تكتسب الزيارات السياسية رفيعة
المستوى أهميتها من طبيعة الظروف التي تجري فيها ، ومن الملفات التي ترافقها، إذ
تتجاوز في كثير من الأحيان إطارها الرسمي لتصبح مؤشرات على توجهات ومسارات جديدة -
وهنا تأتي زيارة رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق بدعوة خاصة بوصفها
محطة سياسية تستحق القراءة، لما تحمله من دلالات مرتبطة بالمشهد السوري الراهن،
ولاسيما مستقبل العلاقة بين الكورد في روجآفا كوردستان ودمشق، باعتبارها إحدى
القضايا الأساسية في المرحلة المقبلة .
فالمنطقة تشهد تحولات متسارعة
تتطلب مقاربات هادئة ومسؤولة، تقوم على الحوار وبناء التفاهمات بدلاً من استمرار
حالة الاستقطاب، ومن هنا، فإن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمون اللقاءات
المعلنة، بل أيضاً في الرسائل السياسية التي تحملها، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه
هولير في دعم مسارات التواصل بين الأطراف المختلفة.
لا تبدو زيارة الرئيس نيجيرفان
بارزاني إلى دمشق زيارة بروتوكولية، أكثر من أن تحمل في طياتها أبعاداً سياسية
تتصل بملفات حساسة في مقدمتها كما ذكرت (مستقبل العلاقة بين الكورد في سوريا
والحكومة السورية). فهذا الملف يمثل أحد المحاور المهمة في أي تصور مستقبلي
للاستقرار في سوريا، ويحتاج إلى مقاربة تقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل
بالمصالح والحقوق، ضمن إطار الدولة السورية.
ويمتلك إقليم كوردستان، بحكم
تجربته السياسية وعلاقاته المتنوعة، موقعاً يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر بين
مختلف الأطراف. فأربيل لم تكن بعيدة عن الملفات الإقليمية المعقدة، بل شكلت في
مراحل عديدة مساحة للحوار والتواصل، مستفيدة من علاقاتها مع القوى الدولية
والإقليمية والأطراف السورية المختلفة، ومن اللافت أن عدداً من اللقاءات
والتفاهمات المرتبطة بالملف الكوردي في سوريا (بين الأطراف الكوردية) والملف
السوري أيضاً، بما فيها الاتصالات بين الجانب الأميركي وقائد قوات سوريا
الديمقراطية مظلوم عبدي، وكذلك مسارات التواصل المتعلقة بالعلاقة مع حكومة دمشق،
شهدت حضوراً أو احتضاناً سياسياً في هولير، ويعكس ذلك الدور الذي بات يؤديه إقليم
كوردستان كبيئة تساعد على فتح قنوات الحوار وتقريب المواقف بين الأطراف التي قد
يصعب جمعها في ظروف أخرى .
وفي الإطار نفسه يمكن القراءة باعتبارها
امتداداً لهذا الدور السياسي، ومحاولة لفتح نافذة جديدة أمام النقاش حول الملفات
العالقة، وفي مقدمتها كيفية الاستمرار والوصول إلى صيغة تفاهم دائمة، بما يحقق
الاستقرار ويقلل من احتمالات التصعيد. غير أن نجاح أي مسار سياسي يبقى مرتبطاً
بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من مرحلة الرسائل السياسية إلى خطوات عملية،
فالحلول المستدامة تحتاج إلى إرادة حقيقية، ورؤية واقعية تراعي تعقيدات المشهد
السوري وتوازناته الداخلية والإقليمية.
إن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن
التحولات الإقليمية قد تقود إلى استنتاجات ناقصة. فالأحداث السياسية تستمد أهميتها
من موقعها ضمن سياق أوسع، لذلك، قد لا تكون هذه الزيارة نهاية لملف، بل إحدى حلقات
تشكل ملامح مرحلة سياسية جديدة في المنطقة.



.jpg&w=3840&q=75)