في الاسطر التالية نحاول الإجابة عن الأسئلة التالية التي تشكل مفتاح فهم الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، وهي: لماذا الانسحاب الآن؟ وماذا عن الدعم الأمني الأميركي للعراق؟ ولماذا القلق من الجانب الكوردي؟.
أولاً: عن توقيت الانسحاب المتعلق بثلاثة أمور:
• اتفاق سابق يعود الى عام 2024 بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الحكومة العراقية السابق محمد شياع السوداني على أن ينتهي الوجود القتالي الأميركي في العراق في سنة 2026، وهي القوات التي جاءت من الأساس لمحاربة الإرهاب أثناء انتشار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، عودة الاميركيين الى العراق بعد المغادرة في 2011 كانت بطلب رسمي ويحكمها ذات الطلب والجهة المطالبة، الجهة التي طالبت تدعي الآن انتفاء الحاجة لوجودهم لكن من دون الإستغناء الكامل عن المساعدة العسكرية والأمنية الأميركية.
• آثار الحرب الإيرانية على القدرات العسكرية الأميركية ونضوب الذخائر، هذه حقيقة لا يتردد المراقبون الاميركيون والقادة العسكريون من إقرارها لحدّ حدوث سجالات داخل الإدارة ووزارة الحرب، هذه المشكلة والخسائر التي تكبدتها القواعد العسكرية في المنطقة كانت وراء التركيز على جمع القوات في قاعدة رئيسية في الأردن، وسحب الدفاعات الجوية من العراق وإقليم كوردستان الى تلك القاعدة لحماية الجنود والطائرات المستقرة فيها.
• ربما يكون السبب الأكثر الأهمية واعتباراً هو الضغط الداخلي على الحكومة العراقية، وهذا الضغط لم يكن سياسياً من الأطراف العراقية الحزبية او الشعبية وإنما من الفصائل المسلحة التي تتحرك خارج المنظومة الرسمية، هذه المجموعات تسببت بالكثير من المشاكل بين العراق والأميركيين وبينه وبين الجيران العرب، وبشكل مستمر بين الحكومة الإتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان، انضمت دون تردد أو اختباء الى الحرب الدائرة دفاعاً عن ايران، ونفذت حسب المصادر الأميركية حوالي 600 ضربة على المصالح الأميركية خلال هذه الحرب، وتعرض إقليم كوردستان الى 1000 مسيرة وصاروخ خلال تلك الفترة، حسب تصريح مسؤول أمني أميركي لصحيفة واشنطن بوست في 29-أيلول-2026 "فإن مجموعة تقول إنها منشقة عن عصائب اهل الحق واستولت على نصف ترسانتها العسكرية شاركت في الهجوم على البنية التحتية للطاقة في المملكة العربية السعودية"، فسلوكيات هذه الفصائل كانت وراء تنفيذ ضربات جوية من الدول العربية والأميركيين وحتى الجانب الاسرائيلي -دولة الاحتلال-، هي صنفت تحت عنوان المقاومة ضد الاحتلال، الحكومة العراقية لم تكن قادرة ولم تكن تريد بجدية مواجهة هذه الحالة، ومن أجل التخلص من هذا الصداع يساعد الانسحاب العسكري الأميركي في العمل الجاد لنزع سلاحهم أو ذوبان العناصر المسلحة في المؤسسة الرسمية العسكرية، وهذا كان المقصود من تزامن الموعدين، تاريخ انسحاب الاميركيين وتاريخ حصر السلاح بيد الدولة، لكن المجموعات المسلحة تحدت قرار الحكومة وتجاهلته الى حد كبير، فاضطر رئيس الحكومة علي فالح الزيدي الى تمديد المهلة تسعة أشهر أخرى الى نهاية منتصف 2027.
لكن هل مغادرة القوات الاميركية العراق يعالج هذا الملف الخطير بصورة مباشرة؟ الجواب لا، لابد من الحصول على المكاسب، وترتيب وضعهم كما هم يقبلون أو يصلون الى اتفاق وتفاهم عنه مع الدولة، أول المكاسب هو موافقة مجلس الوزراء في 29-9-2026 أي قبل ساعات من الإعلان عن عودة السيادة الوطنية كما تسميها الدولة والمسلحون على تحويل قانون الحشد الشعبي الذي يواجه معارضة أميركية، وكانت هي المعرقل لإقراره في مجلس النواب العام الماضي.
يقول مارك كانسيان كبير مستشاري مركز أبحاث الدراسات الدولية والإستراتيجية: "الميليشيات المسلحة العراقية وجدت لأن إيران تريد لها الوجود تستعملها كرافعة في مواجهة الحكومة العراقية وأميركا، وبعد الانسحاب الأميركي يبقى الأمر كما كان" أي أنهم سيبقون.
ثانياً: السؤال الذي يدور في فكر المتابعين وحتى المعنيين، هو ماذا عن الدعم الأميركي للعراق؟ أو هل هم جادون في الانسحاب الكامل؟ الشق الأول من السؤال قادم ممن يرون أو يتوقعون انه وفي حال ظهور حركات ارهابية جديدة ونسخة متطورة من داعش، ان القدرة العسكرية الوطنية لا تكفي في الحرب، والشق الثاني يأتي من المتشككين، الأميركيون قالوا إنهم يبقون على بعض من أفراد المشاة البحرية لحماية السفارة في بغداد والقنصلية في أربيل، والفنيين المقاولين لصيانة مقاتلات F16، بالإضافة الى قدرات استخبارية والمراقبة كما نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤول أميركي في 29-9 -2026 أنهم يبقون في القاعدة الرئيسة في الأردن وفي حال خروج شيء عن السيطرة فانهم جاهزون لتقديم المساعدة، اذن لا مغادرة كلية، ولا ترك للعراق يواجه المجهول، وفيما يخص المسلحين القريبين من ايران او الذين يتحركون بناء على قناعات خاصة بعدت او قربت من العقيدة العسكرية للدولة فهي المكلفة بالتعامل معهم، ومعالجة الخطر الذي قد يشكلونه نتيجة اصطفاهم الإقليمي، او التهديدات التي يوجهونها الى الداخل. تحكم العلاقة المستقبلية بين واشنطن وبغداد اتفاق الإطار الاستراتيجي وجزء منها أمني، كما ان القوة الاقتصادية والسيطرة التي يملكها على الحركة الاقتصادية العالمية تعطيها المساحة اللازمة للحركة وإيذاء من تريد ايذائه، ويكفي قطع الدولار عن العراق لإجباره على التقيد أو عدم التمرد على السياسة الأميركية.
ثالثاً: - الجهة الوحيدة التي أعلنت عن تحفظها وقلقها من خروج الأميركيين هي الطرف الكوردي، لكن لماذا؟ ما هي القضايا الخاصة التي لا يشاركهم فيها العراقيون الآخرون؟
• السبب الأول هو الخوف من ظهور نسخة جديدة من الحركة المتطرفة التي بدأت في العراق من سنة 2003 وانتهت بطبعة داعش، او الخوف من تكرار تجربة 2014 بعد مغادرة القوات الاميركية العراق في 2011، وكثير من التصريحات تربط بين الأمرين ما يستدعي سؤال التزامن والتلازم بين غياب الأميركيين وحضور داعش في العراق، وما يجعل هذا التخوف والتصريح به الى هذا الحدّ من الوضوح هو غياب اليقين بقدرة القوات الأمنية العراقية على التصدي في حال تجدد نشاطات الإرهاب المنظم.
• التجربة الكوردية مع الفصائل المسلحة التي لم تكن تلتزم بأوامر القيادة العامة للقوات المسلحة، وكانت تصفق على النغمة الإقليميّة، هذه الفصائل كانت تقصف إقليم كوردستان لسببين، الخلافات السياسية أو وجهات النظر تجاه قضايا داخلية او خارجية بين الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد، والثاني، استهداف مطار أربيل الدولي بحجة تمركز القوات الاميركية، هم قالوا إن خروج الأميركيين يمنعنا من استهداف أراضي الإقليم الكوردي، لكن الآن هناك قضية أخرى يلقى عليها الضوء في مؤسساتهم الإعلامية وهي وجود المعارضة الكوردية الإيرانية في كوردستان وضرورة القضاء عليها.



