كان المهندس الذي شق طريق
"هاملتون" بطول يناهز 180 كيلومتراً، منطلقاً من أربيل عبر رواندوز
وجبال زاكروس وصولاً إلى حاج عمران، يدرك أن مهمة المهندس لا تقتصر على تطويع
تضاريس الطبيعة وشق الدروب فحسب؛ بل تترتب عليه مسؤولية أخلاقية وسياسية حيال
مآلات عمله ونتائجه. ومع ذلك، كان يعلم يقيناً في نهاية المطاف أن المهندس ليس هو
من يقرر الغرض الذي سيُستخدم الطريق لأجله في المستقبل.
يرى هاملتون في كتابه الشهير (Road through Kurdistan) أن بريطانيا كانت تسعى لربط العواصم الأوروبية بالعراق
عبر بلدة "نصيبين" في تركيا، ومن هناك، عبر ربط الموصل وأربيل ورواندوز
بأورمية وتبريز في إيران، لتوجيه التجارة والنفوذ البريطانيين نحو منطقة تمتعت
فيها روسيا بموطئ قدم ومكانة حيوية. أما على الصعيد الداخلي العراقي، فقد مكّن هذا
الطريق حكومة بغداد من الوصول بيسر إلى المناطق الجبلية الوعرة في كوردستان، والتي
كان يستحيل إخضاعها بالاعتماد على القصف الجوي وحده.
ومع ذلك، ليس بالضرورة أن تظل
الآثار السياسية للطرق والممرات حبيسة الأهداف الأولية المرسومة لها؛ فطريق
هاملتون، وبالتوازي مع تيسيره نقل القوات والعتاد العسكري، أسهم في توسيع أواصر
الاتصال بين سهل أربيل والمناطق الجبلية في كوردستان، فاتحاً آفاقاً واسعة للتبادل
الاقتصادي والاجتماعي. وشكّلت تلك الروابط بدورها إحدى الأرضيات الخصبة لانتقال
الحركة القومية الكوردية من حيزها الإقليمي الضيق إلى فضاء أرحب وأشمل؛ فبعد
سنوات، تحولت المناطق الجبلية المحاذية لهذا الطريق إلى مراكز ثقل حيوية للنضال
السياسي والعسكري الكردي، ولعبت تلك المرتفعات دور حلقة الوصل بين الثقلين
الجبليين في بهدينان والسليمانية. واليوم، وبعد قرابة قرن من الزمان، يعيد مشروع
نقل استراتيجي آخر، والمتمثل في "طريق التنمية" ومعبر "أوفاكوي –
فيشخابور"، طرح السؤال ذاته بإلحاح: بأي طريقة سيغيّر هذا الطريق شبكة
العلاقات والتوازنات القائمة؟ وأي بصمات سياسية سيتركها في أعقابه؟.
ممرات التنافس الدولي والإقليمي
تُظهر نظرة سريعة على خارطة
التنافس العالمي الراهن كيف تتداخل الصراعات السياسية والعسكرية مع خطوط التجارة
ونقل الطاقة في علاقة تأثير وتأثر متبادلة تُعاد صياغتها باستمرار. فوفقاً لتقرير
نشرته مجلة فورين بوليسي، استثمرت الصين بين عامي 2000 و2025 نحو 24 مليار دولار
في 168 ميناءً رئيسياً موزعة على 90 دولة، وهو ما دق ناقوس الخطر في واشنطن. وفي
المقابل، مارست إدارة ترامب ضغوطاً حثيثة أرغمت بنما على إلغاء عقد لإدارة قناة
بنما كانت قد أبرمته مع شركة مقربة من بكين. كما يمكن إدراج المواجهة الأميركية في
مضيق هرمز، والعمليات العسكرية السابقة ضد الحوثيين في باب المندب، وفوق ذلك كله،
تمتين التحالفات السياسية والعسكرية الأميركية مع الدول المشرفة على مضيق ملقا
(إندونيسيا، سنغافورة، وماليزيا)، في إطار مساعي الهيمنة على ممرات التجارة
البحرية الدولية.
أما في الشرق الأوسط، فيبرز
مشهدان متناقضان تماماً:
المشهد الأول (شمالاً): في الرقعة
الممتدة من ميناءي العقبة وإيلات وصولاً إلى ميناء جيهان التركي، تنخرط دول مثل
إسرائيل، الأردن، سوريا، العراق، وتركيا في دبلوماسية مكثفة بمجالي الطاقة
والتجارة؛ حيث تعكف هذه الدول إما على خوض مفاوضات معقدة حول خطوط أنابيب النفط
والغاز، والسكك الحديدية، وتطوير الموانئ، أو صياغة مشاريع تنموية مشتركة.
المشهد الثاني (جنوباً): على طول
الخط الممتد من اليمن حتى الحدود الأفغانية، يسود واقع مختلف تماماً؛ حيث تعكس
الحرب بين السعودية والحوثيين، والمواجهات المباشرة وغير المباشرة لإيران مع
الولايات المتحدة وإسرائيل، والتوترات الحدودية بين أفغانستان وباكستان (والتي
تشمل إيران أحياناً)، صراعاً مفتوحاً يلقي بظلاله المباشرة على أمن ممرات التجارة
وسلاسل إمداد الطاقة.
إن هجوم حماس على إسرائيل في عام
2023، وبغض النظر عن أي أسباب أخرى، ربما استهدف تعطيل مشروع "الممر
الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC) . كما أن
اندلاع حرب عام 2026 مع إيران وتجدد الاشتباكات بين الحوثيين والسعودية أديا إلى
تعقيد الملاحة وأمن الممرات في كل من مضيقي هرمز وباب المندب، وأشعلا التنافس
الإقليمي على مسارات الطاقة البديلة. وفي مواجهة ذلك، تسعى الرياض عبر "خط
أنابيب شرق – غرب" لنقل نفط حقولها الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر،
فيما تعمل سلطنة عُمان على تعزيز ثقلها الجيوسياسي خارج مضيق هرمز، وتسعى إسرائيل
لإحياء خط "إيلات – عسقلان" لنقل نفط الخليج نحو أوروبا. وفي خضم هذه
التحركات، يحاول العراق إعادة تشغيل خطي بصرة – بانياس وبصرة – كركوك؛ وهي مشاريع
تفضي بمجملها إلى تقليص الأهمية الجيوستراتيجية لمضيق هرمز. والحروب والنزاعات ما
تزال مستعرة، وموازين القوى الختامية هي التي ستحدد أي مشاريع النقل والطاقة
ستُكتب لها النجاة وأيها سيتعثر، إلا أن المؤكد أن هذه الطرق ستفرض بالضرورة
معادلات سياسية وتوازنات قوى جديدة.
طريق التنمية وموقع إقليم كوردستان
اكتسب مشروع "طريق
التنمية" زخماً إضافياً في سياق سباق ممرات الطاقة والتجارة، وأزمة مضيق
هرمز، وتغير التوازنات الإقليمية. غير أن أهميته بالنسبة لإقليم كوردستان لا تقتصر
على المسار الجغرافي الذي سيسلكه الطريق؛ بل تكمن النقطة المفصلية في كيفية إدارة
الحدود، والمنافذ الجمركية، والعائدات المالية، ومن يملك حق القرار والمشاركة فيها.
تعود جذور فكرة إيجاد ربط بري
مباشر بين بغداد وأنقرة إلى عهد صدام حسين؛ فعقب خروج إقليم كوردستان عن السيطرة
المباشرة لبغداد، طُرح مسار بديل كخيار تجاري وأمني، تغذيه رغبة مشتركة في توثيق
العلاقات بين الحكومتين المركزيتين وتحجيم تأثير الواقع الكوردي الجديد على تلك
العلاقات. وعقب استفتاء الاستقلال في إقليم كوردستان عام 2017، عاد مقترح معبر
"أوفاكوي" إلى طاولة البحث بصبغة سياسية وأمنية أكثر صراحة ووضوحاً.
وفي نيسان 2024، وفّر التوقيع على
مذكرة التفاهم الرباعية بين العراق وتركيا وقطر والإمارات زخماً واسعاً لمشروع
طريق التنمية؛ حيث غدا معبر "أوفاكوي" المنفذَ الشمالي لمشروع عملاق
يربط ميناء الفاو والخليج بالأراضي التركية والأسواق الأوروبية. وتُعد تفاهمات 28
تموز والمحادثات اللاحقة بين بغداد وأنقرة حول النقل البري والسككي امتداداً لذات
المسار. ومع ذلك، لاتزال هناك فجوة واسعة بين القيمة الاستراتيجية للمشروع
وإمكانية تنفيذه الفعلي على أرض الواقع؛ إذ يواجه المشروع عائقين رئيسيين: تأمين
التمويل ورؤوس الأموال الضخمة، وتوفير بيئة سياسية وأمنية مستقرة تضمن ديمومته.
مالياً، يقف الوضع الاقتصادي
الإقليمي وعجز الموازنة الذي أقر به رئيس الوزراء العراقي حائلاً أمام تغطية
التكاليف الباهظة، وإن طُرح مؤخراً خيار تسديد مستحقات الشركات التركية عبر شحنات
النفط كحل بديل. ويُبرز الحجم الهندسي للمشروع حجم التحدي المالي المطلوب؛ فالمخطط
يقضي بمد طريق بري وسكة حديد بطول يقارب 1200 كيلومتر يربط الفاو بالحدود التركية.
ومن الجانب التركي، يتطلب المشروع ربط أوفاكوي بطريق سريع بطول 320 كيلومتراً نحو
شانلي أورفا، فضلاً عن خط سككي بطول 501 كيلومتر يربط غازي عنتاب - أورفا - ماردين
- نصيبين - أوفاكوي، علماً أن 127 كيلومتراً من هذا الخط (ضمن قطاع نصيبين – جزيرة
بوتان – أوفاكوي) لم تُنفذ بعد. وفي الجانب العراقي، تشكل المنشآت قيد الإنجاز في
ميناء الفاو وطريق بطول 63 كيلومتراً أبرز الإنجازات المتحققة، غير أن اكتمال
الممر بالكامل يتطلب وقتاً طويلاً وموارد هائلة لتأهيل شبكة السكك الحالية وبناء
مقاطع جديدة.
وهذه الفجوة بين المخططات والواقع
هي ما أعطت الممرات السورية وزناً متزايداً؛ إذ أعادت تركيا في نيسان تأهيل وتشغيل
352 كيلومتراً من خط السكك الرابط بين غازي عنتاب ونصيبين. ومن الجانب السوري،
يوفر المسار البري الرابط بين آقجة قلعة – تل أبيض، وعين عيسى، والطريق الدولي (M4) باتجاه تل كوجر – اليعربية، خياراً متاحاً للربط المباشر
بمدينة الموصل، وهو ما يعني عملياً تجاوز إقليم كوردستان والالتفاف عليه. ورغم
قدرة هذه المسارات البديلة على سد الاحتياجات الآنية قبل اكتمال الشبكة الضخمة،
فإن المعطيات الأمنية والحدودية وطبيعة الاتفاقيات بين أطراف المثلث (بغداد، دمشق،
وأنقرة) ستبقى هي المحدد الأساسي لجدواها.
وهنا نصل إلى العقبة الثانية: إن
نجاح المشروع لا يتوقف على إرادة بغداد وأنقرة وحدها؛ إذ سيكون لمآلات الحرب مع
إيران وشكل التوازنات الإقليمية المعاد ترتيبها أثر بالغ عليه. فإذا توصلت طهران
وواشنطن إلى تسوية مستدامة، فقد تسعى إيران إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والأمني في
العراق وسوريا لكبح جماح التمدد التركي. أما إذا اتسع نطاق الحرب، فإن الكلفة
الأمنية لتشغيل طريق التنمية وحمايته ستفوق كل التقديرات. وداخلياً، فإن استمرار
سطوة الفصائل المسلحة، وبقاء تهديدات تنظيم داعش، والخلافات المستحكمة بين بغداد
وأربيل، كلها عوامل من شأنها شل فاعلية المشروع؛ إذ أثبتت الحرب مع إيران أنه يمكن
بأسلحة محدودة وتكلفة زهيدة تعطيل شرايين تجارية عملاقة، وأن التفوق العسكري
المجرد لا يضمن تأمين مسار تجاري حيوي، على نحو ما جرى ويجري في مضيق هرمز.
ختاماً، يرتبط جزء جوهري من أزمة
"طريق التنمية" بتموضع إقليم كوردستان ودوره المستقبلي، وتحديداً في ملف
إدارة النقاط الحدودية وفرض نظام الجمارك الإلكتروني المؤتمت (الأسيكودا - ASYCUDA)، وهو الملف
الذي لم يشهد أي توافق سياسي أو فني حتى الآن. وبالنسبة لأربيل، تنفجر هذه القضية
في توقيت إقليمي وداخلي حرج للغاية؛ فالانسحاب الأميركي من سوريا والعراق، وانتهاء
التحالف المباشر بين القوات الكوردية والتحالف الدولي لمحاربة داعش، والتنازل عن
ملف النفط والإيرادات لصالح بغداد، إلى جانب الخلافات العميقة والانقسام بين
الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني)، كلها عوامل أضعفت
أوراق القوة التي كانت تمتلكها حكومة الإقليم في مفاوضاتها مع الحكومة الاتحادية.
وفي ظل هذه الهشاشة، فإن فرض التعديلات المتعلقة بتسليم عائدات المعابر الحدودية
والرسوم الجمركية لبغداد بالكامل ثم انتظار استرجاع حصة منها، سيكون بمثابة
"المسمار الأخير" الذي يوثق تبعية إقليم كوردستان لبغداد بصورة غير
مسبوقة. ولعل هذا التوجس الوجودي هو السبب الحقيقي الذي يقف خلف تعثر الوصول إلى
أي صيغة توافقية بين الجانبين حتى اللحظة.
.jpg&w=3840&q=75)

.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)