في مشهد إقليمي يعيد تشكيل
تحالفاته على وقع نيران لم تنطفئ منذ السابع من أكتوبر، جاءت المقابلة التلفزيونية
الأخيرة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، لتشكل وثيقة تحليلية متكاملة
وقراءة استراتيجية عميقة لمستقبل العراق. لم تكن طروحات نيجيرفان بارزاني مجرد سرد
للأزمات، بل كانت بمثابة مشرط جراح يلامس العصب الحساس للدولة العراقية، مفككاً
التابوهات ومحذراً من مآلات التردد السياسي في لحظة تاريخية فاصلة.
السيادة المختطفة ومعضلة السلاح
توقف نيجيرفان بارزاني مطولاً عند
السؤال الوجودي الأبرز: من يحكم العراق حقاً؟ فعلى الرغم من الغطاء الدستوري الذي
يمنح القائد العام للقوات المسلحة وحده حق إمرة السلاح، يبرز التناقض الصارخ بين
مؤسسة الحشد الشعبي الرسمية وفصائل مسلحة خارجة عن القانون. هذه المجموعات لم تقتصر
أضرارها على تهديد دول الجوار فحسب، بل وجهت أكثر من ألف هجمة بالمسيرات والصواريخ
طالت البنية التحتية للاقتصاد العراقي في الإقليم، مانعة أي فرصة لجذب الاستثمارات
الأجنبية.
وتحمل إشارة نيجيرفان بارزاني إلى
الموقف الإيراني المستعد لمساعدة بغداد في حصر السلاح بيد الدولة دلالة عميقة فهي
تسحب الذرائع من يد تلك الفصائل وتضع رئيس الوزراء علي الزيدي أمام تفويض سياسي
ووطني شامل لا يحتمل التسويف. إن خطورة هذا الملف تتجاوز الجانب الأمني لتنذر
بعزلة دولية وعقوبات اقتصادية قاسية ستكلف العراق غالياً إذا استمر عجز الدولة عن بسط
هيبتها.
الغام الاقتصاد والانفجار
الاجتماعي
على الصعيد المالي، قرع نيجيرفان
بارزاني ناقوس الخطر من تفجر أزمة اجتماعية وشيكة لا تحمد عقباها. فمع التزامات
شهرية باهظة للرواتب تتراوح بين ستة إلى سبعة مليارات دولار، والتلويح المخيف
بإغلاق مضيق هرمز أمام شحنات النفط، يجد العراق نفسه مكشوفاً بلا شبكة أمان
اقتصادية. وهنا قدم الإقليم مقاربة براغماتية عبر الاستعداد لمد أنابيب نفط بديلة
عبر أراضيه إلى تركيا أو سوريا، مؤكداً أن الحلول الاقتصادية المستدامة تبدأ من
الشراكة الحقيقية لا من سياسة حافة الهاوية.
الفدرالية الضائعة والعلاقة مع
بغداد
في قراءته لطبيعة الأزمة مع
الحكومة الاتحادية، شخّص نيجيرفان بارزاني العلة بدقة متناهية فالمشكلة ليست في
صراع الأشخاص، بل في التنصل من جوهر النظام الاتحادي الذي صوت له 80% من العراقيين
عام 2005. كما إن إصرار بغداد على إدارة البلاد بمنطق "مركزي" مقيت يفرغ
الدستور من مضمونه. وقد رسم نيجيرفان بارزاني بوصلة واضحة تؤكد أن بغداد هي العمق
الاستراتيجي الحقيقي للكورد، وأن استقرار الإقليم واستدامة حقوقه الدستورية هما
صمام الأمان لعراق موحد وآمن.
دبلوماسية الحياد والواقعية
الإقليمية
في سياق السياسة الخارجية، أظهرت
زيارة سوريا والنصيحة الاستراتيجية التي وجهها نيجيرفان بارزاني لقوات سوريا
الديمقراطية بالاندماج الفوري ضمن دولة سورية موحدة ورفع علمها، فهماً عميقاً
لواقع التوازنات الإقليمية الجديدة. كما تجسدت سياسة الحياد الإيجابي في رفض
الإقليم القاطع بأن يكون منطلقاً لتهديد أي دولة جارة، مكرساً بذلك عقيدة
الاستقرار الإقليمي.
إن رسالة نيجيرفان بارزاني
تختزلها حقيقة بسيطة: العراق يركب سفينة واحدة، والاستمرار في سياسة الهروب للأمام
وتأجيل الحسم الدستوري والأمني سيعصف بالجميع. والكرة الآن في ملعب بغداد فإما
دولة سيادة وقانون، أو الانزلاق نحو المجهول.
.jpg&w=3840&q=75)


