يخبرنا التاريخ: إن الحروب غالباً
ما تنتهي على موائد التفاوض، لكن ليس بالضرورة أن يغادروها الخاسرون مع آخر طلقة
من بندقية جندي.
لكن اليوم ما نراه على طاولة
الثنائي واشنطن وموسكو هي ملامح وأوجه مساومة كبرى للغاية حول أوكرانيا المنكوبة
على حالها. نعم، فاليوم توجد على الطاولة التي أسندت على ظهر أوكرانيا: أوراق بين
طياتها الأرض، الأمن، المعادن والطاقة بمشتقاتها. أما أوروبا المغلوبة على أمرها
قد دفعت من لحم أكتافها أثمانا باهضة يقدر بأكثر من 225 مليار يورو، كفزعة
لأوكرانيا، طيلة السنوات الثلاث من الحرب.
إذن، هل نحن أمام مشهد يتغزل فيه أميركا
وروسيا، وهما يتفقان على زفة في سهول وربوع أوكرانيا، وقد تناسوا إرسال بطلقة
الدعوة لأوروبا؟
لنسرد المشاهد والمواقف
والتصريحات الجارية خلال هذين اليومين:
ففي مكالمة هاتفية بين الرئيس
الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اتفقا على وقف إطلاق النار
لمدة 30 يوماً في أوكرانيا (وقف استهداف محطات الطاقة والبنية التحتية لأوكرانيا)
كخطوة أولى نحو اتفاق شامل لوقف إطلاق النار -وقد تؤدي هذه إلى وقف دائم بل وشامل
لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، مع وضع آليات لمراقبة الالتزام به- من المتوقع
أن تكون الميزات الرئيسية لمثل هذا الاتفاق هي تقاسم الأصول المهمة في أوكرانيا
بين موسكو وكييف.
1-تتنازل أوكرانيا عن 20% من
أراضيها لروسيا وتسيطر روسيا على محطات الطاقة (لاسيما محطة زابوريجيا التي تعد
أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا). علماً أن روسيا تسيطر فعلياً على هذه النسبة
من أراضي أوكرانيا، فقد يكون الأمر هو أن أميركا قد تعترف بضم تلك النسبة من أراضي
أوكرانيا لروسيا رسمياً.
2-ستعترف الولايات المتحدة بشبه
جزيرة القرم كأراضي روسية. وهذا ما اقترحته أميركا لروسيا سابقاً.
3-سيكون هناك وعد بعدم السماح
لأوكرانيا بالانضمام إلى الناتو ومنع الناتو من التواجد على الأراضي الأوكرانية.
4-سيكون لأوكرانيا شراكة اقتصادية
مع الولايات المتحدة ومساعدات لتطوير اقتصادها وإعادة بناء ما دمرته الحرب. وإن
جزءاً منه قد تحقق بالفعل.
ولا ننسى أنه قد تم التباحث
والتفاوض منذ تشرين الأول 2025 على: تقليص حجم جيش أوكرانيا إلى 600.000 جندي
مقابل ضمانات أمنية دولية بعدم بدء حرب جديدة وإبقاء الباب مفتوحاً لانضمام
أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي دون الناتو، وأن يتم رفع العقوبات الاقتصادية عن
روسيا تدريجياً وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي (بما في ذلك العودة إلى مجموعة
الثمانية)، وتوسيع التعاون الأميركي الروسي في مجال تكنولوجيا الطاقة والمعادن
الاستراتيجية. كما تضمنت المقترحات استخدام جزء من الأصول الروسية المجمدة لإعادة
بناء أوكرانيا، تبادل الأسرى والمدنيين والأطفال النازحين، إجراء انتخابات
أوكرانية في غضون مئة يوم من الاتفاق، إطلاق حوار أمني بين روسيا والناتو، إحياء
التعاون الأميركي الروسي في مجال الحد من الأسلحة النووية.
قال الرئيس بوتين مؤخراً إن روسيا
تؤكد استعدادها لتزويد الأسواق الأميركية والعالمية بالنفط والمنتجات البترولية.
(رويترز 2026). أيضاً يقول بوتين إن دخول النفط الروسي إلى الأسواق الأميركية
سيكون له آثار إيجابية على الاقتصاد العالمي.
ومن جهته أفاد ترمب بانه يريد أن
تكون أموال أميركا مؤمنة لأنهم -وبحسبه- ينفقون مئات المليارات من الدولارات. وحول
مصير أوكرانيا قال: قد يتوصل الأوكرانيون إلى اتفاق مع الروس أو قد لا يتوصلون. قد
يصبحون روسيين يوماً ما أو قد لا يصبحون.
أما بالنسبة لأوروبا، التي تعيش
أسوأ كوابيسها الآن، فهي لاتزال الخاسر الأكبر -كما أسلفنا آنفاً- من هذا الاتفاق
المحتمل وقد تُجبر على العودة مرة أخرى إلى الغاز الروسي ورفع العقوبات عن موسكو.
وهكذا، يبدو أن واشنطن وموسكو
تتجهان نحو مقايضة كبرى، تحصل فيها روسيا على مكاسب جغرافية وأمنية واقتصادية،
بينما تضمن أميركا مصالحها في الطاقة والمعادن وإعادة الإعمار، وتجد أوكرانيا
نفسها أمام سلام قد يقتطع من أرضها وسيادتها، وأوروبا أمام تسوية قد تعيد رسم
أمنها دون أن تكون شريكة في صياغتها. وهنا تكمن المفارقة: فالحرب التي خاضتها
أوكرانيا دفاعاً عن أرضها، وموّلت أوروبا جانباً كبيراً من مقاومتها، قد تنتهي
بتفاهمات تحددها مصالح واشنطن وموسكو. وإذا اكتملت هذه الصفقة، فستكون الزفة أميركية
روسية، والمهر أوكرانياً، والفاتورة أوروبية، أما العروس الحقيقية، فهي المصالح
التي لا تعرف الوفاء للحلفاء.
.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)

.jpg&w=3840&q=75)