لم تتسع وتتعمق السجالات السياسية
والفكرية المرافقة لذكرى مرور ربع قرن على صدمة 11 سبتمبر، ولم تتناسب مع أهمية
الحدث الجلل، الذي تسبب قبل 25 سنة في تدمير برجي التجارة العالمي في نيويورك،
وكذلك تحطم قسم من مبنى البنتاغون نتيجة الهجمات الانتحارية نفسها بواسطة طائرات
مختطفة من قبل مجموعة مؤلفة من 19 متطرفاً جهادياً، أغلبهم من السعودية. فبلغت
حصيلة الكارثة حوالي 3000، ثلاثة آلاف قتيل أميركي.
تم فقط إثارة الموضوع وقراءته
واستذكاره من قبل مجموعة من المختصين والباحثين، بمناسبة مرور ربع قرن على الحدث
المفصلي، وتوقفوا عنده بوصفه بداية لمرحلة تتطلب التفسير والبحث في مقدماته
وأسبابه ونتائجه، وأخيرًا استخلاص الدرس والعبرة من كل ما ارتبط به، من خسائر
وإجراءات وترتيبات سياسية وعسكرية وأمنية أثرت على أميركا والعالم بعمق. لم تكن
المتابعة والاهتمام بالحدث وسياقاته بمستوى التغيير الذي أحدثه في مسار السياسات
الغربية عمومًا، والأميركية خصوصًا، تجاه العالمين العربي والإسلامي.
على الرغم من ذلك، يمكن ملاحظة
التوجه نحو منهجية تحليل الأسباب والنتائج معًا، واستخلاص بعض العبر والدروس.
فالدرس الأول الذي يتم الحديث عنه بعد طول الفترة الفاصلة بين مقدمات الحدث
والمناخات التي وفرتها بيئة ما بعد سبتمبر، تركز على جزئية "ضعف التخيل"،
وبالتالي ضعف الاستشراف لدى الاستراتيجيين الأميركيين. بمعنى تلوم الجهات الأميركية
ذات العلاقة نفسها بأنها لم تمتلك المعلومات الكافية، فضلاً عن سيناريو متخيل
لهكذا حدث هوليوودي. علماً أن شخصاً مختصاً قد تخيله بصيغة ما، حيث إن فكرة
إمكانية خطف طائرات وحدوث ما حدث كانت موضوعًا لنقاش مستفيض على مدى عقود. بل إن
الباحث الشهير في شؤون الإرهاب، برايان مايكل جينكينز، حذّر من هذا الاحتمال
تحديدًا في عام 1989، خلال مؤتمر دولي حول أمن الطيران عُقد في إسرائيل، قائلًا إن
"كابوس الحكومات هو أن يقوم إرهابيون انتحاريون باختطاف طائرة ركاب تجارية،
ثم، بعد قتل طاقمها أو استبداله، يصطدمون بها بمدينة أو بمنشأة حيوية".
وهذا ما تحقق بالضبط في سنة 2001،
وصدف أن جاء في مرحلة كانت قابلية الإدارة الأميركية للتفاعل والاستجابة للحدث
حادة. فقد تقاطع الهجوم الإرهابي مع وجود إدارة أميركية تمتلك رؤية عالمية وطموحات
معولمة، ما دفع بأميركا، بقيادة جورج بوش الابن وطاقمه من المحافظين الجدد، نحو
تبني خطط متوافقة مع أيديولوجيتهم التي كانت تتلخص في ضرورة سيادة أميركا على
العالم مطلع القرن الواحد والعشرين. لقد استثمرت الإدارات الأميركية وبيروقراطيتها
السياسية في الحرب على الإرهاب، وفي محاربة الجماعات الإرهابية (الجهادية)
الإسلامية تحديداً، وصولاً إلى الدول الراعية لها طوال عقدين من الزمن كحد أدنى.
فبدأت الحرب على أفغانستان بسرعة سنة 2001، وتم تغيير نظام الحكم فيها، وكذلك
أُعلنت الحرب على العراق سنة 2003، وأُسقط نظام الحكم فيها أيضاً.
على الصعيد الداخلي الأميركي،
تطورت نظم الأمن في المطارات، وحققت درجة عالية من الأمان والاحتياطات، بفضل تطوير
التقنيات والتمويل الواسع لإجراءات الأمان. حتى بلغت في أميركا وحدها رسوم تأمين
المسافر حوالي 6 دولارات لكل رحلة، فيما تبلغ الميزانية الإجمالية لإدارة أمن
النقل، بما في ذلك تطوير تقنيات التفتيش، نحو 9 مليارات دولار في السنوات الأخيرة.
وقدّرت دراسات اقتصادية مجموع سوق الأمن للشركات الخاصة في عموم أميركا بعد سنة
2001 بحوالي 200، مائتي مليار دولار.
على الرغم من ذلك، لم يتحول، بحسب
كل التحاليل السياسية والمعايير الأمنية، العالم إلى بيئة أكثر أماناً، بصرف النظر
عن تكاليف الحرب الباهظة على الإرهاب والدول الداعمة لها، والتي بلغت بحسب بعض
التقديرات نحو 8 ثمانية تريليونات دولار. ومن الملاحظ، رغم كل الاهتمام والانخراط
الحاد في مسألة مكافحة الإرهاب، أن مناهج المحاربة والمعالجة قد ابتعدت كليًا عن
المعايير العلمية المتجهة نحو تجفيف بيئات الإرهاب ونشر الديمقراطية، ورفع الوعي
السياسي والمدني، وإلى آخر القائمة التي تتطلب تغيير الخطة واكتسابها الاستدامة.
يمكن الافتراض أن أميركا لم تنجح
في قيادة تحالف غربي واسع الطيف لمحاربة المنظمات الجهادية الإسلامية، ولم تتمكن
من حسم المعركة، بصرف النظر عن الكلفة المالية الهائلة وعدد الضحايا الكبير من
المدنيين والعسكريين. لذلك انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا في زعزعة استقرار العديد
من الدول الإسلامية، بحيث لم تكتفِ بمعاقبة بعض الحكومات وتغيير أخرى، وإنما
تجاوزت ذلك لمحاسبة المجتمعات والبيئات الحاضنة للتطرف الإسلامي. لم تكن الإدارات
الأميركية جادة في سياسة تجفيف منابع الإرهاب، بقدر ما عملت على إنعاشها وإظهارها
للسطح، وإضفاء طابع درامي على مسارها، وصولًا إلى الاعتماد على زرع الانقسام في
البيئات العربية والإسلامية. لدرجة لن نبالغ إن أدرجنا مساندة انتفاضات الربيع
العربي في هذا السياق السياسي والأمني.
بعد مرور ربع قرن على خطة محاربة
الإرهاب، وعدم نجاح السياسة الأميركية في مسارها العام، إثر عدم انتهاء ظاهرة
العنف المرتبطة بالجماعات الجهادية، اتجهت ومالت تلك السياسة نحو منحى جديد بدلالة
مسار مستخلص من تجربة السنوات الماضية، ومتفاعل مع تغيير الإدارة الأميركية،
والنزوع الحاد للجمهوريين نحو الحلول الاقتصادية والهيمنة المالية على العالم بصيغ
عارية. ربما هذا ما يفسر في أحد جوانبه سياسة الاحتواء للجماعات الإسلامية
المتشددة، والاستثمار فيها بشكل مباشر، وإفساح المجال لها لاستلام الحكم، كما حدث
في أفغانستان سنة 2021، وفي سوريا أواخر سنة 2024، والسعي للانخراط معها في مشاريع
اقتصادية وأمنية مستقبلية أقل كلفة من الحرب.
بصرف النظر عن الخلاصة التي
استنتجها عدد من مفكري الغرب، ما نستخلصه ونتلمسه، وما تفصح عنه بشكل أولي
السياسات الغربية بقيادة أميركا وبريطانيا، أنها لا تسعى، وليست جادة، في إيجاد أي
حل للمعضلات السياسية الكبرى في عصرنا، بما فيه معضلة التطرف الديني والنزعة
الجهادية الانتحارية. وهي غير معنية عملياً بنشر وتوطين الديمقراطية خارج حدودها
كما ادعت. وإنما تستثمر بشكل فاقع في التطرف قبل استثمارها في الاعتدال، وتصنع جيلاً
جديداً من الأعداء عندما يتوارى الجيل القديم منهم. وهي تخطط دون شك لمرحلة
الاضطرابات الجديدة.
خاصة إذا دققنا فيما صرّح به
المدير العام لجهاز MI5 البريطاني، كين ماكالوم: "لا يمكننا الانتظار حتى
تقع الصدمة المقبلة لنعرف من يملك الثغرة الأمنية، ومن لديه صلاحية التحرك، أو من
كان من المفترض أن يرفع سماعة الهاتف. نحن مدينون لضحايا 11 سبتمبر، ولأولئك الذين
قد يصبحون ضحايا لهجوم الغد، بما هو أكثر من مجرد إحياء الذكرى. نحن مدينون لهم
بالاستعداد والقدرة على الصمود والشجاعة للتكيف قبل أن تحل الصدمة المقبلة".
يمكن الاستناد بهذا الصدد إلى ما
يكتبه عدد من الاستراتيجيين في الغرب، الذين كشفوا بصيغة ما عن أن صدمة 11 سبتمبر
لم تؤدِّ وظيفتها المرجوة، ولا بد من انتظار أحداث أو صدمة استراتيجية جديدة
للاستثمار فيها. ففي عالمنا المعاصر، لم يعد من الممكن اعتبار المطارات أهدافاً
رخوة للإرهابيين. غير أن الإرهابيين والمتطرفين العنيفين من مختلف الاتجاهات باتوا
اليوم يمتلكون إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من التقنيات التي لم تكن موجودة
أصلاً، أو كانت لا تزال في مراحلها الأولى قبل عقدين ونصف من الزمن، كالمسيّرات
والروبوتات والتهديد البيولوجي والكيميائي عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

.jpg&w=3840&q=75)

