غادرتُ معرض أربيل الدولي للكتاب،
لكن أصداء تلك الزيارة الجميلة لم تغادر وجداني. فقد كانت بالنسبة إليّ أكثر من
مجرد جولة بين أجنحة الكتب ودور النشر؛ كانت لحظات مفعمة بالفرح والاعتزاز والأمل،
أعادت إلى قلبي الطمأنينة، وجدّدت إيماني بمستقبل أجيالنا الشابة ومستقبل كوردستان
التي نحب ونعتز بالانتماء إليها.
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل
الاجتماعي والهواتف الذكية والتكنولوجيا الحديثة تستحوذ على جانب كبير من حياتنا
اليومية، وتتنافس فيه الشاشات على وقت الإنسان واهتمامه، كثيراً ما تساءلتُ في
نفسي: هل مازال للكتاب ذلك السحر الذي عرفناه؟ وهل لاتزال الأجيال الجديدة تجد بين
صفحاته متعة الاكتشاف، وشغف المعرفة، ولذة التأمل والتفكير؟ وجاءت زيارتي إلى
المعرض لتجيب عن تلك التساؤلات بأجمل صورة.
لقد أسعدني كثيراً ذلك الإقبال
الواسع على المعرض، ورؤية الزوار من مختلف الأعمار والفئات يتنقلون بين أجنحته
بشغف واهتمام. ولكن المشهد الذي لامس أعماق قلبي، وأدخل إلى نفسي فرحاً لا يوصف،
كان حضور ذلك العدد الكبير من الشابات والشبان، وهم يتصفحون الكتب، ويبحثون عن
عناوين جديدة، ويتبادلون الأفكار، ويُقبلون على المعرفة بفضول وحماس.
تأملتُ وجوههم، وشعرتُ بسعادة
عميقة، وكأنني أرى أمامي ملامح مستقبلٍ أجمل لوطننا. ففي يد كل شاب يحمل كتاباً رأيتُ شعلة أمل، وفي عيني كل فتاة تبحث عن
المعرفة لمحتُ وعداً بغدٍ أكثر إشراقاً لكوردستان.
أدركتُ حينها أن الكتاب لم يفقد
مكانته، وأن وهج المعرفة لم تنطفئ جذوته، وأن الأجيال التي نعوّل عليها في بناء
مستقبلنا لاتزال تدرك، رغم كل ما يحيط بها من مغريات العصر، أن العلم والثقافة
والقراءة هي مفاتيح التقدم والرقي.
لقد آمنتُ طوال حياتي بأن الكتاب
ليس مجرد صفحات تُقرأ، أو كلمات تُحفظ، بل هو نافذة تُفتح على العالم، وعقلٌ يتحاور
مع عقل، وتجربة إنسانية تعبر حدود الزمان والمكان. فالقراءة تُهذّب الفكر، وتوسّع
المدارك، وتُنمّي القدرة على التساؤل والتحليل، وتمنح الإنسان حرية التفكير
واستقلال الرأي.
ولكن للكتاب عندنا، نحن الكورد،
مكانة تتجاوز حدود المعرفة الفردية والثقافة العامة؛ فهو أيضاً ذاكرة أمة، وحارس
لغة، وشاهد تاريخ، ووسيلة لحماية الهوية من النسيان والاندثار.
فنحن أبناء شعبٍ عريق، نمتلك
تاريخاً غنياً بالتجارب والتضحيات، ولغةً جميلة، وتراثاً أدبياً وثقافياً
وفلكلورياً نعتز به. وفي أشعارنا وأغانينا وحكاياتنا الشعبية وتقاليدنا وذاكرتنا
الجماعية تكمن ملامح هويتنا، وتتجسد حكاية أجيالٍ تعاقبت على هذه الأرض، وحملت
معها آمالها وآلامها وأحلامها.
إن هذه الثروة الثقافية ليست مجرد
إرث نتباهى به أو ذكريات نحتفظ بها، بل هي أمانة في أعناقنا، ومسؤولية أخلاقية
وتاريخية تفرض علينا أن نحافظ عليها، وأن ننقلها إلى أبنائنا وأحفادنا، حيّةً
ومتجددةً وغنيةً بالمعرفة والإبداع.
ولهذه القناعة مكانة خاصة جداً في
نفسي، فهي ليست وليدة هذه الزيارة، بل هي جزء من تاريخ عائلتي، ومن حياتي الشخصية،
ومن التجربة التي عشتها على امتداد السنين. فأنا أنتمي إلى عائلة بدرخان، التي كان لأبنائها دور ريادي في خدمة
اللغة الكوردية، وإحياء الأدب والثقافة، وإرساء دعائم الصحافة الكردية، وتعزيز
الوعي القومي والثقافي لشعبنا.
لقد أدرك روّاد هذه العائلة، منذ
أجيال بعيدة، أن الدفاع عن هوية الأمة لا يكون بالمواقف والشعارات وحدها، بل
بالكلمة المكتوبة، وبالكتاب والصحيفة، وبنشر العلم والمعرفة، وبحماية اللغة التي
تحمل في مفرداتها روح الشعب وذاكرته.
وكان صدور صحيفة "كوردستان"
التاريخية إحدى المحطات المضيئة في مسيرة النهضة الثقافية والفكرية الكوردية،
وتوالت بعدها جهود أدبية ولغوية وفكرية تركت بصماتها في تاريخ شعبنا.
ولم تكن تلك المسيرة سهلة؛ فقد
جاءت في ظروف تاريخية عصيبة، كانت فيها المحافظة على اللغة والهوية الثقافية تتطلب
إيماناً عميقاً وإرادة صلبة وتضحيات كبيرة.
وحين أستحضر هذه الصفحات من تاريخ
عائلتي، لا أشعر بالفخر وحده، بل أشعر أيضاً بثقل المسؤولية تجاه ذلك الإرث،
وبضرورة أن يبقى حياً في وجدان الأجيال القادمة، لا بوصفه تاريخاً يُروى فحسب، بل
رسالةً تستحق أن تتواصل.
غير أن علاقتي بالكتاب واللغة
والثقافة لم تقتصر على الإرث الذي حملته من عائلتي، بل امتدت إلى تجربة إنسانية
وفكرية عزيزة على قلبي، عشتها إلى جانب رفيق دربي وزوجي الراحل، صلاح سعد الله.
لقد كان صلاح رجلاً آمن بقيمة
العلم والمعرفة، وجعل من القراءة والبحث والكتابة والترجمة جزءاً أصيلاً من حياته.
فعلى الرغم من مسيرته المهنية في
مجال الهندسة، ظل شغفه بالثقافة واللغة والأدب حاضراً في وجدانه، وكرّس جانباً
مهماً من وقته وجهده للعمل الفكري والأدبي، فكتب وترجم، وسعى من خلال مؤلفاته
وترجماته إلى إثراء المكتبة الكوردية، وفتح نوافذ جديدة أمام القارئ الكوردي
للاطلاع على آفاق أوسع من المعرفة والأدب العالمي.
ولكن يبقى من أبرز إنجازاته،
وأقربها إلى قلبي، قاموسه الذي أفنى في إعداده سنوات من البحث والتدقيق والصبر
والمثابرة.
لقد كان ذلك العمل بالنسبة إليه
أكثر من مجرد مشروع لغوي أو مؤلَّف يُضاف إلى رفوف المكتبات. كان رسالة علمية
وثقافية، ومساهمة صادقة في خدمة اللغة الكوردية، وتيسير سبل التعلم والمعرفة أمام
أبنائها.
فالقاموس ليس مجرد كلمات تقابلها
معانٍ، بل هو جسر يصل بين اللغات والثقافات، وأداة تفتح أبواب العلم، ومرجع يخدم
الطالب والمعلم والباحث والمترجم، ويختصر على الأجيال القادمة سنوات من البحث
والاجتهاد.
وكم تزداد قيمة مثل هذا العمل حين
يكون موجهاً لخدمة لغةٍ عانت عبر التاريخ من تحديات كثيرة، ومع ذلك بقيت حيّةً
بفضل إصرار أبنائها وتفاني علمائها وأدبائها ومثقفيها.
لقد عايشتُ عن قرب ما بذله صلاح
من جهد وما تحلّى به من صبر وإخلاص في أعماله، وأدركتُ أن ما كان يشغله لم يكن
مجرد إنجاز كتاب يحمل اسمه، بل أن يترك وراءه علماً نافعاً، ومرجعاً يبقى في خدمة
من يأتون بعده.
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان بعد
رحيله ليس ما جمعه لنفسه، بل ما قدّمه للآخرين من علمٍ ومعرفة، وما زرعه من بذورٍ
تظل تُثمر حتى بعد غيابه.
وهكذا أجد نفسي، بين الإرث
الثقافي لعائلة بدرخان والجهود الفكرية والأدبية لزوجي الراحل صلاح سعد الله، أمام
مسيرتين تلتقيان عند إيمان واحد: أن خدمة اللغة والثقافة والمعرفة هي، في جوهرها،
خدمة للوطن وللإنسان وللأجيال القادمة.
ولذلك، لم تكن مشاعري وأنا أتجول
في معرض أربيل الدولي للكتاب مشاعر زائرة عادية جاءت للاطلاع على أحدث الإصدارات.
لقد كانت مشاعر امرأة عاشت قريباً
من عالم الكتب والكلمة، وورثت اعتزازاً عميقاً بتاريخ أسرة ساهمت في نهضة الثقافة
الكوردية، وشاركت زوجها رحلةً من العطاء الفكري واللغوي.
كنتُ أنظر إلى الشباب من حولي،
وأستحضر في ذهني أولئك الذين سبقونا، ممن أفنوا أعمارهم في الكتابة والترجمة
والتأليف وحماية تراثنا الثقافي.
تذكرتُ جهود أجدادي، وتذكرتُ زوجي
الراحل وساعاته الطويلة التي أمضاها بين الكتب والأوراق والقواميس، ثم عدتُ بنظري
إلى هؤلاء الشبان والشابات الذين يملؤون أروقة المعرض بالحياة والأمل.
وشعرتُ حينها بأن تلك الجهود لم
تذهب سدى، وأن البذور التي زرعتها الأجيال السابقة لاتزال تنبت في عقول أبنائنا،
وتزهر في شغفهم بالعلم والقراءة والمعرفة.
وهل هناك مكافأة أجمل لمن خدموا
الثقافة من أن يروا الأجيال الجديدة تُقبل عليها، وتُكمل المسيرة من حيث انتهى
السابقون؟.
إنني أؤمن إيماناً راسخاً بأن
مستقبل كوردستان لا تصنعه القرارات السياسية وحدها، ولا تكفي لتحقيقه التطلعات
الوطنية مهما بلغت قوتها وصدقها.
فالأوطان القوية تُبنى أولاً
بالإنسان الواعي، والعقل المتعلم، والمؤسسات الراسخة، وبمجتمع يحترم العلم، ويقدّر
الثقافة، ويصون تاريخه، ويؤمن بالعمل والمسؤولية.
إن حلم كوردستان الحرة والمستقلة
لا يمكن أن يقوم على العاطفة الوطنية وحدها، بل يحتاج إلى أجيالٍ تمتلك العلم
والمعرفة والكفاءة والوعي التاريخي والثقافي، وتدرك أن الاستقلال ليس مجرد غاية
سياسية، بل مسؤولية عظيمة في بناء دولة قادرة على التقدم والازدهار وصون كرامة
الإنسان.
فنحن لا نحلم باستقلالٍ يحمل
اسماً وعلماً وحدوداً فحسب، بل بوطنٍ تسوده المعرفة والعدالة، وتحكمه المؤسسات،
وتُصان فيه الحريات، ويُحترم فيه التنوع، وتُتاح فيه لأبنائنا وبناتنا فرص التعليم
والإبداع والعمل والمشاركة في صناعة المستقبل.
ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاستثمار
الحقيقي في الإنسان، وبناء أجيال تجمع بين الاعتزاز بجذورها والانفتاح على العالم،
وبين المحافظة على هويتها ومواكبة التقدم العلمي والحضاري.
علينا أن نعلّم أبناءنا لغتهم
وتاريخهم، وأن نعرّفهم بأدبهم وفلكلورهم وتراثهم، ولكن علينا أيضاً أن نفتح أمامهم
أبواب المعرفة الإنسانية الواسعة، وأن نشجعهم على تعلم اللغات والعلوم الحديثة،
وعلى الحوار واحترام الاختلاف والتفكير بحرية ومسؤولية.
فالأمة الواثقة من هويتها لا تخشى
الانفتاح على العالم، بل تستمد من أصالتها القوة التي تمكّنها من التفاعل معه
والإسهام في حضارته.
ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة
لمعارض الكتب والمكتبات والندوات الثقافية والأنشطة الأدبية والفنية.
إنها ليست مجرد مناسبات لعرض
الكتب وبيعها، بل فضاءات تلتقي فيها العقول، وتتحاور فيها الأفكار، وتُكتشف فيها
المواهب، وتُزرع فيها بذور الوعي والانتماء.
وأتمنى من أعماق قلبي أن يحرص
الآباء والأمهات والأجداد على اصطحاب أطفالهم إلى مثل هذه الفعاليات، وأن يجعلوا
الكتاب رفيقاً لهم منذ سنواتهم الأولى، وأن يغرسوا في نفوسهم حب القراءة، والفضول
المعرفي، والاعتزاز بلغتهم وتاريخهم وثقافتهم.
فالطفل الذي ينشأ محاطاً بالكتب
يكبر وفي داخله عالمٌ من الاحتمالات، والشاب الذي يتسلح بالمعرفة يصبح أكثر قدرة
على فهم واقعه وتغييره، والمجتمع الذي يجعل التعليم والثقافة من أولوياته يضع الأساس
الحقيقي لمستقبل أكثر إشراقاً. وحين غادرتُ المعرض، حملتُ معي شعوراً جميلاً
يصعب وصفه بالكلمات.
شعرتُ بالامتنان لكل من ساهم في
إقامة هذا الحدث الثقافي، وبالفخر بكل كاتب ومترجم وباحث وناشر يكرّس جهده لخدمة
المعرفة، وبالسعادة الغامرة لرؤية شبابنا وهم يمدّون أيديهم إلى الكتب بدلاً من أن
يكتفوا بما تقدمه لهم الشاشات من معرفة عابرة.
وفي هذه المرحلة من عمري، لا أجد
ما يبعث في نفسي الطمأنينة والأمل أكثر من رؤية الجيل الجديد وهو يحمل شعلة العلم
والثقافة، ويستعد لمواصلة المسيرة التي بدأها الآباء والأجداد.
إن الوفاء الحقيقي للمثقفين
والأدباء والعلماء الذين سبقونا لا يكون بمجرد تخليد أسمائهم والإشادة بإنجازاتهم،
بل بأن نحافظ على ما تركوه، ونطوّره، ونضيف إليه، ونسلّمه إلى الأجيال القادمة
أكثر غنىً ونضجاً وإشراقاً.
ذلك هو المعنى الأعمق للوفاء،
وتلك هي الاستمرارية التي تمنح العطاء الإنساني قيمته الخالدة.
إن أمنيتي الكبرى أن أرى كوردستان
وطناً يزدهر فيه العلم، وتعلو فيه مكانة الكتاب، وتبقى لغته حيّةً متجددة، ويُصان
فيه تراثه الثقافي والفلكلوري، وتُروى فيه صفحات تاريخه بصدق واعتزاز، وينشأ
أبناؤه على حب المعرفة والحرية والمسؤولية.
وأتمنى أن يواصل شبابنا حمل تلك
الأمانة التاريخية، وأن يدركوا أن ما نطمح إليه من حرية واستقلال وازدهار يبدأ من
بناء الإنسان قبل أي شيء آخر.
فمن يقرأ يمتلك القدرة على الفهم،
ومن يفهم يستطيع أن يختار، ومن يمتلك العلم والوعي يستطيع أن يشارك في بناء مستقبل
وطنه.
الأمة التي تقرأ، أمة تفكر وتنهض. والأمة التي تصون لغتها وتحفظ تاريخها، أمة تعرف جذورها وهويتها. والأمة التي تستثمر في عقول أبنائها، إنما تضع الأساس المتين لحريتها
واستقلالها ومستقبلها.
وأخيراً، فإنني أغادر هذه التجربة
الجميلة بقلبٍ مفعم بالرجاء، وبإيمان متجدد بأن مستقبل كوردستان سيكون أكثر
إشراقاً ما دام بين أبنائها وبناتها من يحب الكتاب، ويطلب العلم، ويعتز بلغته
وثقافته، ويحمل في وجدانه حلم وطن حر وكريم ومزدهر. فبالكتاب نصون الذاكرة، وبالثقافة نحفظ الهوية، وبالعلم نبني الإنسان،
وبالإنسان الواعي نبني الأوطان.
وما أجمل أن يأتي اليوم الذي نرى
فيه أحلام الأجيال التي سبقتنا وقد أصبحت واقعاً تعيشه الأجيال التي ستأتي بعدنا،
في كوردستان حرة، مزدهرة، مستقلة، تعتز بماضيها وتصنع مستقبلها بعقول أبنائها
وسواعدهم.


.jpg&w=3840&q=75)
