كان روجر كريغ كمبرلند (Roger C. Cumberland) يرغب في الأصل في التوجه إلى أفغانستان للعمل التبشيري،
غير أن عدم توفر مجال مناسب للإرسالية الأميركية هناك دفع إلى توجيهه نحو العراق
وإيران، حيث كانت الإرساليات البروتستانتية الأميركية تعمل في مناطق واسعة من
الشرق الأوسط. والتحق كمبرلند بالنشاط التبشيري المشيخي المرتبط بمجلس الإرساليات
الأجنبية للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأميركية (Board of Foreign Missions of the Presbyterian Church in the
U.S.A.) ، ووصل إلى
العراق في نيسان 1923، فبدأ نشاطه في الموصل ثم أخذ يتجه شمالاً نحو المناطق
الكوردية.
جاء وصوله إلى العراق في مرحلة
سياسية مضطربة، كانت فيها بريطانيا صاحبة النفوذ الأساسي في البلاد، وكانت حركات
الشيخ محمود الحفيد البرزنجي (1878–1956) في كوردستان العراق قد بلغت مراحلها
الأخيرة بين 1919 و1924. وقد أتاح له تنقله في المناطق الكوردية التعرف المباشر
إلى المجتمع الكوردي، فقام منذ سنة 1923م بجولات في عدد من القرى برفقة زملائه،
ومنهم Ed Wright، وتنقلوا على ظهور الخيل وأقاموا فترات بين السكان. كما قضى جزءاً
من شتاء 1923 في سميل لدراسة اللغة الكوردية، التي عدّ إتقانها ضرورة أساسية لنجاح
مهمته، لأنه أراد أن يتواصل مع السكان مباشرة دون الاعتماد على المترجمين.
وتشير دراسة Tijmen C. Baarda إلى
أن كمبرلند كان من المبشرين الذين تخصصوا بصورة أساسية في العمل بين الكورد، في
حين كان زميله الدكتور ماكدونالد R. W.
McDowell أكثر اهتماماً بالمجتمع الآشوري واللغة السريانية واستقر في مدينة
الموصل. وكان هذا التخصص اللغوي والاجتماعي أحد أهم عناصر تجربة كمبرلند، إذ لم
يكن نشاطه قائماً على زيارة عابرة للمنطقة، وإنما على الإقامة الطويلة والاندماج
النسبي في المجتمع المحلي ودراسة لغته وعاداته وطرق التواصل معه. وقد نشر سنة 1926
مقالاً مهماً بعنوان (الكورد) «The Kurds» في مجلة العالم الاسلامي The Muslim World، يمثل مصدراً أولياً مهماً لدراسة رؤيته للمجتمع الكوردي في
عشرينيات القرن العشرين. ومع ذلك، فإن كتاباته تحتاج إلى قراءة نقدية، لأنها صادرة
عن مبشر غربي في سياق فكري تبشيري كان ينظر إلى الإسلام والمجتمعات الشرقية من
خلال منظومة دينية وثقافية غربية.
وفي سنة 1924م تأسست الإرسالية
المتحدة في بلاد ما بين النهرين (United
Mission in Mesopotamia) ، وهي مؤسسة
تبشيرية بروتستانتية أميركية مشتركة ضمت ثلاث كنائس رئيسية هي الكنيسة المشيخية في
الولايات المتحدة الأميركية (Presbyterian Church in the U.S.A.) ، والكنيسة
الإصلاحية في أميركا (Reformed
Church in America) ، والكنيسة
الإصلاحية في الولايات المتحدة (Reformed
Church in the United States). وأصبحت هذه المؤسسة الإطار
التنظيمي الأهم للنشاط التبشيري الأميركي في العراق، قبل أن يتغير اسمها سنة 1935م
إلى الإرسالية المتحدة في العراق (United Mission in Iraq). وتحتفظ Presbyterian Historical Society بسجلات مهمة للإرسالية، تشمل
المراسلات والتقارير ومحاضر اللجان، فضلاً عن ملف صندوق روجر كمبرلند التذكاري Roger Cumberland Memorial Fund الذي يعود إلى السنوات 1938–1944.
ومن المهم التمييز بين تاريخ وصول
كمبرلند إلى العراق وتاريخ استقرار الإرسالية بصورة رسمية في دهوك. فقد وصل إلى
العراق سنة 1923 وبدأ نشاطه في الموصل والمناطق الكوردية، ثم أخذ ارتباطه بدهوك
يتزايد خلال النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين، قبل أن تصبح دهوك محطة رسمية
للإرسالية سنة 1930. ومن ثم فإن القول إنه «وصل إلى دهوك سنة 1923» قد يستخدم
للدلالة العامة على بداية نشاطه في المنطقة، لكن الأدق تاريخياً القول إنه وصل إلى
العراق سنة 1923، ثم ارتبط بدهوك بصورة متزايدة، إلى أن أصبحت مركزاً تبشيرياً
رسمياً سنة 1930.
لم يقتصر نشاط كمبرلند في دهوك
على الوعظ الديني المباشر، بل اتخذ صورة مشروع متكامل للتواصل مع المجتمع الكوردي.
فقد زار القرى النائية، وأقام بين السكان، وتعلم لغتهم، ووزع الكتب والأدبيات
المسيحية والكتاب المقدس وأجزاء منه، وحاول إنشاء تجمعات مسيحية صغيرة يمكن أن
تتحول إلى نواة لجماعات مسيحية كوردية محلية. وكانت غايته الأساسية أن تنشأ جماعات
مسيحية تتحدث الكوردية ولها جذور داخل المجتمع المحلي، بدلاً من أن يظل النشاط
المسيحي مجرد مؤسسة غربية منفصلة عن البيئة الكوردية.
وقد تزوج كمبرلند سنة 1927 من
هارييت جيلبرت غَن (Harriet
Gilbert Gunn(1904 – 1980م)
، وهي ابنة مبشرين أميركيين كانوا يعملون في الفلبين، وانتقلت معه إلى العراق
وكردستان. وأصبحت شريكته في حياته التبشيرية والاجتماعية في دهوك. وأنجب الزوجان
ابنتين هما: وينديلا غرايم كمبرلند Wendela
Graeme Cumberland(1935–2011) وجانيت د.
كمبرلندJanet D. Cumberland (1937–2023) ، في حين توفي طفلان آخران لهما
عند الولادة.
وفي سنة 1929 بنى كمبرلند منزله
المعروف في دهوك، والذي أصبح لاحقاً من أبرز الشواهد المادية على الوجود التبشيري
الأميركي في المدينة، واشتهر في الذاكرة المحلية باسم «بيت كمبرلند» أو «قصر
كمبرلند». وكان المنزل مقراً لحياة أسرته ونشاطه التبشيري والاجتماعي، كما استقبل
فيه سكاناً وزائرين من مختلف الفئات. وقد جمع تصميمه بين بعض العناصر المحلية
والعناصر الغربية، الأمر الذي جعله من الأبنية المميزة في دهوك خلال تلك المرحلة.
ولم يكن نشاطه الاجتماعي منفصلاً
عن مهمته التبشيرية، لكنه لم يكن مجرد غطاء لها أيضاً. ومن أبرز مشروعاته مشروع
المياه، إذ استثمر مصدراً للمياه ومد أنابيب إلى منزله، ثم استفادت أجزاء من مدينة
دهوك من المياه التي وصلت عبر المشروع، وتشير الروايات إلى أنها بلغت نحو ربع
المدينة، بما في ذلك المنطقة القريبة من الجامع الكبير. كما أقيم في أرضه ملعب
للتنس. وقد أكد كمبرلند في إحدى كتاباته أن توفير المياه وبناء ملعب التنس، على
الرغم من أهميتهما، لم يكونا الهدف الذي جاء من أجله إلى كوردستان، لأن غايته
الأساسية كانت العمل التبشيري ونشر المسيحية.
وتكشف هذه الأعمال عن طبيعة
العلاقة المركبة بين الخدمة الاجتماعية والتبشير في الإرساليات البروتستانتية الأميركية؛
فقد كانت الخدمات المائية والتعليمية والصحية والاجتماعية وسيلة حقيقية لخدمة
السكان، وفي الوقت نفسه وفرت للمبشرين قنوات للتواصل مع المجتمع المحلي والوصول
إلى شرائح لم يكن من السهل الوصول إليها بالوعظ المباشر وحده. ولذلك فإن تفسير
نشاط كمبرلند الاجتماعي باعتباره مجرد وسيلة خفية للتنصير يختزل تجربته، كما أن
فصله تماماً عن مشروعه التبشيري لا ينسجم مع طبيعة الإرساليات في تلك المرحلة.
وارتبط اسم كمبرلند كذلك بملكية
مساحات واسعة من الأراضي في منطقة دهوك. ففي سنة 1926 اشترى نحو ألف فدان من
الأراضي من أحد سكان قرية أيتوت المجاورة، وكان من ضمنها موقع قرية بابلو (Bablu) ، الواقعة إلى الشمال الشرقي من دهوك، وقدرت قيمة الصفقة في بعض
الروايات بنحو 400 ليرة تركية، أو ما يعادل نحو 500 دولار أميركي آنذاك. وأصبحت
ملكية الأراضي لاحقاً جزءاً من الجدل المحيط بكمبرلند، ولا سيما فيما يتعلق
بالأراضي المرتبطة بالآشوريين الذين استقروا في المنطقة بعد نزوحهم من هكاري عقب
الحرب العالمية الأولى. وقد رأى الباحثان Charles A. Dana و Joe P. Dunn أن قضية الأراضي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند دراسة
الظروف التي أحاطت بمقتله، مع التأكيد على أن ذلك لا يثبت أنها كانت السبب الوحيد
أو المباشر في اغتياله.
وكانت علاقة كمبرلند بالآشوريين
معقدة؛ فعلى الرغم من أن اهتمامه الأساسي كان منصباً على المجتمع الكردي، فقد وجد نفسه
قريباً من الآشوريين بحكم وجودهم في الموصل وكوردستان العراق، وبسبب مشاركة بعضهم
في العمل المحلي للإرسالية. وكان الدكتور مكدونالد R. W. McDowell أكثر
تخصصاً في شؤون الآشوريين واللغة السريانية، بينما ظل كمبرلند أكثر ارتباطاً
بالكورد واللغة الكوردية. كما كان روبرت سبير Robert E. Speer (1867–1947) من أبرز المسؤولين
في الحركة التبشيرية المشيخية الأميركية التي كان مقرها بنيويورك، وكانت مراسلات
كمبرلند معه من المصادر المهمة التي تكشف طبيعة النشاط التبشيري ومواقفه من
القضايا السياسية والدينية في العراق.
وقد شكلت أحداث سميل في شهر آب
سنة 1933 نقطة تحول في علاقة كمبرلند بالقضية الآشورية. ففي ذلك العام تعرض
الآشوريون في سميل ومناطق أخرى من كوردستان العراق للقتل، وأثارت الأحداث اهتماماً
واسعاً في الولايات المتحدة وأوروبا. وكانت الإرسالية المتحدة قد ارتبطت بالآشوريين
قبل ذلك، لكن موقفها من القضية الآشورية أخذ يتغير بعد أحداث سميل، نتيجة رغبة بعض
المبشرين في الابتعاد عن التدخل المباشر في القضايا السياسية المرتبطة بالأقليات.
وقد تناول الباحث الهولندي تيمَن
باردا Tijmen C.
Baarda هذه القضية بصورة
تفصيلية في دراسته المنشورة سنة 2023 بعنوان «تورط الإرساليات التبشيرية في مذبحة
سميل عام 1933: نهاية التعاطف الأميركي مع الآشوريين» Mmissionary Involvement with the Simele Massacre in 1933: The
End of American Sympathy for the Assyrians، المنشورة في المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط (British Journal of Middle Eastern
Studies) ، مج 52، ع
1، 2025، ص 120–138. التي تبرز طبيعة علاقة الإرسالية الأميركية بالآشوريين
والتحولات التي طرأت على موقفها بعد أحداث سميل. وفي هذه الأجواء أصبح كمبرلند
أكثر انخراطاً في الشأن الآشوري، واتخذ موقفاً منتقداً لبعض أعمال الجيش العراقي،
كما سمح لعدد من النساء والأطفال والأرامل الآشوريين المتضررين من الأحداث باللجوء
إلى محيط منزله في دهوك. وتشير دراسة Jordi Tejel إلى أن هذه المواقف، إلى جانب
نشاطه التبشيري بين المسلمين الكورد والإيزديين، ساهمت في تعقيد علاقته بالسلطات
وبعض الأوساط المحلية.
وفي الوقت نفسه واصل كمبرلند
نشاطه بين المسلمين الكورد والإيزيديين، وحاول إقامة علاقات مباشرة مع السكان
والزعامات المحلية، ومن بينها اتصالاته بإسماعيل بك، أحد الزعماء الإيزديين. وكان
مشروعه يهدف إلى إيجاد جماعات مسيحية محلية تتحدث الكوردية، الأمر الذي جعله
يتجاوز حدود العمل بين المسيحيين التقليديين إلى محاولة استقطاب المسلمين والإيزديين
إلى المسيحية.
غير أن نجاحه في هذا المجال كان
محدوداً إذا قيس بحجم طموح المشروع التبشيري. وتشير المصادر إلى أن عدد المتحولين
من الإسلام إلى المسيحية كان قليلاً، وأن السجل المتاح يثبت بصورة واضحة حالات
فردية محدودة. وتذكر بعض الروايات التبشيرية أن كمبرلند نجح سنة 1937 في تحويل رجل
وزوجته إلى المسيحية، بينما تشير معلومات أخرى إلى أن الشخص المعني كان رجلاً
عربياً من الموصل، شقيق معاون شرطة دهوك. ومن ثم فإن الأدق علمياً القول إن نشاطه
حقق بعض التحولات الدينية الفردية، لكنه لم يؤدِ إلى تحول واسع داخل المجتمع
الكوردي في دهوك. ومع ذلك، فإن مجرد انتقال بعض الأفراد من الإسلام إلى المسيحية
كان كافياً لإثارة ردود فعل قوية في البيئة الدينية والاجتماعية المحلية.
وتزايدت الضغوط على كمبرلند خلال
منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، ولا سيما بعد انقلاب بكر صدقي سنة 1936 ومقتله سنة
1937 وعودة نوري السعيد (1888–1958) إلى موقع النفوذ السياسي. وفي هذه الأجواء
ازدادت المخاوف المرتبطة بالتبشير وحرية التحول الديني، وتعرض كمبرلند، بحسب
المراسلات والروايات المتاحة، لضغوط وتهديدات متزايدة، كما خضعت أسرته للمقاطعة،
وأصبح منزله تحت مراقبة الشرطة، وتعرض بعض الأشخاص الذين كانوا يترددون عليه
للاستجواب أو الضغط.
وفي سنة 1937 ارتبط اسم كمبرلند
بقضية دينية تتعلق بأحد العاملين في مجال التعليم الذي أعلن اعتناقه المسيحية،
فتدخل كمبرلند دفاعاً عن حقه في ممارسة معتقده. وتظهر المراسلات المنسوبة إليه أن
السلطات المحلية أصبحت أكثر تشدداً تجاه نشاطه، وأن الحماية التي تمتع بها خلال
السنوات السابقة بدأت تتراجع. وبذلك أصبحت دهوك بالنسبة إليه بيئة يختلط فيها
النشاط التبشيري بالتوتر الديني والسياسي والاجتماعي.
وفي أيار 1938 ذهب كمبرلند إلى
بيروت للمشاركة في اجتماع مسيحي إقليمي، وكان يدرك أن وضعه في دهوك أصبح محفوفاً
بالمخاطر. ومع ذلك قرر العودة إلى المدينة والاستمرار في مهمته. وتظهر رسائله في
تلك المرحلة أنه كان واعياً للتهديدات التي تحيط به، وأن الخطر الذي انتهى بمقتله
لم يكن حادثاً مفاجئاً، بل سبقه تصاعد في التوتر والتهديدات والمقاطعة والرقابة.
وقبل اغتياله بأيام قليلة اشتدت
المعارضة للنشاط التبشيري، وتذكر الروايات التبشيرية أن بعض الملاّلي في جامع دهوك
الكبير قاموا بجمع الكتب والمنشورات المسيحية التي كانت قد وزعت أو بيعت وإحراقها
علناً، وذلك في حدود 5 حزيران 1938. وقد وصفت مجلة The Moslem World في
نعيها لكمبرلند مقتله في سياق هذه الأجواء، مشيرة إلى أن رجلين كورديين دخلا منزله
بحجة الحصول على الكتب، ثم أطلقا عليه النار.
وفي صباح الأحد 12 حزيران 1938
أقام كمبرلند الخدمة الدينية في منزله بحضور زوجته هارييت وابنتيه الصغيرتين. وبعد
انتهاء الصلاة حضر رجلان إلى المنزل، كان من بينهما، وفق الرواية التبشيرية، رجل
عرف باسم سليم مصطفى بيسفكي (Selim
Mustafa Besifki) ، وقيل إنه
ابن أحد زعماء قرية بيسفكي (Besifki) جلس الرجلان مع كمبرلند وتحدثا معه وتناولا العصير، ثم
دار الحديث حول المسيحية والكتب الدينية. وعندما توجه كمبرلند إلى خزانة الكتب
لإحضار بعض الأدبيات المسيحية، أخرج سليم مصطفى مسدساً وأطلق النار عليه عدة مرات
فأصابه اصابات مباشرة في بطنه وساقه، ثم فر الرجلان، وأطلقا النار كذلك على خادمه
موسى (Musa) عندما حاول التدخل.
أصيب كمبرلند إصابات بالغة، ونُقل
في محاولة لإنقاذ حياته إلى مستشفى الموصل، لكنه توفي مساء اليوم نفسه الساعة
العاشرة نفس يوم 12 حزيران 1938، متأثراً بجراحه. كما توفي خادمه موسى متأثراً
بإصابته. ودُفن كمبرلند في مقبرة الإرسالية في الموصل في اليوم التالي 13/6/1938،
بينما أثارت الحادثة اهتمام الصحافة الغربية والدوائر الحكومية الأميركية. وقد
نشرت الصحف البريطانية في 14 حزيران 1938 أخبار مقتله، كما تناولت القضية وثائق
سلسلة "العلاقات الخارجية للولايات المتحدة" Foreign Relations of the United States، التي أكدت أن روجر كريغ كمبرلند، المبشر
المشيخي الأميركي، قتل في العراق في 12 حزيران 1938، وأن الدافع الديني كان من
التفسيرات الأساسية المطروحة آنذاك.
أما تحديد الدافع الحقيقي
للاغتيال، فيحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالرواية التبشيرية الأميركية المعاصرة
فسرت العملية أساساً بوصفها نتيجة لمقاومة التبشير والتعصب الديني، وربطت بين
اغتياله ونشاطه في نشر الإنجيل ومحاولاته استقطاب المسلمين إلى المسيحية. إلا أن
الدراسات الأكاديمية الحديثة تقدم صورة أكثر تركيباً.
ويرى الباحثان تشارلز ودانا، أن
تفسير الجريمة بالتعصب الديني وحده لا يكفي، وأن السياق الأوسع شمل نشاطه
التبشيري، ومسألة التحولات الدينية، وموقفه من أحداث سميل، وعلاقاته بالآشوريين،
وموقف السلطات العراقية منه، فضلاً عن قضية ملكية الأراضي والتوترات المحلية.
وتكتسب قضية الأراضي أهمية إضافية
في هذا السياق، فقد امتلك كمبرلند أراضي واسعة في منطقة دهوك، وارتبط بعضها
بالسكان الآشوريين وبمحاولات إيواء ومساعدة المسيحيين الذين استقروا في المنطقة.
ولذلك ظهرت لاحقاً روايات ونزاعات حول الملكية، وأصبح اسمه مرتبطاً بهذه القضية في
بعض المصادر. غير أن ذلك لا يثبت أن الاغتيال كان نتيجة مباشرة لنزاع عقاري، وإنما
يجعل من الضروري تجنب اختزال الحادثة في تفسير واحد. والأدق أن يقال إن اغتيال
كمبرلند وقع عند تقاطع عوامل دينية وسياسية واجتماعية ومحلية، كان النشاط التبشيري
أحد أهم مصادر التوتر فيها.
ولم تكن هارييت كمبرلند تنظر إلى
الحادثة بروح من المرارة أو الندم؛ فعندما أعرب السيد غلسنر (Glessner)، وهو أحد أصدقاء روجر كمبرلند ممن شاركوا في
توزيع ونشر الكتب والأناجيل المسيحية، عن أسفه لاحتمال أن يكون توزيع هذه الكتب قد
أسهم في إثارة الحادث الذي أودى بحياة كمبرلند، لم ترَ هارييت في ذلك سبباً للندم.
بل تساءلت عن موجب الأسف، حتى لو ثبت أن توزيع الأناجيل كان أحد العوامل التي
أسهمت في وقوع الحادث، ما دام نشر الرسالة المسيحية وتوزيع الكتب الدينية يمثلان
في الأصل جزءاً من الغاية التي جاءوا إلى كردستان من أجلها.
وبعد مقتله اضطرت زوجته هارييت (Harriet Cumberland) إلى مغادرة دهوك مع ابنتيها، وانتقلت إلى كاليفورنيا سنة
1939 ولم تعد إلى العراق. ولم تستطع الإرسالية استعادة النشاط الذي بناه كمبرلند
في دهوك بالصورة نفسها، فتراجعت الجماعة المسيحية الصغيرة التي ارتبطت به، بينما
انتقل المنزل في مراحل لاحقة إلى استخدامات أخرى، منها الاستخدام الصحي والمدني.
ومع ذلك بقي بيت كمبرلند شاهداً مادياً على مرحلة مهمة من تاريخ دهوك وعلاقاتها
بالمؤسسات الغربية.
وحافظت الكنيسة المشيخية
والإرسالية المتحدة على ذكرى كمبرلند بعد وفاته، وتظهر سجلات Presbyterian Historical Society وجود ملف خاص باسم صندوق روجر كمبرلند التذكاري Roger Cumberland Memorial Fund للفترة 1938–1944، فضلاً عن سجلات لاحقة للصندوق
التذكاري. وقد أسهمت هذه الذاكرة في تقديم كمبرلند داخل الأدبيات التبشيرية بوصفه
مبشراً مات أثناء أداء مهمته، في حين ينبغي للمؤرخ أن يميز بين مفهوم "الاستشهاد"
في الخطاب التبشيري وبين الوصف التاريخي المحايد للاغتيال ودوافعه.
وتكمن أهمية كمبرلند التاريخية في
أنه يمثل نموذجاً مبكراً للعمل البروتستانتي الأميركي المباشر داخل المجتمع الكردي
المسلم في شمال (كوردستان) العراق. فقد وصل إلى العراق سنة 1923، وارتبط بدهوك
خلال عشرينيات القرن العشرين، وأصبحت المدينة محطة رسمية للإرسالية سنة 1930،
واستمر نشاطه حتى اغتياله سنة 1938م. وخلال هذه السنوات تعلم اللغة الكوردية، وزار
القرى، وكتب عن المجتمع الكوردي، ونشر الأدبيات المسيحية، وحاول تأسيس جماعات
مسيحية كوردية، وتواصل مع الإيزديين، وقدم خدمات اجتماعية، وأسهم في مشروع المياه،
وأقام ملعباً للتنس، كما تعامل مع قضية الآشوريين بعد أحداث سميل. وبذلك لم يكن
نشاطه الديني منفصلاً عن المجتمع، بل تداخل مع قضايا اللغة والثقافة والخدمة
الاجتماعية والسياسة والأقليات والعلاقات مع السلطات المحلية.
ومن ثم تختلف صورة كمبرلند
باختلاف نوع المصدر الذي يروي سيرته؛ ففي الأدبيات التبشيرية يظهر بوصفه مبشراً
أحب الكورد وأتقن لغتهم وعاداتهم، ثم مات أثناء أداء مهمته الدينية. وفي الصحافة
الأميركية يظهر بوصفه مبشراً أميركياً قتل في العراق، بينما تقدم الدراسات
الأكاديمية الحديثة صورة أكثر تعقيداً، إذ تراه مبشراً بالفعل، لكنه كان في الوقت
نفسه شاهداً على مرحلة تشكل الدولة العراقية، ومراقباً للحياة الكوردية، ومتدخلاً
في بعض القضايا الاجتماعية والإنسانية، ومرتبطاً بملف الآشوريين بعد سميل، وقضية
الأراضي، والتوتر حول حرية التحول الديني.
وتبرز أهمية تجربته بالنسبة إلى
تاريخ دهوك بصفة خاصة في كونه من أوائل المبشرين البروتستانت الأميركيين الذين
أقاموا فيها بصورة دائمة، ولم يكتفِ بالتواصل مع النخب أو الجماعات المسيحية، بل
حاول الوصول إلى المجتمع الكوردي المسلم نفسه. ومن هذه الزاوية أصبحت دهوك في عهده
نقطة تماس بين الإسلام والمسيحية البروتستانتية الأميركية، وبين المجتمع المحلي
والمؤسسات الغربية، وبين العمل الخدمي والتبشير، وبين الدين والسياسة.



