في 19 تموز، فاز المنتخب الإسباني على نظيره الأرجنتيني بنتيجة 1-0 في الوقت الإضافي على ملعب "ميتلايف" بولاية نيوجيرسي، ليضع حداً لخمسة أسابيع من المنافسة التي حُطمت فيها جميع أرقام البطولة القياسية تقريباً، لكن نتيجة المباراة النهائية لا تروي سوى جزء من القصة، فالقصة الرئيسية حدثت خارج الملاعب وفي البلدات الصغيرة التي لم يسمع بها معظم العالم من قبل، حيث أمضى المواطنون الأمريكيون الصيف في تعلم الأناشيد الوطنية، وتذوق الأطعمة، والتعرف على أعلام الدول الأخرى.
بطولة أكبر من أي وقت مضى
كانت هذه أول بطولة لكأس العالم تقام بشكل مشترك بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا. كما كانت المرة الأولى التي يشارك فيها 48 منتخباً وطنياً بدلاً من 32. ويعني هذا التغيير إقامة 104 مباريات بدلاً من 64، موزعة على 16 مدينة مضيفة وعشرات البلدات الأصغر، بدءاً من المباراة الافتتاحية في مكسيكو سيتي في 11 حزيران وحتى المباراة النهائية في نيوجيرسي في 19 تموز.
سُجلت الأرقام القياسية بسرعة. بحلول 25 تموز، وقبل انتهاء المرحلة الأولى، كان أكثر من 3.6 مليون مشجع قد حضروا المباريات. وقد حطم هذا الرقم القياسي السابق للحضور الذي بلغ 3.57 مليون شخص لكامل بطولة كأس العالم 1994 في أميركا. وكانت الملاعب ممتلئة بالجماهير كل ليلة تقريباً على مدى خمسة أسابيع متتالية.
ارتفعت معدلات المشاهدة التلفزيونية بالسرعة ذاتها. فقد حصدت مباراة خسارة المنتخب الأميركي أمام بلجيكا أكثر من 33 مليون مشاهد، لتصبح بذلك البث الأكثر مشاهدة لمباراة كرة قدم في تاريخ التلفزيون الأميركي. حتى مباراة إنكلترا والنرويج، اجتذبت 21.8 مليون مشاهد في أميركا، وهو رقم قياسي بحد ذاته.
وازدادت الإيرادات بالتوازي مع الحضور الجماهيري. فوفقاً لتقديرات الاقتصاديين الأميركيين، أضافت البطولة ما بين 17 إلى 30 مليار دولار إلى الاقتصاد الأميركي، على الرغم من أن عدداً من المدن المضيفة أعلن أن تكاليف الأمن والنقل والتنظيف تجاوزت المبالغ التي وعد المنظمون بتوفيرها. وبلغ متوسط سعر تذكرة المباراة النهائية في السوق السوداء أكثر من 11 ألف دولار، كما أشارت بعض التقارير الإعلامية الأميركية إلى أن بعض تذاكر المقاعد الخاصة وكبار الشخصيات بيعت بأكثر من مليون دولار، مما يجعلها أغلى تذكرة لحدث رياضي واحد في تاريخ أميركا.
أضاف الفيفا ابتكاراً آخر، وهو تقديم خواتم البطولة للمنتخب الفائز، على غرار الخواتم التي تُمنح للفائزين في السوبر بول، بطولة كرة القدم الأميركية. وقد حصل 30 لاعباً وعضواً في طاقم المنتخب الإسباني على خواتم خاصة نُقشت على أحد جانبيها صورة كأس العالم. كما بيع نحو 2.000 خاتم آخر للجماهير، بسعر يزيد على 150 ألف دولار أميركي لكل خاتم.
البلدة التي علّمت نفسها اللغة العربية
لورانس، بلدة صغيرة في وسط أميركا، والتي تشتهر عموماً بفريق كرة السلة الجامعي. ومع انطلاق منافسات مونديال 2026، أصبحت هذه البلدة قاعدة تدريب للمنتخب الوطني الجزائري. وقبل عدة أشهر من وصول المشجعين الجزائريين، بدأ أستاذان جامعيان من جامعة كانساس الاستعداد للترحيب بالضيوف.
وقام الأستاذان بترجمة لافتات الشوارع وتحذيرات الطقس إلى اللغة العربية. كما قاما بترجمة النشيد الوطني الجزائري إلى اللغة الإنكليزية، لكي يتمكن سكان البلدة من فهم كلماته. وتعلّم فريق المسيرة التابع للجامعة عزف اللحن، وكانوا يؤدونه أثناء تدريبات المنتخب الجزائري.
وتكيفت مطاعم المنطقة أيضاً مع الوضع الجديد، حيث قامت عدة مطاعم بتغيير قوائمها لتقديم الطعام الحلال. وأصبح أحد المقاهي، الذي كان يقدم بالفعل طعاماً حلالاً، مكاناً لتجمع المشجعين الجزائريين لمشاهدة المباريات. وعندما هبطت طائرة المنتخب الجزائري بعد منتصف الليل، كان سكان المنطقة حاضرين في المطار للترحيب بهم وسط عاصفة رعدية، حاملين الأعلام الجزائرية. وفي وقت لاحق، صرح عمدة البلدة بأن المشجعين الجزائريين "جلبوا معهم الدفء والطاقة والحماس"، وأن لورانس قد ردت بالمثل.
تشاتانوغا.. المدينة الصغيرة التي استضافت إسبانيا
تشاتانوغا، مدينة في ولاية تينيسي، يقل عدد سكانها عن 200,000 نسمة. أصبحت هذه المدينة لمدة خمسة أسابيع مقراً للمنتخب الإسباني، بطل أوروبا والفائز في نهائي المونديال.
أجرى المنتخب الإسباني تدريباته في مدرسة بايلور، وهي مدرسة ثانوية محلية، وأقام في فندق بوسط المدينة. وعندما نشر صحفي من المدينة مقطع فيديو لوصول حافلات المنتخب الإسباني إلى الفندق، حصد المقطع 8.6 مليون مشاهدة على شبكات التواصل الاجتماعي. كما تمكن طلاب المدرسة من مشاهدة تدريبات أفضل لاعبي العالم عن قرب في الملعب الرياضي لمدرستهم. بالإضافة إلى ذلك، أضافت مطاعم المنطقة طبق الباييلا الإسباني إلى قوائمها لموسم الصيف. ووصفت وسائل الإعلام الأميركية البلدة الهادئة بـ"السلاح السري" لإسبانيا؛ مكان يخلو من الازدحام والصخب، حيث كان بإمكان المنتخب التركيز على المباريات والاستراحة بينها.
المدينة التي ارتدت قميص منتخب اسكتلندا
غصّت مدينة بوسطن بشكل ملحوظ بالمشجعين الاسكتلنديين، في مشهد لم يسبق له مثيل بين أنصار المنتخبات الأجنبية الأخرى. فقد ملأ آلاف المشجعين الشوارع وهم يرتدون التنورة الاسكتلندية التقليدية (kilt) ويعزفون على آلة مزمار القربة الشهيرة. ووفقاً للتقارير، نفد مخزون البيرة في حانات المنطقة بسبب الطلب الهائل.
لم يكن ذهاب المشجعين الاسكتلنديين إلى بوسطن للاحتفال فقط، حيث قامت مجموعة من المشجعين بزيارة ملجأ للأطفال الأيتام، وتبرعوا بمبلغ 1,200 دولار، وعزفوا على مزمار القربة للأطفال هناك.
ميشيل وو، عمدة بوسطن، ارتدت قميص منتخب اسكتلندا داخل إحدى الحانات ووقعت اتفاقية أصبحت بموجبها غلاسكو، أكبر مدن اسكتلندا، مدينة توأم رسمية لبوسطن. وصرح المشجعون الاسكتلنديون بأنه لم يسبق لأي مدينة أن استقبلتهم بمثل هذا الترحيب. وعلى الرغم من خروج منتخب اسكتلندا من البطولة في الدور الأول، إلا أن بوسطن لم تكترث لذلك وشكلت صداقة جديدة مع الاسكتلنديين.
رسوم جدارية كرمز للترحيب بالمنتخبات
في مدينة دالاس بولاية تكساس، دعا حي ديب إلوم، المعروف بكونه مركزاً لفنون الشارع، الفنانين إلى الترحيب بالمنتخبات الوطنية المشاركة في البطولة من خلال اللوحات والرسوم الجدارية. ورُسمت 8 لوحات جدارية لكل من منتخبات الأرجنتين، والنمسا، وكرواتيا، وإنكلترا، واليابان، والأردن، وهولندا، والسويد. وكان عدد من هؤلاء الفنانين من مواطني تلك البلدان نفسها، حيث قاموا برسم صور لبلدانهم من أجل المشجعين الذين قطعوا رحلة طويلة لدعم منتخباتهم. وفي مدينة نيويورك، أعلن عمدة المدينة عن مشروع مماثل، تمثل في رسم 12 لوحة جدارية في 5 مناطق مختلفة من المدينة.
قصة المشجع الألماني
سيباستيان كراوس، وهو مشجع ألماني، وصل إلى الولايات المتحدة بقلق بسبب التصور الذي كان لديه حول معدلات الجريمة في البلاد. عندما تعرض هو وأصدقاؤه لحادث مروري في مدينة بوسطن، قام مواطن أميركي من بوسطن يدعى بوب وزوجته، دون أي تردد، بإيصال كراوس وأصدقائه إلى مكان إقامتهم. لاحقاً، وخلال مقابلة تلفزيونية مباشرة، وأثناء سرده للحادثة، انفجر كراوس بالبكاء معلناً: "لقد وقعت في حب أميركا. الأميركيون ليسوا عديمي الاحترام. إذا اتحدنا، يمكننا تحقيق إنجازات عظيمة". بقي كراوس في أميركا لعدة أسابيع أخرى، حتى بعد خروج ألمانيا من البطولة. كما احتفل في الرابع من تموز، يوم استقلال أميركا، مع أصدقائه الأميركيين الجدد.
لم يتم تنظيم أي من هذه الأحداث بشكل رسمي من قبل الفيفا أو أي حكومة. لم يطلب أحد من فرقة لورانس الموسيقية تعلم النشيد الوطني الجزائري، كما لم يخبر أحد بوب أن يوقف سيارته لمواطن ألماني. البلد الذي كان يرى المونديال لعقود على كحدث خاص بشعوب العالم الأخرى، فتح هذا الصيف أحضانه بحرارة، مدينة تلو الأخرى وبلدة تلو البلدة، للمشجعين ومنتخبات 48 دولة.
فاز منتخب إسبانيا بالكأس وحصل على 30 خاتماً، في حدث لم يسبق له مثيل في تاريخ كرة القدم. لكن الكأس الحقيقية لهذا المونديال كانت من نصيب عمدة ارتدى قميصاً ليس قميص منتخب بلاده، وكذلك لأستاذ جامعي علّم بلدة أميركية النشيد الوطني لبلد آخر.
اتضح أن البلد الذي ظنه الجميع منشغلاً إلى درجة لا تسمح له بالاهتمام بمباراة كرة قدم، احتاج فقط إلى فرصة، فخصص لها خمسة أسابيع. وعندما سنحت لها الفرصة، أثبتت أميركا ذلك بصوت عالٍ وحماس. تماماً كالمضيف الذي يملأ لك فنجاناً آخر قبل أن تنهي فنجانك الأول، ويسألك مبتسماً: متى سنلتقي مرة أخرى؟



