رووداو ديجيتال
أكثر ما يستحق النقاش في الانسحاب الأميركي من
العراق هو ما سيحدث في اليوم التالي: من يرصد الطائرة المسيّرة قبل وصولها؟ ومن
يملك قرار اعتراضها؟ ومن يتحمل المسؤولية إن أصابت منزلاً أو منشأة حيوية في إقليم
كوردستان؟ هذه أسئلة عملية ينبغي أن تتقدم على الاحتفاء بالانسحاب أو التخويف منه.
في 30 أيلول 2026، أعلن الجيش الأميركي إكمال انسحاب
قواته من العراق، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، ضمن الانتقال من مهمة التحالف
إلى علاقة أمنية ثنائية.
بالنسبة إلى كوردستان، يفتح هذا التطور نقاشاً
بشأن القدرات التي ستبقى متاحة لحمايتها، وطبيعة الالتزامات التي ستربط أربيل
وبغداد وواشنطن بعد انتهاء المهمة.
وقد أوضح قاسم الأعرجي، في حديث لشبكة رووداو
الإعلامية، في السادس من أيلول، أن "الانسحاب سيشمل منظومات الدفاع الجوي
الأميركية الموجودة في إقليم كوردستان، وأن التفاهم على آلية وضع السلاح تحت سيطرة
الدولة سيأتي بعد مغادرة التحالف".
هذا الترتيب يثير قلقاً مفهوماً؛ فمغادرة
القدرات الدفاعية لها موعد محدد، أما ضبط السلاح فيرتبط بمفاوضات لم تُعلن نتائجها
النهائية بعد.
من حق الحكومة الاتحادية أن تسعى إلى إدارة أمن
البلاد بقدرات عراقية، ومن حق مواطني إقليم كوردستان أن يعرفوا كيف ستُحمى مدنهم
خلال هذا الانتقال. فالمطالبة بضمانات أمنية لا تنتقص من سيادة العراق، بل إنها
مطالبة للحكومة بأن تؤدي مسؤوليتها تجاه جزء من البلاد، ويصعب إقناع الناس بجدوى
أي ترتيب جديد إذا بقيت تفاصيل حمايتهم مؤجلة.
بغداد تقول إنها مستعدة، وفي مقابلة مع رووداو
في 28 أيلول، أكّد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، "جاهزية
القوات العراقية"، وتحدث عن "وصول منظومات دفاع جوي ورادارات وأنظمة
لمواجهة الصواريخ والمسيّرات".
كما قال إن الألوية المشتركة "عالجت
الفجوات الأمنية بين القوات الاتحادية وقوات إقليم كوردستان". هذه تطمينات
تستحق أن تُترجم إلى ترتيبات يمكن متابعتها: فمتى تدخل المنظومات الخدمة، وما
المناطق التي تغطيها، وكيف تُنسَّق الاستجابة بين بغداد وأربيل؟
لا يعني ذلك أن الوجود الأميركي كان ضماناً
كاملاً لأمن إقليم كوردستان، أو أن رحيله سيقود حتماً إلى انهيار أمني، وقد يسهم
الانسحاب في تقليل جانب من التوتر المرتبط باستهداف القوات الأجنبية، لكن هذا
الاحتمال يحتاج إلى اختبار على الأرض. فإذا كانت مغادرة تلك القوات تزيل، كما تقول
بعض الفصائل، مبرر حمل السلاح واستخدامه خارج مؤسسات الدولة، فينبغي أن تظهر
النتيجة في وقف الهجمات وقبول المساءلة عن أي اعتداء لاحق.
وهناك فرق بين مواجهة خلية إرهابية وحماية
مدينة من مسيّرة. الخبرة الميدانية التي اكتسبتها القوات العراقية والبيشمركة
مهمة، لكنها لا تعوّض وحدها الرصد الجوي والإنذار المبكر والاعتراض. ولهذا يجب أن
تكون حماية المطارات والمنشآت الحيوية والمناطق السكنية جزءاً واضحاً من التفاهم
الأمني بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان. أي خلاف سياسي أو مالي بين الطرفين
ينبغي أن يبقى خارج هذه المسؤولية.
وفي ملف داعش، سيكون المطلوب الحفاظ على
التنسيق اليومي وتبادل المعلومات وسرعة التحرك. وتأكيد بغداد معالجة الفجوات
السابقة خبرٌ إيجابي، لكنه يحتاج إلى متابعة مستمرة. فنجاح الانتشار المشترك يُقاس
بقدرته على منع عودة الثغرات، وباستمرار التعاون حين تتوتر العلاقة السياسية، لا
حين تكون الاتصالات بين المسؤولين جيدة فقط.
أما داخل إقليم كوردستان، فقد جاء الإعلان
الرسمي عن توحيد قوات البيشمركة في 21 أيلول 2026 في توقيت بالغ الأهمية. وكان
موقف رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني واضحاً في تحديد معنى هذه الخطوة: قوة وطنية
تحت قيادة واحدة، بعيدة عن التدخلات والخلافات الحزبية، تتولى حماية جميع مكونات
كوردستان.
كما شدّد على أن "التوحيد بداية لمرحلة
جديدة"، ينبغي أن تنعكس في القرار العسكري والتدريب والانضباط والحقوق
والواجبات، مؤكداً "أهمية التنسيق مع الجيش العراقي ووفاء بغداد بالتزاماتها
تجاه البيشمركة".
وفي تقديري، تكمن أهمية هذا الموقف في وضع
المسؤولية أمام القوى السياسية نفسها؛ فنجاح التوحيد يتطلب أن تحترم الأحزاب
استقلال القرار العسكري، وأن تمنح المؤسسة القدرة على أداء واجبها بعيداً عن
حسابات التنافس. ويتكامل ذلك مع تأكيد رئيس الحكومة مسرور بارزاني أن المرحلة
المقبلة تستدعي تطوير التدريب والتسليح وتوفير منظومات الدفاع الجوي. هكذا يصبح
الإصلاح أساساً لبناء قوة قادرة على حماية إقليم كوردستان، وتصبح وحدة المؤسسة
شرطاً للاستفادة من إمكاناتها.
وستظهر قيمة هذه الخطوة في العمل اليومي من
خلال أوامر تصدر عن قيادة واحدة، ومعلومات تصل إلى الجهات المعنية بلا حواجز
حزبية، وموارد توزَّع بحسب الحاجة العسكرية، وترقيات تحكمها الكفاءة. والاختبار
الأهم هو أن تصمد هذه القواعد حين تختلف القوى السياسية؛ ففي تلك اللحظة تتضح قدرة
المؤسسة على حماية مهمتها واستقلال قرارها. وكلما ترسّخت هذه الممارسة، أصبح إقليم
كوردستان أقدر على تحديد احتياجاته والتفاوض بشأنها، وتحويل التدريب والمساعدة
الدولية إلى قدرات مستدامة.
وتبقى أمام واشنطن مسؤولية توضيح شكل العلاقة
المقبلة. يمكن للتعاون الثنائي أن يوفّر إطاراً لاستمرار التدريب والدعم الفني
وتبادل المعلومات، لكن أربيل وبغداد تحتاجان إلى التزامات محددة، وآليات تنفيذ
ومراجعة، وتوزيع واضح للمسؤوليات. ومن الضروري أن يكون دور إقليم كوردستان
واحتياجات قوات البيشمركة محدَّدين في هذه الترتيبات، حتى لا يتعطل الدعم بين
المخاطبات والتجاذبات السياسية. وفي المقابل، تقع على مؤسسات إقليم كوردستان
مسؤولية تقديم أولويات دفاعية واضحة وإدارة ما تتلقاه بكفاءة وشفافية.
أرى أن أمن إقليم كوردستان في المرحلة المقبلة
سيتوقف على ما يُنجز في هذه الملفات أكثر مما سيتوقف على البيانات المصاحبة لتحوّل
مهمة التحالف. فالمواطن الذي يسمع دوي انفجار قرب بيته سيبحث عمّن يحمي أسرته،
ويمنع تكرار الهجوم، ويكشف المسؤول عنه ويحاسبه. وعند هذه النقطة سيُقاس أثر توحيد
البيشمركة، وجدوى الشراكات الدولية، وقدرة القيادات السياسية على تحويل تعهداتها
إلى أمن يلمسه الناس.



