كان طبيعياً أن يتغير في الخطاب شيء، فلكل مرحلة خطابها، لكن التغير في الخطاب شيء وانقطاعه عن ذلك الخطاب الجامع للقوى العراقية شيء آخر و كذلك مؤلم.
أثق بأن خطابنا لم يتغير كثيراً، من حيث حرصه على الاتصال بالبدايات، مع أنه صار يركز على ظواهر سياسية ما كان يصح أن تصيب الفكر السياسي العراقي.
كان الخطاب الذي تجاهر به قوى المعارضة العراقية، وطنياً جداً، واضح المطالب، واقعياً، له تأثير ومعه تعاطف، تجمعياً، ينطلق من مكونات للكل، محترم الطروحات، ناصح، غير تهديدي.
خطاب واعد، يقف فيه أصلاء العمل من كورد وكوردستانيين وعرب وتركمان، مسلمين ومسيحيين، وإيزديين، ويساريين وقوميين، ليقدموا ما لم يدلسوا فيه على الأنظمة الحاكمة، وكان التفوق في الفكر في تلك المرحلة يسجل فيه التفوق للمعارضين لا للسلطة.
وسائل إعلامنا واتصالنا بالإعلام الخارجي، كان فيه الواحد يمثل الكل، ورجال تلك المرحلة (رحم الله منهم من ارتحل، و حفظ الباقين) كانوا يتكلمون بعراقية الكل واحترام التفصيلات.
قلتُ إنه من الطبيعي أن يتغير الخطاب بتغير الحال السياسي، فالمعارضون صاروا هم السلطة، والذين كانوا في السلطة توزعوا بين سجين وهارب ومنظم لقوى إرهابية، أو معتزل أو مغير لعقيدته، وهذا أمر مفهوم وليس جديداً على كثيرين.
لكن الخطاب - لن أقول ظهر ما كان مخفياً - اتخذ مواضيع ومفردات ما كان ليصح أن يتخذها وصاحبها يعمل ضمن صياغة تأسيس عراق جديد.
العراق لا يبنى بالطائفية، هذا استعداء حاضر ومستقبلي للطوائف، ودافع لها ومحفز لعدوى التطيّف، والذهاب لهذا المسار سيجعل الهوية الفرعية شرطاً غير موفق للعمل، و منه السياسي والإداري، وسيوصل وقد أوصل للآخرين أن العمل المعارض كان بدوافع طائفية لا اعتراضية على سياسة حكم.
القضية نفسها على التركيز الحزبي، وكأن الملتحق بحزب آخر ليس من شركاء الوطن ولا من شركاء الإنسانية وصنع ونتائج القرار.
التطيّف والتحزب قد يصنعان سُلطة وقد صنعا، لكنها سُلطة لا تدوم، وقد سقطت دول بسبب اختيارها هذا المضمار، بل إن الحكم السابق أزيل لتركيزه الحزبي والطائفي.
لا أدافع عن أدائنا ولا أهاجم آخرين، لكننا، منذ 1946، حتى يومنا هذا، نتطور في الخطاب على أسس الخطاب السياسي الأول نفسها، رشاد الحكم وإشاعة العدالة والمساواة، وما ردودنا السياسية والعملية والكلامية إلّا بسبب تغير خطاب الآخرين وتصريحاتهم وأعمالهم.
عشرون سنة وأكثر، ونحن نراقب ونعيش وتتسبب لنا بالضرر هذه التغيرات التي – وبصراحة - صار قسم منها يشابه الغبن والإقصاء السابق، وكما ذكرت في مقال سابق فنحن نتصبر ونحتمل الأذى وعياً وخشية على مصالح شعبنا وباقي شعوب العراق.
من غير المقبول أن نكون في مكان وعن تقصّد من آخرين، فنلام من شعوبنا على خسارات من كل نوع بسبب انحدار الفكر والعمل والكلام إلى اختيارات كنّا نذم ونلوم ونهاجم عليها السابقين.
لقد حرص الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في كوردستان و في تمثيله ضمن العراق، الآن وقبل الآن على عراق مجتمع القوى اجتماعياً، سياسياً، عرقياً، عقائدياً، فكرياً، وقوميات، وهذا هو عملنا المتصل وكلامنا غير المنفصل.
كنا نأخذ عليهم ما صار يؤخذ حتى على الذين لم يشتركوا في تفتيت الجامع الوطني العراقي.
فهل من مُذّكّر؟.

.jpg&w=3840&q=75)

