يشهد المشهد السياسي العراقي تحولات مفصلية تتطلب قيادات تمتلك وعياً تاريخياً وبصيرة استراتيجية تتجاوز تفاصيل اللحظة الراهنة إلى آفاق المستقبل البعيد. وفي هذا السياق الجوهري، جاءت كلمة رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، في مؤتمر "يوم السيادة" بالعاصمة بغداد، بحضور حشد واسع من القيادات والمسؤولين العراقيين، لتشكل علامة فارقة وخريطة طريق متكاملة لبناء الدولة. ولم تكن هذه الكلمة مجرد خطاب بروتوكولي بمناسبة انتهاء مهام التحالف الدولي، بل كانت مرافعة فكرية وسياسية عميقة أعادت تعريف مفهوم السيادة الوطنية من جذوره، لتنتقل به من حيز الشعارات العسكرية إلى رحاب الكفاءة المؤسساتية والمسؤولية الدستورية الشاملة.
وما يضفي ثقلاً استثنائياً على الطرح الذي قدمه نيجيرفان بارزاني هو حقيقة أنه يمثل الشخصية القيادية الأكثر خبرة وعُمقاً بين جميع الحاضرين في إدارة العمل التنفيذي الحكومي رفيع المستوى؛ فهو سليل مدرسة نضالية وسياسية عريقة ورث فيها هندسة القرار الاستراتيجي عن أبيه وجده، وتسنم منصب رئاسة وزراء إقليم كوردستان لمرات عديدة، وصولاً إلى منصبه الحالي رئيساً للإقليم.
لقد قاد نيجيرفان بارزاني مسيرة نجاحات كبرى استطاعت بحنكة ودبلوماسية هادئة أن تحول إقليم كوردستان من مدن مُنهكة خالية من أبسط مقومات العيش الكريم إلى كيان فدرالي مزدهر ومستقر يُشار له بالبنان على مستوى المنطقة. هذه المسيرة التنفيذية الطويلة والناجحة منحته أسبقية تاريخية وواقعية على كافة السياسيين الحاضرين في تلمس مواطن الخلل والحل في بنية النظام السياسي العراقي برمته.
لقد غاص نيجيرفان بارزاني في صلب المعضلة العراقية حين أكد أن السيادة لا تكتمل بمجرد انسحاب القوات الأجنبية أو خلو الأرض من الوجود العسكري الخارجي، بل تتحقق حين تمتلك الدولة العراقية بمؤسساتها الدستورية القرار النهائي الحصري في السلم والحرب. وضع الخطاب الإصبع على الجرح حين صرح بشجاعة وبصراحة بالغة بأن "قوة العراق لا تكمن في السلاح الخارج عن سلطة الدولة، ولا في التأزيم والاضطراب، بل تكمن في سيادة منطق الدولة والدستور وصون التوازن وحقوق المكونات". هذا التوصيف الجريء يعكس رؤية رجل دولة لا يخشى مواجهة الحقائق، بل يسعى لتأسيس استقرار مستدام يحمي الأجيال القادمة من ارتدادات الأزمات المتراكمة.
ولم يفوت نيجيرفان بارزاني التذكير بالدور التاريخي والتضحيات الجسام التي قدمها العراقيون جميعاً، من جيش و"بيشمركة" وحشد شعبي وقوات أمنية، في خندق واحد ضد إرهاب داعش، معبراً عن امتنان العراق للدعم الدولي ومؤكداً أن مرحلة ما بعد التحالف الدولي يجب ألا تعني القطيعة، بل التحول الطبيعي والراشد نحو شراكة استراتيجية متوازنة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة ودول التحالف، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية. هذا التحول يعكس ثقة وطنية ناضجة بأن معيار نجاح الدعم الدولي يكمن في مدى قدرة الأبناء على حماية أمنهم بأنفسهم بثقة واقتدار.
ولعل النداء الأبرز في خطاب رئيس إقليم كوردستان تمثل في دعوته الملحة لحسم كافة المسائل العالقة داخل البيت العراقي بلا تمييز أو تسويف، بدءاً من تنظيم العلاقات الاستراتيجية والجوهرية بين أربيل وبغداد، مروراً بملف السلاح وحصر بؤر القرار، وصولاً إلى ترسيخ حقوق كافة المكونات العراقية على أساس الدستور والنظام الفدرالي. فنيجيرفان بارزاني، من واقع خبرته التراكمية الطويلة، يؤمن بأن بقاء المشكلات دون حلول جذرية هو استنزاف لطاقة الدولة ورهن لمستقبلها.
إن كلمة نيجيرفان بارزاني في بغداد تجاوزت حدود الرمزية السياسية لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية؛ فعندما يتحدث القائد الذي خبر العمل التنفيذي وبنى نموذجاً ناجحاً في الإقليم، فإن صوته يحمل وزن التجربة وبريق الأمل، مؤكداً أن إقليم كوردستان سيظل السند الأمين لكل خطوة تعزز وحدة العراق، وسيادة قانونه، وشراكته الدستورية، ليكون وطناً آمناً، عزيزاً، ومركزا للسلام في محيطه الإقليمي والدولي.


.jpg&w=3840&q=75)
