رووداو ديجيتال
طرحت دراسة حديثة، حملت عنوان "مقارنة بين البلدان متعددة اللغات: تأملات في الحالة السورية"، أعدتها كل من إيفا سافيلسبرغ، وبولين إرتل، وسارة غاوبيتز، وصدرت عن المركز الأوروبي للدراسات الكوردية، رؤية مفصلة لمستقبل اللغة الكوردية في سوريا. وانطلقت الدراسة من تحليل المرسوم رقم 13، الذي أصدرته الحكومة السورية المؤقتة في 16 يناير 2026، والذي يعترف بالكوردية "لغة وطنية" ويسمح بتدريسها. ورغم أن المرسوم يمثل خطوة إيجابية، إلا أن الدراسة تشير إلى أن صياغته المبهمة، التي تجعل تدريس الكوردية "نشاطاً اختيارياً" في مناطق محددة، تثير شكوكاً حول مدى ترجمة هذا الاعتراف إلى حقوق لغوية ملموسة وقابلة للتنفيذ، مما قد يجعله مجرد اعتراف رمزي. ولتقديم رؤى عملية، استعرض البحث تجارب ثماني دول متعددة اللغات، هي كندا، وسويسرا، وبلجيكا، وجنوب أفريقيا، وإسبانيا، والهند، وإيطاليا (جنوب تيرول)، والعراق (إقليم كوردستان)، لاستخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد الحالة السورية.
استعرضت الدراسة، السياق التاريخي للغة الكوردية في سوريا، بدءاً من سياسة "التعريب القسري" التي فرضها حزب البعث منذ عام 1963، والتي شملت حظر الأسماء الكوردية ومنع استخدام اللغة في الأماكن العامة. وفي المقابل، سلطت الضوء على تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي عملت منذ عام 2012 على إحياء اللغة الكوردية عبر تطوير مناهج خاصة وجعلها لغة تدريس أساسية إلى جانب العربية والسريانية. ووفقاً للإحصاءات التي أوردتها الدراسة، تلقى أكثر من 102 ألف تلميذ تعليمهم باللغة الكوردية في مدارس الإدارة الذاتية عام 2025. ومع ذلك، واجهت هذه التجربة تحديات جمة، أبرزها عدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عنها، ونقص الموارد، وضعف تأهيل بعض الكوادر التعليمية، فضلاً عن التوجه الأيديولوجي للمناهج، مما أثار قلقاً بشأن جودة التعليم وأدى إلى انخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس في بعض المناطق.
وبناءً على تحليل التجارب الدولية، خلصت الدراسة إلى أنه لا يوجد نموذج واحد يمكن استنساخه بالكامل في سوريا، لكنها اقترحت مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تشكل أساساً لنظام لغوي مستقبلي. وأوصت بضرورة التمييز بين حالتين: الأولى تتعلق بالمناطق ذات الأغلبية الكوردية، والثانية تخص الكورد المقيمين في المدن والمناطق ذات الأغلبية العربية. بالنسبة للحالة الأولى، يقدم نموذج إقليم الباسك في إسبانيا حلاً مرناً، حيث يتيح للعائلات الاختيار بين ثلاثة مسارات تعليمية: التعليم باللغة الكوردية، أو باللغة العربية، أو نموذج ثنائي اللغة. هذا الخيار يوازن بين حماية اللغة الكوردية وحق الاختيار الفردي، مع ضرورة اتخاذ تدابير إضافية لضمان عدم هيمنة لغة على أخرى، كما حدث في تجربة كتالونيا التي أثارت جدلاً قانونياً.
أما بالنسبة للكورد الذين يعيشون خارج مناطقهم التقليدية، لا سيما في دمشق وحلب، فإن النموذج الإقليمي المطبق في سويسرا أو بلجيكا لن يكون كافياً. وهنا، تبرز أهمية التجربة الكندية التي تمنح حقوقاً تعليمية فردية للأقليات اللغوية بناءً على عتبات ديموغرافية، بحيث تلتزم الدولة بتوفير التعليم بلغة الأقلية متى ما وجد عدد كافٍ من التلاميذ لتبرير ذلك. إن الجمع بين الحقوق الإقليمية في المناطق الكوردية والحقوق الفردية في باقي المناطق من شأنه أن يمنح اعتراف المرسوم بالكوردية "لغة وطنية" بعداً عملياً، ويضمن حق جميع الكورد في تعلم لغتهم الأم بغض النظر عن مكان إقامتهم، مع الأخذ في الاعتبار أهمية حماية لغات الأقليات الأخرى، مثل الآشورية والأرمنية والتركمانية، على غرار نموذج جنوب تيرول في إيطاليا.
وشددت الدراسة، على أن أي سياسة لغوية مستقبلية يجب أن تضمن إتقان جميع التلاميذ للغة العربية، باعتبارها اللغة المشتركة التي تضمن التماسك الوطني وتفتح آفاق التعليم العالي والعمل في جميع أنحاء البلاد. وفي المقابل، دعت إلى ضرورة أن يتعلم التلاميذ الناطقون بالعربية اللغة الكوردية في المناطق المختلطة لغوياً، لتعزيز التكامل بدلاً من إلقاء عبء ثنائية اللغة على الكورد وحدهم. وحذرت الدراسة من أن الاعتراف الدستوري وحده لا يكفي، كما أثبتت تجربة إقليم كوردستان العراق، حيث أدى التركيز على الكوردية إلى تراجع إتقان اللغة العربية لدى الأجيال الشابة. وختمت الدراسة بالتأكيد على أن نجاح أي نظام متعدد اللغات في سوريا يعتمد على ترجمة الالتزامات الرسمية إلى حقوق قابلة للتنفيذ، مدعومة بمؤسسات مسؤولة وموارد كافية، وآليات واضحة تتيح للأفراد المطالبة بحقوقهم اللغوية.
للاطلاع على الدراسة كاملة، أدناه:



