةً
للصراع بين مسيحيين اختلفوا حول العقيدة والسلطة الكنسية، لا للصراع بين المسيحية
والإسلام فحسب.
وتكشف هذه النهاية، إذا ثبتت
تفاصيلها، عن مفارقة تاريخية لافتة؛ فبطرس جيسي بدأ حياته في العمادية داخل مجتمع
مسلم، وانتقل إلى روما طلباً للمسيحية، ثم عاد إلى المشرق، قبل أن تنتهي رحلته في
الحبشة، حيث وجد نفسه في قلب صراع بين كنيستين مسيحيتين حول الإيمان والسلطة
والارتباط بالبابوية. وهكذا تحولت رحلته الشخصية من قصة اعتناق ديني إلى شهادة على
طبيعة الصراعات الكنسية التي تجاوزت الحدود الجغرافية، وربطت بين كوردستان وروما
والمشرق والحبشة في شبكة واسعة من المنافسة الدينية والسياسية.
ولعل أكثر ما يثير الاهتمام في هذه
السيرة أن الرجل الذي غادر العمادية باسم لم يصل إلينا حتى الآن، عاد إلى التاريخ
باسم بطرس جيسي، بعد أن أصبح كاثوليكياً تلقى تعليمه في روما، ثم وجد نفسه في
مناطق كانت روما تسعى فيها إلى توسيع نفوذها الكنسي واستقطاب الكنائس الشرقية إلى
الاتحاد معها. ومن ثم فإن دراسة حياته لا تكشف فقط جانباً مجهولاً من تاريخ
الكورد، وإنما تفتح أيضاً نافذة على الصراع الكنسي العالمي في القرن السابع عشر،
ومحاولات البابوية توسيع دائرة الاتحاد مع الكنائس الشرقية، والمقاومة التي
واجهتها تلك المحاولات من الكنائس المحلية التي تمسكت باستقلالها العقائدي
والكنسي.


.jpg&w=3840&q=75)
