منذ اندلاع الحرب بين الولايات
المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعرض سوق الطاقة وأمن إمدادات النفط
والغاز لاضطرابات هائلة. وبسبب التوترات في مضيق هرمز واستهداف ممرات الملاحة
والبنى التحتية الصناعية، اضطرت الدول المستهلكة للجوء إلى سحب غير مسبوق من
احتياطيات النفط الاستراتيجية (SPR). إلا أن الاستنزاف السريع لهذه الاحتياطيات
وضع الاقتصاد العالمي أمام خطر جسيم، وزاد من الضغوط على واشنطن وطهران للتوجه نحو
المفاوضات وتطبيع الأوضاع في مضيق هرمز.
منذ أكثر من خمسة أشهر، لا تسير
حركة السفن في مضيق هرمز بشكل طبيعي. وحين لا يصل نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي
المسال (LNG) من الدول المنتجة إلى الدول المستهلكة، فإن سلسلة توريد
الطاقة تواجه تهديداً غير مسبوق. لذا، أصبح مضيق هرمز الآن النقطة المركزية في
المفاوضات، لعدم وجود بديل لهذا الممر على المدى القصير، بينما يعاني العالم من
تبعات تعطل الملاحة فيه.
ووفقاً لبيانات صندوق النقد
الدولي وجامعة أكسفورد لمراقبة الملاحة البحرية، انخفض عدد السفن المارة عبر مضيق
هرمز في النصف الأول من العام الحالي بنسبة الثلث مقارنة بالنصف الثاني من العام
الماضي. ففي النصف الثاني من عام 2025، عبرت 8,829 ناقلة نفط وغاز و6,876 سفينة
شحن بضائع، بينما انخفضت هذه الأرقام في النصف الأول من عام 2026 إلى 2,938 ناقلة
نفط وغاز و2,841 سفينة شحن.
هذه الفجوة الكبيرة في النقل لا
يمكن سدها حتى عبر الاحتياطيات الاستراتيجية للدول؛ فإذا استمر هذا الوضع، وبالرغم
من تقليص الصين لوارداتها النفطية بنسبة 32% وطرح 290 مليون برميل من الاحتياطي
الاستراتيجي من قبل أميركا والدول المستهلكة خلال الأشهر الخمسة الماضية، لايزال
سعر برميل النفط يتم تداوله فوق مستوى 90 دولاراً، علماً أنه لولا هذا الوضع لكان
السعر دون 70 دولاراً، أي أن هناك فارقاً يتراوح بين 20 إلى 30 دولاراً لكل برميل،
في وقت يحتاج فيه العالم يومياً إلى أكثر من 102 مليون برميل.
منذ بداية الحرب، كانت هناك مخاوف
من صدمة ارتفاع أسعار النفط، والتضخم، وتراجع النمو الاقتصادي العالمي، ولكن ما
منع انفجار الأسعار بشكل غير مسبوق هو: تغيير مسارات التصدير من قبل السعودية
والإمارات والعراق، وزيادة الإنتاج من قبل البرازيل وفرنسا، وطرح الاحتياطي
الاستراتيجي الأميركي، واستخدام الصين لاحتياطياتها النفطية.
اليوم، يعاني سوق الطاقة من
سؤالين مصيريين: أولاً، إلى متى يمكن لأكبر اقتصادين في العالم الاعتماد على
الاحتياطي الاستراتيجي؟ وثانياً، ما هي تداعيات استمرار الحرب أو التوصل إلى اتفاق
على مستوى احتياطيات الدول؟.
انهيار الاحتياطي الأميركي وتكتيك
الصين في هذه الحرب
إن الاستقرار النسبي الذي نراه في
أسعار النفط لا يعود إلى تطبيع الإنتاج أو سلامة سلاسل التوريد أو التحول نحو الطاقة
النظيفة، بل يرتبط مباشرة بطرح الاحتياطي الأميركي وتقليل الطلب الصيني على
الاستيراد.
يأتي هذا في وقت تحذر فيه ثلاث
مؤسسات كبرى (صندوق النقد الدولي، مجموعة البنك الدولي، ووكالة الطاقة الدولية) من
أن الاستمرار في استنزاف الاحتياطيات سيؤدي إلى زيادة احتمالات التضخم العالمي،
وارتفاع تكاليف النقل، ونقص الأسمدة الكيماوية، مما يؤثر مباشرة على أسعار الغذاء
ويزيد من غلائها.
وفقاً لبيانات إدارة معلومات
الطاقة الأميركية (EIA)، فإن مخزون الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي (SPR) في تراجع مستمر؛ ففي 24 تموز 2026، انخفض إجمالي النفط
المخزن إلى 307 ملايين برميل، وهو أدنى مستوى له منذ أربعة عقود. وبلغ حجم التراجع
في الاحتياطي الأميركي خلال هذه الحرب (من آذار إلى تموز) 107 ملايين برميل؛ أي
بمعدل انخفاض قدره 5.4 مليون برميل أسبوعياً و21.5 مليون برميل شهرياً إذا استمر
وضع مضيق هرمز الحالي.
تستهلك أميركا، بصفتها أكبر منتج
ومستهلك للنفط عالمياً، 19.4 مليون برميل يومياً (18.8% من الاستهلاك العالمي)،
وتنتج 21.1 مليون برميل يومياً (20.9% من الإنتاج العالمي). ومع ذلك، فإن طاقتها
التخزينية القصوى تبلغ 700 مليون برميل، وهي حالياً دون النصف وفي أدنى مستوياتها.
من جهة أخرى، يكمن أحد أسرار هذه
الحرب في تراجع الطلب الصيني على النفط المستورد، حيث خفضت الصين وارداتها بمقدار
4.6 إلى 5 ملايين برميل يومياً دون توقف صناعاتها. يقول دانيال ييرغين، خبير
الطاقة: "الصين تشتري النفط الرخيص وتخزنه، وتستخدمه عندما يرتفع السعر كما
نرى الآن". لكن خبراء يتوقعون أنه في حال استمرار أزمة هرمز، ستعود الصين
للشراء مجدداً، مما قد يؤدي لقفزة في الأسعار.
قبل الحرب، كان إجمالي المخزون
النفطي الصيني يقترب من 1.4 مليار برميل (أكثر من نصف المخزون العالمي)، لكن
المخزون العالمي الإجمالي انخفض خلال هذه الحرب من 2.4 مليار برميل إلى 1.4 مليار
برميل. واستمرار هذا الوضع حتى نهاية العام قد يستنزف المخزون العالمي تماماً ويضع
السوق أمام صدمة غير مسبوقة.
قدرة الدول على الصمود وقوة تحمل
الأسواق
يشير فاتح بيرول، رئيس وكالة
الطاقة الدولية، إلى أنه "إذا لم يتحسن الوضع في الأسابيع المقبلة، فإن أمن
الطاقة سيدخل في مرحلة خطر شديد". فاستخدام المخزون حل مؤقت ولا يمكنه تعويض
الانقطاع طويل الأمد في سلاسل التوريد.
بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) وإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، فإن قدرة الدول على الصمود دون استيراد في
عام 2026 كانت كالتالي: اليابان (230 يوماً)، كوريا الجنوبية (110 أيام)، الصين (أكثر
من 100 يوم)، ألمانيا (91 يوماً)، أميركا (84 يوماً)، دول الاتحاد الأوروبي (70-90
يوماً)، بريطانيا (47 يوماً)، والهند (10 أيام). وهذه الأرقام تتناقص يومياً بسبب
أزمة مضيق هرمز.
في الواقع، انخفضت كمية النفط
المارة عبر مضيق هرمز في النصف الأول من عام 2026 (الذي شهد أربعة أشهر من الحرب
والهدنة والتفاهمات) إلى النصف تقريباً مقارنة بالربع الأخير من عام 2025. فوفق
بيانات (EIA)، كانت الكمية 20.5 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025،
لتنخفض إلى 10.1 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2026، أي بنقص قدره 10.4
مليون برميل يومياً.
وحتى لو استقرت الأوضاع وتم
التوصل لتفاهمات، فإن هناك حاجة لإعادة ملء 1.2 مليار برميل من النفط المستهلك،
مما سيخلق طلباً قياسياً في وقت انخفض فيه العرض بسبب استهداف البنى التحتية ونقص
الاستثمارات. هذه المعادلة ستجعل تبعات إغلاق مضيق هرمز تظهر بشكل أكبر وتجعل
الأسعار مرتفعة لفترة أطول مما هو متوقع.
الخلاصة
تتجه الأنظار الآن نحو الاتفاق
على آلية حركة السفن في مضيق هرمز. إن فشل تفاهمات جنيف في مطلع تموز الماضي يعود
إلى الخلاف بين طهران وواشنطن حول البند المتعلق بالمضيق. لذا، فإن تطبيع الملاحة
هناك سينقل المفاوضات إلى مرحلة جديدة، فالجميع، من الدول المصدرة إلى المستهلكة،
يعانون من عدم اليقين هذا.
إن استهلاك 290 مليون برميل من
احتياطيات دول وكالة الطاقة الدولية، وهبوط الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي (SPR) إلى ما دون 308 ملايين برميل، مع استخدام الصين لنحو 700
مليون برميل من احتياطياتها، يؤكد أن الاعتماد على الاحتياطيات هو مسكن مؤقت وليس
حلاً مستداماً.
في الختام، ستشكل عملية إعادة ملء
هذه المخازن ضغطاً كبيراً آخر على الأسعار. السيناريو الأقرب في هذه المرحلة هو
التوصل إلى اتفاق "حل وسط" لوقف الحرب وفتح مضيق هرمز؛ لأن رفض هذه
الخطوة سيقود الاقتصاد العالمي نحو أزمة نادرة ويدفع بمستويات الاحتياطي إلى ما
دون الخط الأحمر.
.jpg&w=3840&q=75)


