رووداو ديجيتال
لم يعد الذهب مجرد حليّ تُشترى في المناسبات، بل أصبح واحداً من أكثر الأصول التي يراقبها الناس يومياً، مع صعود أسعاره إلى مستويات تاريخية جعلت شراء قطعة صغيرة منه أكثر كلفة مما كان عليه قبل سنوات قليلة.
تجاوز سعر أونصة الذهب عالمياً مستوى 4400 دولار، مدفوعاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتراجع الدولار، واستمرار إقبال المستثمرين والبنوك المركزية على المعدن الأصفر باعتباره ملاذاً آمناً في فترات القلق وعدم الاستقرار.
ويعني هذا الصعود أن الأسعار لا ترتفع على شاشات البورصات فقط، بل تنتقل سريعاً إلى أسواق الصاغة ومحال الذهب في مختلف الدول، ومنها العراق.
عيار 21 يتجاوز 160 ألف دينار للغرام
في السوق العراقية، تجاوز السعر الاسترشادي لغرام الذهب عيار 21، وهو الأكثر تداولاً بين العراقيين، مستوى 160 ألف دينار، فيما اقترب غرام عيار 24 من 190 ألف دينار.
ولا تمثل هذه الأرقام دائماً السعر النهائي الذي يدفعه المشتري، إذ تضاف إليها أجور الصياغة، كما تختلف الأسعار بحسب نوع الذهب ومنشئه والمحافظة والمحل.
أما من يشتري الذهب بهدف الادخار، فيراقب عادة سعر المثقال أو السبائك أكثر من المشغولات، لأن أجور الصياغة تكون أقل نسبياً.
ارتفاع الأسعار جعل شراء الذهب أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الأسر العراقية، خصوصاً مع ارتباطه بعادات اجتماعية ومناسبات الزواج والهدايا.
وفي المقابل، وجد أشخاص اشتروا الذهب قبل سنوات أن ما لديهم أصبح يمثل مدخرات مرتفعة القيمة، بعدما تضاعفت الأسعار خلال فترات متقاربة.
الذهب لم يعد رخيصاً حتى عندما ينخفض
من أبرز سمات السوق الحالية أن التراجع لم يعد يعني العودة إلى الأسعار القديمة.
فالذهب قد يخسر عشرات الدولارات خلال جلسة واحدة، ثم يعوضها في أيام قليلة، لكنه يظل عند مستويات مرتفعة مقارنة بالأعوام السابقة.
ولهذا أصبح السوق مقسوماً بين مشترٍ ينتظر انخفاضاً أكبر، وآخر يشتري تدريجياً خوفاً من استمرار الصعود.
كما دفع غلاء الذهب بعض المشترين إلى تقليل الأوزان المستخدمة في الحلي، أو التوجه إلى قطع أخف، أو استبدال عيارات مرتفعة بأخرى أقل سعراً.
البنوك المركزية تشتري أيضاً
الطلب الكبير لا يأتي من الأفراد وحدهم.
فالبنوك المركزية حول العالم واصلت خلال 2026 زيادة احتياطياتها من الذهب، في إطار تنويع الأصول وتقليل الاعتماد الكامل على العملات والسندات.
وبلغت مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية مئات الأطنان خلال النصف الأول من العام، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي.
هذا الطلب يوفر دعماً قوياً للأسعار، لأنه يتعلق بمؤسسات تشتري كميات ضخمة بهدف الاحتفاظ طويل الأجل، وليس المضاربة اليومية.
الدولار والفائدة يحركان السعر
يبقى سعر الذهب شديد الحساسية لتحركات الدولار الأميركي وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
فكلما تراجع الدولار، أصبح الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى، ما يدعم الطلب عليه.
أما ارتفاع أسعار الفائدة، فيضغط عادة على الذهب، لأن المستثمر يستطيع عندها الحصول على عائد من السندات والودائع، بينما الذهب نفسه لا يمنح فائدة.
ولهذا تتقلب الأسعار مع كل بيانات جديدة عن التضخم والوظائف الأميركية، ومع كل إشارة إلى اتجاه الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
العراق يتأثر مرتين
السعر العراقي لا يتحدد فقط بما يحدث في سوق الذهب العالمية. فسعر صرف الدولار داخل العراق يلعب دوراً مباشراً أيضاً.
وعندما يرتفع الذهب عالمياً ويتزامن ذلك مع ارتفاع الدولار محلياً، يتلقى السوق العراقي تأثيراً مزدوجاً، فتزداد أسعار الغرام والمثقال بسرعة أكبر.
أما إذا استقر الدولار أو تراجع، فقد يخف جزء من الارتفاع العالمي عند احتساب السعر بالدينار.
وبهذا أصبح الذهب في العراق مرتبطاً بثلاثة عناصر رئيسية: سعر الأونصة عالمياً، وسعر الدولار محلياً، وأجور الصياغة داخل السوق.
زينة وخزينة
التحول الأبرز في علاقة الناس بالذهب خلال السنوات الأخيرة يتمثل في تغير النظرة إليه.
فالقطعة التي كانت تُشترى للزينة فقط، أصبحت لدى كثيرين وسيلة لحفظ جزء من المدخرات.
والسبائك الصغيرة والليرات والقطع قليلة المصنعية أصبحت أكثر جذباً لمن يريد الاحتفاظ بالذهب فترة طويلة.
ومع وصول الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، لم يعد المعدن الأصفر سلعة عادية في واجهات الصاغة، بل أصبح مؤشراً يومياً يراقبه المستثمر والمقبل على الزواج والمدخر الصغير في الوقت نفسه.


