مقدمة
في 15 آب، أعلن رئيس الوزراء العراقي في وزارة الكهرباء أنهم سيتجاوزون أزمة الكهرباء بحلول عام 2027، من خلال استيراد أكثر من 10 آلاف ميغاواط من دول الجوار وزيادة 37 ألف ميغاواط أخرى من مصادر الإنتاج المحلية. لكن إذا استمر هدر الكهرباء بالشكل الحالي، فإن نصف هذه الـ 47 ألف ميغاواط ستُهدر أيضاً، كما هو حال نصف الـ 30 ألف ميغاواط الحالية، حتى مع تنفيذ هذه الخطة الواسعة، سيكون تأمين كامل الطلب في عام 2028 أمراً صعباً.
في الواقع، لا تبلغ حاجة المواطنين العراقيين 60 ألف ميغاواط من الكهرباء، بل تكمن المشكلة الرئيسة في هدر أكثر من نصف الكهرباء المنتجة والمستوردة قبل وصولها إلى المستهلك. إذا جرى تقليل هذه النسبة والسيطرة عليها، فمن الممكن بالكمية الحالية توفير الكهرباء على مدار 24 ساعة للمواطنين (على غرار فرنسا وألمانيا) وإنهاء هذه الأزمة والاحتجاجات الصيفية التي تحدث سنوياً بسبب الكهرباء.
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية في العراق، فإن 58% من الكهرباء المنتجة والمستوردة في العراق تُهدر قبل وصولها إلى المستهلك، وفي محافظة مثل كربلاء ترتفع هذه النسبة إلى 70%. الآن، السؤال الرئيس هو: هل يحتاج العراق إلى زيادة عرض الكهرباء أم إلى إعادة تنظيم القطاع؟
إنتاج وبيع واستيراد وهدر الكهرباء في العراق (2007–2024)
تُظهر البيانات أن إجمالي الكهرباء المنتجة في المنظومة العراقية (باستثناء إقليم كوردستان) في عام 2024 بلغ 165 مليون ميغاواط/ساعة، بينما بلغت الكمية التي وصلت إلى المواطنين وبيعت لهم 59.7 مليون ميغاواط/ساعة فقط. وهذا يعني أنه في ذلك العام وحده، هُدِر 98.2 مليون ميغاواط/ساعة، وهو ما يتجاوز الكمية المستوردة.
ينتج العراق الكهرباء من أربعة مصادر مختلفة، وكان معظمها عن طريق الغاز الطبيعي. وفقاً للبيانات، كانت مصادر إنتاج الكهرباء في العراق في عام 2024 على النحو التالي: الغاز الطبيعي: 58.3 مليون ميغاواط/ساعة، المحطات البخارية: 32 مليون ميغاواط/ساعة، الطاقة الكهرومائية من السدود: 3.5 مليون ميغاواط/ساعة، والديزل: 2.9 مليون ميغاواط/ساعة. هذا بالإضافة إلى الاستيراد الذي بلغت كميته في ذلك العام حوالي 60 مليون ميغاواط/ساعة.
على الرغم من هذه الكمية الكبيرة، لم تُلَبَّ بعدُ حاجة السكان إلى الكهرباء على مدار 24 ساعة، حيث يعوَّض نصف اليوم أو أكثر بكهرباء المولدات. صحيح أن جزءاً من الهدر فني؛ لكن هدر ما يقرب من 60% من الكهرباء المنتجة يرتبط بقِدم شبكات النقل، ومحطات التحويل، وإرسال واستقبال الفولتية، بالإضافة إلى الاختلاف والبعد بين محطات الإنتاج والاستهلاك، مع استخدام وسرقة كميات كبيرة بشكل غير قانوني وخارج نظام قراءة العدادات.
لو استُخدِمتْ كمية الكهرباء التي تنتج وتستورد حالياً في العراق بعيداً عن هذا الهدر، لكان من الممكن لكل مواطن عراقي أن يحصل على الكهرباء الكافية على غرار أكبر اقتصادات العالم، وأن يتمتع بالكهرباء على مدار 24 ساعة.
وفقاً لبيانات "إمبر" للطاقة، بلغ متوسط استهلاك الفرد من الكهرباء في العالم خلال عام 2026 نحو 3.7 ميغاواط/ساعة، لكن مع وجود فوارق كبيرة بين الدول، حيث سجلت كندا أعلى معدل استهلاك سنوي للفرد بينما سجلت الهند أدناه. وبلغ الاستهلاك في كندا 16.1 ميغاواط/ساعة، وفي الولايات المتحدة 13.1 ميغاواط/ساعة، وفي كوريا الجنوبية 12.1 ميغاواط/ساعة، وفي اليابان 8.4 ميغاواط/ساعة، وفي روسيا 8.2 ميغاواط/ساعة، وفي الصين 7.5 ميغاواط/ساعة، وفي الهند 1.4 ميغاواط/ساعة.
بحسب التقديرات، تبلغ كمية الكهرباء التي تُنتَج وتُستورَد حالياً في العراق نحو 30 ألف ميغاواط، مما يعني أنه ينبغي لكل فرد في المحافظات العراقية أن يحصل على كهرباء تماثل ما يحصل عليه الفرد في فرنسا (7.2 ميغاواط/ساعة) وألمانيا (6.2 ميغاواط/ساعة). لكن بيانات هيئة الإحصاء تظهر أن أعلى كمية كهرباء وصلت للمواطنين في عام 2024 كانت في البصرة بمعدل 2.85 ميغاواط/ساعة، وأدناها في الموصل بمعدل 1.24 ميغاواط/ساعة. وبمتوسط عام بلغ 1.76 ميغاواط/ساعة، أي أن المواطن العراقي يحصل على كهرباء تماثل ما يحصل عليه المواطن في الهند أو حتى أقل، في وقت يبلغ فيه المتوسط في الهند 1.4 ميغاواط/ساعة ويعاني مئات الملايين انعدام الكهرباء.

حجم الهدر وتوزيع مبيعات الكهرباء
من حيث السعر، يعد العراق من أرخص الدول في توفير الكهرباء بعد إثيوبيا وكوبا وقيرغيزستان، حيث تبلغ تكلفة الميغاواط الواحد 10 دنانير فقط في الساعة. وإذا قدَّرنا قيمة الكهرباء المهدرة في عام 2024، فستصل قيمتها بالسعر المحلي (10 دنانير لكل ميغاواط) إلى أكثر من 818 مليار دينار (في محافظة كالنجف وحدها تتجاوز 50 مليار دينار). وفي الوقت نفسه، وبمتوسط السعر الأوروبي (325 ديناراً أو 0.252 دولار لكل ميغاواط)، ترتفع قيمة الهدر في النجف إلى 1.6 تريليون دينار سنوياً، وعلى مستوى العراق كاملاً تصل إلى أكثر من 26 تريليون دينار.
يأتي هذا في وقت بلغت فيه التكلفة الإجمالية لقطاع الكهرباء في عام 2024 ما مجموعه 32 تريليون دينار، مقابل إيرادات بلغت 25.9 تريليون دينار فقط، مما يمثل عجزاً قدره 6.1 تريليون دينار.
من حيث الطلب، يذهب نحو 80% من الكهرباء التي يحتاجها العراق إلى المنازل والمؤسسات الحكومية، بينما تُخصَّص 20% فقط للقطاعات التجارية والصناعية والزراعية. وتظهر بيانات هيئة الإحصاء لعام 2024 أنه من أصل 67.5 مليون ميغاواط جرى توفيرها، كان التوزيع كالتالي:
- المنازل: 60.6%
- المؤسسات الحكومية: 19.1%
- الصناعة: 10.2%
- التجارة: 7.8%
- الزراعة: 2.2%
إن ارتفاع نسبة طلب المنازل والمؤسسات الحكومية، على الكهرباء، والتي تبلغ أربعة أضعاف استهلاك القطاعات الإنتاجية الثلاثة مجتمعة في العراق، يعد مؤشراً خطِراً على مستوى الاستهلاك. وهذا يظهر بوضوح أن مشكلة الكهرباء في العراق ليست في الأساس نقصاً في مصادر الإنتاج أو الاستيراد، بل تكمن في سوء تنظيم الطلب وحجم الهدر الكبير؛ فعلى سبيل المثال، تبلغ أدنى نسبة هدر للكهرباء بين المحافظات في ديالى، ورغم ذلك تتجاوز 36.9%.
صحيح أن الطلب على الكهرباء في العراق يتزايد يوماً بعد يوم، كما هو الحال في بقية العالم، لكن الزيادة في دول العالم تعود إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والمصانع المتقدمة، بينما في العراق تعود إلى المنازل والمؤسسات الحكومية على حساب القطاعات الإنتاجية (الصناعة، التجارة، والزراعة).
إذا قارنا كمية الكهرباء التي يحتاجها العراق للاستهلاك المنزلي بالصين والولايات المتحدة، فإنها تعادل أربعة أضعاف استهلاك الصين وضعفي استهلاك الولايات المتحدة، مما يعني أن المواطن العراقي يحتاج يومياً إلى كهرباء تفوق حاجة المواطن الصيني بأربع مرات والمواطن الأميركي بمرتين.
إن كمية الكهرباء المهدرة في العراق، بجميع أسبابها، تبلغ ضعف الكمية التي يستوردها العراق سنوياً من الخارج. يأتي هذا في وقت تدعم فيه الحكومة 65% من تكلفة توفير الكهرباء في وسط وجنوب العراق، حيث يبلغ سعرها 10 دنانير، وهو أرخص بـ 33 مرة من متوسط سعر الكهرباء في الدول الأوروبية. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإنه بصرف النظر عن الفرق بين التكلفة والإيرادات، ينفق العراق سنوياً أكثر من 4.4 مليار دولار للحفاظ على هذا السعر المدعوم باستخدام الغاز والنفط.

خاتمة
تأتي هذه الأرقام الهائلة لهدر الكهرباء واستمرار مشهد آلاف الأسلاك والمولدات في أحياء العراق وشوارعه، في وقت أنفقت فيه الحكومات العراقية مبلغ 19.58 تريليون دينار لوزارة الكهرباء في الفترة من كانون الثاني 2015 إلى أيار 2026، (خُصص منها 17.74 تريليون دينار للاستثمار في هذا القطاع).
إذا اتخذنا عام 2015 أساساً، فعلى الرغم من إنفاق 17 تريليون دينار خلال العقد الماضي، لا تزال نسبة نمو هذا القطاع في جوانبه المختلفة على النحو التالي: مقدار الزيادة السنوية في الإنتاج: 8.2%، والكمية المجهزة: 5.4%، والكمية المستوردة: 18.4%. في المقابل، ازدادت نسبة استيراد الكهرباء، وتحصيل مبالغ المبيعات، وهدر الكهرباء.
في الختام، إذا لم تُقلَّل نسبة هدر الكهرباء، فإن إضافة 47 ألف ميغاواط أخرى، في ظل الوضع الاقتصادي الحالي للعراق، لن تحل أي مشكلة، بل ستخلق عبئاً مالياً كبيراً على الدولة، وسترفع قيمة الكهرباء المهدرة في عام واحد فقط إلى 3 تريليونات دينار بالسعر المحلي المنخفض، وأكثر من 15 تريليون دينار بالسعر العالمي.



.jpg&w=3840&q=75)