في السياسة، قد تنجح الزيارات الخارجية في فتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعبرها. فالاستثمارات تبحث عن بيئة مستقرة، ورأس المال يقرأ المؤسسات قبل أن يقرأ البيانات الصحفية، بينما تنظر الأسواق العالمية إلى ما يحدث داخل الدولة بقدر اهتمامها بما يقال عنها خارج حدودها.
من هذا المنطلق، جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن بوصفها محاولة لإعادة تعريف العلاقة العراقية الأميركية. فلم يعد الحديث يتركز على التعاون الأمني كما كان خلال العقدين الماضيين، بل اتجه نحو الاقتصاد والطاقة والقطاع المالي والاستثمار.
لقد حملت الزيارة رسائل إيجابية إلى الأسواق والشركات الدولية، غير أن قيمتها الحقيقية ستظل مرتبطة بما ستشهده بغداد في الأشهر المقبلة.
ففي واشنطن، التقى الزيدي بوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، حيث ناقش الطرفان تطوير التعاون المالي، وتعزيز امتثال القطاع المصرفي العراقي للمعايير الدولية، ومواصلة الإصلاحات التي تسمح بإعادة دمج عدد من المصارف العراقية في النظام المالي العالمي، إلى جانب تشجيع المؤسسات المالية الأميركية على توسيع حضورها في العراق.
في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة العراقية عن حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات أميركية في مجالات الطاقة والكهرباء والتكنولوجيا والخدمات المالية والبنية التحتية، في خطوة تهدف إلى تقديم العراق باعتباره سوقاً واعدة للاستثمار.
لكن الاقتصاد الدولي يعرف قاعدة لا تتغير: "الاستثمار لا ينتقل إلى الدول بسبب الاتفاقيات وحدها، بل بسبب الثقة"، وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية. فالمستثمر الذي يقرأ أخبار الاتفاقيات، يقرأ أيضاً البيئة التي ستنفذ فيها تلك المشاريع.
هل الإجراءات الإدارية واضحة؟ هل دورة اتخاذ القرار مستقرة؟ هل الجهات المنفذة قادرة على إنجاز المشاريع وفق الجداول الزمنية؟ هل البيئة الاقتصادية قادرة على استيعاب الاستثمارات الكبرى؟ هذه الأسئلة ليست عراقية فقط، بل هي جزء من آلية تقييم أي دولة تسعى إلى جذب رؤوس الأموال. ولهذا، فإن النجاح الخارجي يحتاج دائماً إلى ما يوازيه من إصلاح داخلي.
من بين الملفات التي حظيت باهتمام خاص خلال الزيارة، ملف الإصلاح المالي والمصرفي.
فالولايات المتحدة تولي أهمية كبيرة لرفع مستويات الامتثال داخل النظام المصرفي العراقي، ليس باعتباره مطلباً سياسياً فحسب، وإنما لأنه يمثل شرطاً أساسياً لاندماج العراق بصورة أوسع في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا جاءت التفاهمات المتعلقة بإعادة تأهيل عدد من المصارف العراقية، وتشجيع المؤسسات المالية الدولية على توسيع نشاطها داخل البلاد. وهذا تطور مهم، لأن أي اقتصاد حديث لا يستطيع النمو من دون قطاع مصرفي يتمتع بثقة المستثمرين والشركات العالمية.
وفي المقابل، تقود الحكومة العراقية منذ أسابيع حملة لمكافحة الفساد شملت عدداً من المسؤولين والنواب والموظفين، في إطار توجه تعلن الحكومة أنه يستهدف تعزيز النزاهة وحماية المال العام.
ولا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي على نتائج هذه الحملة، لأن تقييم أي تجربة من هذا النوع لا يعتمد على حجم الإجراءات المعلنة وحدها، بل على استمراريتها، وعلى اكتمال مساراتها القانونية، وعلى ما ستفضي إليه من نتائج مؤسسية طويلة الأمد.
فالنجاح الحقيقي في مكافحة الفساد لا يقاس بعدد القضايا التي تفتح، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة تجعل فرص الفساد أقل، وإجراءات الرقابة أكثر كفاءة، والإدارة العامة أكثر شفافية.
وهنا تبرز النقطة الأكثر حساسية في المشهد العراقي.
إن الرسالة التي حملها رئيس الوزراء إلى واشنطن تقوم على أن العراق يدخل مرحلة جديدة من الإصلاح والانفتاح الاقتصادي. وهذه الرسالة ستكون أكثر قوة كلما انعكست على الواقع الإداري والاقتصادي داخل البلاد. فالشركات الدولية لا تبحث فقط عن عقود، بل تبحث عن بيئة أعمال مستقرة، وإجراءات واضحة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ الالتزامات، وتشريعات تمنح المستثمر رؤية طويلة المدى.
ولهذا، فإن الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الإداري ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لعملية واحدة. ومن المهم أيضا النظر إلى الاتفاقيات المعلنة بمنظور واقعي. فالرقم الكبير الذي أعلن عن توقيعه يعكس زخماً سياسياً واقتصادياً، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع المشاريع دخلت مرحلة التنفيذ الفوري.
فالعادة في مثل هذه الزيارات أن تضم الحزمة عقوداً تنفيذية، ومذكرات تفاهم، واتفاقات إطارية، ودراسات أولية، ومشاريع تحتاج إلى استكمال إجراءاتها الفنية والقانونية. ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الاتفاقيات، وإنما في عدد المشاريع التي ستتحول إلى مصانع ومحطات كهرباء واستثمارات وفرص عمل خلال السنوات المقبلة.
لقد نجحت زيارة واشنطن في فتح نافذة جديدة أمام العراق. غير أن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن النوافذ لا تغير مستقبل الدول إذا بقيت الأبواب الداخلية مغلقة.
فالاقتصاد لا يبنى بالمصافحات وحدها، ولا بالمؤتمرات الصحفية، ولا بالأرقام الكبيرة التي تعلن بعد كل زيارة رسمية. إنه يبنى عندما تلتقي الرؤية السياسية مع الإصلاح الإداري، وعندما تتحول الاتفاقيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف، والثقة إلى استثمار مستدام.
عندها فقط، لن تكون واشنطن قد شهدت زيارة ناجحة فحسب، بل ستكون بغداد قد بدأت كتابة فصل جديد في مسار الاقتصاد العراقي.



