وسط هجمات (الدرونز) التي عاودت هجماتها ليلياً ضد أربيل تردد السؤال المشروع هل تملك بغداد القدرة السياسية والأمنية على ملاحقة فصائل مسلحة مرتبطة بقوى نافذة، وهل تستطيع فعل ذلك من دون أن تنزلق البلاد إلى مواجهة داخلية؟
الجواب الأقرب للواقع هو: التحول من اللجان إلى الاعتقالات ممكن سياسياً، إذا أرادت بغداد دفع الملف إلى نهايته، لكنه يبقى مشروطاً بميزان القوة داخل الدولة وبقدرتها على حماية القرار من التعطيل أو الردّ المضاد. والسوابق القريبة تُظهر أن تشكيل اللجان وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى نتائج علنية وإجراءات قضائية واضحة، وهو ما اشتكت منه أربيل في ملفات الهجمات السابقة.
هل تنتقل بغداد إلى الاعتقال؟
الخطاب الرسمي الأخير لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي يوحي برغبة في التصعيد العملي، لا الاكتفاء بالتحقيقات، بعدما تحدث عن عدم التهاون ووجّه الأجهزة الأمنية بالتنسيق مع قوات الإقليم لملاحقة من يقف خلف الهجمات على أربيل. لكن التجربة العراقية تُظهر أن إعلان النية شيء، وتنفيذ اعتقالات بحق جهات محمية سياسياً أو أمنياً شيء آخر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفصائل مسلحة أو شبكات نفوذ متداخلة مع مؤسسات الدولة.
ما الذي يمنع تكرار الماضي؟
الضمانة الأهم ليست لجنة جديدة، بل آلية مساءلة علنية بجدول زمني واضح، ونشر نتائج التحقيق، وإحالة الأسماء إلى القضاء، مع متابعة تنفيذية لا تتوقف عند التقرير النهائي. كما أن وجود ضغط خارجي، خصوصاً من واشنطن التي طالبت مراراً بمحاسبة منفذي الهجمات على منشآت كوردستان، قد يرفع كلفة المماطلة على بغداد. لكن من دون توافق سياسي داخلي، تبقى هذه الضمانات قابلة للتعطيل أو التسويف كما حدث في ملفات سابقة.
هل تملك بغداد القدرة؟
بغداد تملك القدرة الأمنية الجزئية، لكنها لا تبدو حتى الآن قادرة على خوض مواجهة مفتوحة مع فصائل مرتبطة بقوى نافذة من دون حسابات دقيقة جداً. لذلك فالأرجح أنها ستلجأ إلى مسار انتقائي: اعتقالات محددة، أو تفكيك شبكات دعم وتمويل، أو ملاحقات قضائية تُقدَّم باعتبارها تنفيذاً للقانون لا إعلان حرب داخلية.
وهذا سيخفّف خطر الانزلاق إلى صدام واسع، لكنه أيضاً قد يحدّ من سقف النتائج إذا بقي التنفيذ محصوراً في المستويات الأدنى.
في نهاية المطاف إذا أرادت بغداد أن تكون مختلفة هذه المرة، فعليها أن تنتقل من “إدارة الأزمة” إلى “تفكيك بنية الفاعلين” عبر قرار سياسي واضح، وتغطية أمنية، وإعلان النتائج للرأي العام. أما إذا بقيت المعالجة ضمن حدود التهدئة والتوازنات، فستبقى الهجمات على كوردستان مادةً للّجان لا للمحاسبة.



