في وقت توقف فيه برلمان كوردستان
عن العمل لمدة عامين وسط ذروة الأزمات، وفرت "رووداو" أرضية لحوار بناء
بين مسؤول رفيع في الحكومة وقيادي بارز في المعارضة. هذه الخطوة يجب أن تتحول إلى
تقليد راسخ في الحكم والسياسة في كوردستان؛ فعندما يجلس طرفان مختلفان معاً بمنتهى
الاحترام، ويجيبان على الأسئلة الحساسة ويناقشان الحلول بصراحة أمام أعين الناس،
فإن ذلك يمثل الأسلوب الصحيح للديمقراطية.
المناظرة التي جرت في الساعة 12
من ظهر يوم الخميس، 8 تشرين الأول 2026، عبر شاشة "رووداو"، بين عزيز
أحمد، نائب مدير مكتب رئيس وزراء إقليم كوردستان والمشرف على "مشروع
النور" (پڕۆژەی رووناکی)، وعلي حمه صالح، المنسق العام لتيار
"الموقف" (هەڵوێست)، والتي أدارها المذيع المقتدر "سنگر عبد
الرحمن"، كانت بمثابة "مناظرة العام" في إقليم كوردستان.
كان رد فعل المشاهدين مذهلاً
وقوياً؛ إذ تجاوز عدد المشاهدين في البث المباشر عبر فيسبوك وحده 351 ألف مشاهد،
بينما تخطت مقاطع الفيديو القصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الملايين من
المشاهدات. وبكل تأكيد، كان عدد المشاهدين عبر شاشة التلفزيون أكبر بكثير. هذه الأرقام
الملحوظة، إلى جانب المشاركة الواسعة لمواطني الإقليم في الانتخابات، دليل لا يقبل
الشك على أن شعب كوردستان يراقب بدقة الوضع السياسي في بلده، فالمواطنون لديهم
تساؤلات ويريدون معرفة المزيد عن القرارات المتخذة.
ولكن، لماذا أصبحت المناظرة ظاهرة
نادرة؟ ولماذا بدأت ثقافة الحوار الصريح في التلاشي؟.
يكمن سر نجاح هذا الحوار
والمشاركة الحماسية للضيفين في عدة نقاط. أولاً: توفير بيئة مهنية بعيدة عن أي
مزايدات سياسية، حيث تم تحديد المحاور بدقة بناءً على صلتها بعمل الضيفين. كان
الهدف الرئيسي هو تقديم المعلومات للناس، وإطلاع الحكومة على مطالب الشعب، وتوضيح
القضايا للرأي العام، وليس إجبار الضيفين على الاتفاق. تمت مناقشة مشاكل الكهرباء
بشكل كامل دون أن يطغى أي لون حزبي على الحوار، وهذه خطوة نحو العمل المؤسساتي
والابتعاد عن الحكم والحوار الحزبي الضيق.
من المهم أن نفهم أن الهدف
الرئيسي من المناظرات ليس فوز شخص ما أو فرض رأي معين، بل يجب أن تكون منصة للوصول
إلى الحقائق وطرح أفضل الحلول.
تجارب الشعوب تعلمنا دروساً هامة؛
فالطريق الصحيح داخلياً وخارجياً هو "الحوار مع الآخر". يجب أن يصبح
الحوار جزءاً لا يتجزأ من الحياة السياسية اليومية في كوردستان، فالخوف من
الانتقاد والمواجهة لا يؤدي إلا إلى زيادة المخاوف والأخطاء.
بالتأكيد، لا يمكن للمناظرة
التلفزيونية أن تحل محل البرلمان أو تعالج المشاكل الجوهرية بين المؤسسات، لكنها
على الأقل تستطيع توضيح الرؤى للناس، وتحديد نقاط الاختلاف، ومنح المواطنين فرصة
لاتخاذ قراراتهم بناءً على الأدلة والحقائق.
بصفتي خبيراً في مجال العلاقات
العامة، لدي إيمان كامل بأن التواصل لا يقتصر فقط على الدفاع عن وجهة نظر، بل هو
"فن الاستماع" للانتقادات، وشجاعة الإجابة على الأسئلة الصعبة، وسماع
الآراء المختلفة.
لقد حان الوقت ليكون المسؤولون
الحكوميون مستعدين لتوضيح قراراتهم للشعب ومناقشتها مع المعارضة. وفي المقابل، يجب
على قادة المعارضة تقديم حلول واقعية والاستعداد لتصحيح آرائهم إذا كانت خاطئة.
وعلى الطرفين التحاور بروح مهنية بعيداً عن المزايدات السياسية والشعبوية
(البوبوليزم)، بهدف بناء مؤسسات قوية.
صحيح أن مناظرة واحدة لن تحل
المشاكل المتراكمة في كوردستان، لكنها يمكن أن تصبح نموذجاً مشرقاً يستحق أن يتحول
إلى تقليد يتكرر.
وللإجابة على السؤال الرئيسي:
الفائز الأول والأخير في هذه المناظرات هو بلا شك شعب إقليم كوردستان وسياسة تعزيز
المؤسسات الوطنية.

.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
