تاريخياً، لم تولد الجيوش العظمى
دفعة واحدة، بل كانت دائماً ثمرة لمسارات شاقة من توحيد القوى المتفرقة فلنأخذ
الولايات المتحدة الأميركية مثالاً فقد بدأت مسيرتها العسكرية من ميليشيات محلية
وولايات مشتتة القيادة والمصالح، وتطلبت عقوداً من التوافق السياسي والنضال
المؤسسي لتتجاوز انقساماتها وتؤسس جيشاً اتحادياً موحداً قادراً على حماية اتحادها
الوليد وصياغة قوتها العالمية.
هذا القانون التاريخي تكرر اليوم
في قلب الشرق الأوسط، حين شهدت أربيل عاصمة اقليم كوردستان انعطافة كبرى، اذ توّج
إقليم كوردستان، بكيانه الدستوري الراسخ، رحلة مضنية امتدت لنحو قرن من الكفاح
بدمج مسيرة الشتات العسكري في مؤسسة وطنية واحدة. إن إعلان التوحيد الكامل لقوات
البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة لا يمثل مجرد خطوة إدارية روتينية، بل هو دفن
نهائي لأحلام الخصوم الذين طالما راهنوا على التعددية التنظيمية لإجهاض التجربة
الكوردستانية من داخلها.
لقد استثمر أعداء إقليم كوردستان
طويلاً في رهانات واهمة قائمة على تشتت القرار العسكري، واضعين حساباتهم على أن
إرثاً من النضال الموزع عبر محطات جغرافية متعددة لا يمكن أن يندمج تحت راية جيش
نظامي حديث. كانت الدوائر الإقليمية والمحلية تتربص بكل خطوة تقارب بين التشكيلات،
أملاً في أن تظل كوردستان محكومة بتجاذبات الماضي.
بيد أن إرادة بناء الدولة أثبتت
اليوم سقوط هذه الرهانات بالكامل. فعندما تُخضع القيادة السياسية الكوردستانية،
بدعم وإسناد استراتيجي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، كافة الألوية
والفرق لسيطرة مركزية موحدة، فإنها تعبر عتبة الانتقال من مرحلة التضحيات
الفصائلية إلى رحاب عقيدة جيش نظامي يحمي الدستور والكيان.
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي،
يحمل هذا المخاض دلالات جيوسياسية بالغة الأهمية. فعلى مدى عقود، استخدمت الأطراف
المتربصة ورقة تعدد مراكز القوة العسكرية لابتزاز الاستقرار الداخلي للإقليم أو
تسويغ التدخلات. اليوم، أُغلق هذا الباب نهائياً بات العالم يرى شريكاً أمنياً
وعسكرياً يُعتمد عليه، منظماً وفق معايير تسليح وتدريب عصرية، ما يعزز موقع إقليم
كوردستان كركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط المضطرب.
إن وجود جيش مهني موحد لا يحصن
أربيل عاصمة القرار السياسي والامني والاقتصادي في كوردستان ضد التهديدات الوجودية
والإرهاب فحسب، بل يمنح الدبلوماسية الكوردستانية وزناً صلباً يستند إلى قوة ردع
مؤسسية لا تهزها الرياح الجانبية.
هكذا، سقطت رهانات التمزيق وبزغ
فجر جيش كوردستان الموحد. جيش يحمل في تفاصيل هيكلته الحديثة أرواح مئة عام من
الصبر والتضحيات، ليؤكد مجدداً أن التجارب التي تُبنى على دماء الشهداء وتطلعاتهم
المشروعة، وتُدار بحكمة سياسية ووعي مؤسسي، مآلها حتماً الانتصار وصياغة التاريخ
لا تلقيه.


.jpg&w=3840&q=75)
