يبدو أننا لم نستوعب بعدُ حجم
الكوارث الاقتصادية وتداعياتها التي سترافق العراق، دولةً ومجتمعاً، لسنوات طويلة
مقبلة. فما يواجهه العراقيون اليوم ليس أزمة مالية عابرة، ولا مجرد إخفاق إداري
يمكن تجاوزه بتغيير بعض المسؤولين، بل هو حصيلة سنوات من الفساد وهدر المال العام
وسوء استخدام السلطة، في ظل منظومة سياسية أتاحت لأصحاب النفوذ توسيع امتيازاتهم،
بينما تُرك المواطن يواجه وحده نتائج الانهيار وتكاليفه الباهظة.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في
الأموال التي أُهدرت فحسب، بل في غياب المحاسبة، وفي تحوّل النفوذ السياسي إلى درع
يحتمي خلفه بعض الزعماء كلما اقتربت الأسئلة من مسؤولياتهم. فحين تُستنزف ثروات
الدولة، وتتراجع الخدمات، وتتفاقم الأزمات الاقتصادية، ثم يجد المسؤولون أنفسهم
بمنأى عن التحقيق والمساءلة، فإن الأمر يتجاوز حدود الفساد الإداري والمالي ليصبح
أزمة في جوهر النظام السياسي نفسه.
فأي دولة يمكن أن تستقيم فيها
العدالة إذا كان المواطن خاضعاً للقانون، بينما يستطيع صاحب النفوذ أن يجعل من
موقعه السياسي حاجزاً يحول دون مساءلته؟.
إن الحصانة، في مفهومها القانوني
السليم، ليست امتيازاً شخصياً يُمنح للزعماء، ولا صكّ براءة مسبقاً، ولا وسيلة
لتعطيل العدالة. إنها إطار قانوني محدود الغرض والنطاق، ولا يجوز أن تتحول إلى
غطاء يحجب الحقائق أو يمنع التحقيق في شبهات الفساد. أما حين تتشابك المصالح
الحزبية مع النفوذ الحكومي، وتصبح المساءلة رهينة التوافقات السياسية، فإن القانون
يفقد هيبته، وتتحول الدولة تدريجياً إلى ساحة تتصارع فيها مراكز القوة على النفوذ
والثروة، بدلاً من أن تتنافس على خدمة المواطنين.
والأخطر من ذلك أن الإفلات من
العقاب لا يحمي الماضي وحده، بل يؤسس لفساد جديد في المستقبل. فالمسؤول الذي يعتقد
أنه محصّن من العواقب لا يجد ما يردعه، والجهة السياسية التي تستطيع تعطيل
المساءلة تتعلم أن النفوذ أقوى من القانون. وهكذا لا يعود الفساد انحرافاً فردياً
يمكن معالجته، بل يتحول إلى منظومة تعيد إنتاج نفسها، وتحمي مصالحها، وتقاوم كل
محاولة لتفكيكها.
وفي العراق، حيث تتشابك المحاصصة
السياسية مع المصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ، لا يمكن فصل أزمة المال العام عن
أزمة المساءلة. فالأموال التي كان ينبغي أن تُستثمر في بناء المدارس والمستشفيات،
وتطوير البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وتحسين حياة العراقيين، لا يجوز أن تضيع
بين سوء الإدارة وشبهات الفساد، ثم يُطلب من المواطن أن يتحمل النتائج بصبر، فيما
تبقى المسؤوليات السياسية والقانونية معلّقة أو مؤجلة.
لقد وجد العراقيون أنفسهم أمام
تناقض صارخ: دولة تمتلك موارد بشرية وطبيعية كبيرة، ومجتمع يطمح إلى الاستقرار
والازدهار، لكنهما يصطدمان بأزمات متكررة تعرقل التنمية وتبدد الثقة بالمؤسسات.
وفي الوقت الذي يُطالَب فيه المواطن بالتقشف وتحمل الأعباء الاقتصادية، يصبح من
حقه أن يسأل: أين ذهبت الثروات؟ من يتحمل مسؤولية الإخفاقات؟ ولماذا تتعثر
المحاسبة كلما اقتربت من أصحاب النفوذ؟
هذه ليست أسئلة شعبية عابرة، بل
أسئلة تتصل بشرعية الحكم وثقة المجتمع بالدولة. ولا يمكن الإجابة عنها بالخطب
السياسية أو الوعود المتكررة أو تشكيل لجان لا تصل نتائجها إلى المواطنين. المطلوب
هو كشف الحقائق، وإجراء تحقيقات مستقلة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون،
واسترداد الأموال العامة حيثما أمكن، من دون انتقائية أو مساومات أو حماية حزبية.
ولا يمكن لأي تحالف سياسي، بما في
ذلك قوى الإطار التنسيقي أو غيرها من القوى النافذة، أن يضع نفسه فوق الدولة أو
يحتكر حق تحديد مسارها. فالعراق ليس ملكاً لحزب، ولا امتداداً لزعامة، ولا ساحة
لتصفية الحسابات أو تقاسم المناصب. إن الدولة أقوى من الأشخاص، ومؤسساتها يجب أن
تكون أرسخ من التحالفات التي تتبدل وفق المصالح. ومن غير المقبول أن تتحول
المشاركة في السلطة إلى وسيلة للتحصّن من المساءلة، أو أن يصبح الانتماء السياسي عاملاً
يحدد مَن يُحاسَب ومَن يُستثنى.
إن أخطر ما يواجه العراق ليس
الفساد وحده، بل أن يصبح الفساد محمياً بالقوة السياسية، وأن تتحول المحاسبة إلى
استثناء، والإفلات من العقاب إلى قاعدة غير معلنة.
ولهذا، فإن التحرر من هذه الحلقة
لا يبدأ بتغيير الوجوه وحده، بل بتغيير القواعد التي تسمح بإعادة إنتاج الأزمة.
فلا يكفي أن تُكشف ملفات فساد ثم تُطوى، أو أن تُطلق حملات لملاحقة مسؤولين صغار
فيما تبقى مراكز النفوذ بمنأى عن التدقيق. ولا يكفي أن تُرفع شعارات الإصلاح إذا
كانت المصالح السياسية قادرة على تعطيل التحقيقات أو إفراغها من مضمونها.
إن المطلوب هو بناء دولة تكون
فيها استقلالية القضاء ضمانة للجميع، والرقابة على المال العام ممارسة فعلية لا
شعاراً، وتولي المنصب العام مسؤولية تستوجب الشفافية والمحاسبة. كما يتطلب الأمر
حماية الجهات الرقابية من التدخلات السياسية، وضمان حق المجتمع والإعلام في متابعة
الشأن العام ضمن القانون، وتطوير آليات تمنع تضارب المصالح واستغلال السلطة، وتتيح
استرداد الأموال المنهوبة وفق الإجراءات القانونية.
لقد حان الوقت للانتقال من مرحلة
الاحتواء والدفاع إلى مرحلة المبادرة والإصلاح؛ من الاكتفاء بتشخيص الخلل إلى
تفكيك أسبابه؛ ومن إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء مؤسسات تمنع تكرارها. فالمعرفة
التي لا تتحول إلى قرارات، والغضب الذي لا ينتج تغييراً، والتضحيات التي لا تفضي
إلى دولة أكثر عدلاً، كلها قد تنتهي إلى خيبة جديدة، تضع العراقيين أمام معركة
أخرى مع الفساد، بأسماء مختلفة وأدوات أكثر تعقيداً.
أما النخب السياسية والوطنية، فإن
اختبارها الحقيقي لا يكمن في قدرتها على وصف الأزمة أو استثمار غضب الناس، بل في
استعدادها لقبول مبدأ قد يكون مكلفاً لبعضها: أن لا أحد أكبر من الدولة، وأن لا
أحد فوق القانون، وأن المسؤولية السياسية لا تسقط بمجرد مغادرة المنصب، ولا تُلغى
بمجرد امتلاك النفوذ.
إن حماية العراق لا تعني حماية
الزعماء من المساءلة، ولا الدفاع عن التحالفات على حساب المؤسسات، بل حماية الدولة
من كل من يستغلها لتحقيق مصالحه الخاصة. ولا تعني قوة الدولة أن تتمتع السلطة بحرية
مطلقة، بل أن تخضع السلطة نفسها للقانون، وأن تكون مؤسسات العدالة قادرة على أداء
واجبها من دون خوف أو تدخل.
وفي النهاية، لا يحتاج العراق إلى
تسويات تحفظ امتيازات المتنفذين بقدر حاجته إلى عقد سياسي وأخلاقي جديد، أساسه أن
المال العام أمانة، والمنصب تكليف، والحصانة ليست براءة، والسلطة ليست ملكية خاصة.
فإما أن تتحول دروس السنوات الماضية إلى إصلاح حقيقي يعيد الثقة بالدولة، وإما أن
يستمر العراق في دفع ثمن منظومة تسمح للفساد بأن يتجدد، وللمسؤولية بأن تضيع،
وللمواطن بأن يتحمل وحده فاتورة الإخفاق.
إن الدولة التي تستحق تضحيات
العراقيين هي التي تحاسب من أساء استخدام سلطته، وتسترد حقوق شعبها، وتساوي بين
مواطنيها أمام القانون. أما الدولة التي تحمي أصحاب النفوذ من المساءلة، فإنها لا
تحمي هيبتها، بل تقوّضها من الداخل .!



.jpg&w=3840&q=75)