الحروب لا تبدأ دائماً بإعلان
رسمي بل تبدأ بخطوة صغيرة ثم تكبر يوماً بعد يوم حتى يجد الجميع أنفسهم داخلها،
وما يحدث اليوم في المنطقة يثبت أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد مجرد
مواجهة بين دولتين، بل أصبحت تتوسع وتدخل فيها أطراف جديدة، وهذا ما يزيد القلق
على مستقبل الشرق الأوسط كله، الضربات العسكرية المشتركة التي نفذتها الولايات
المتحدة والسعودية داخل الأراضي العراقية تمثل تطوراً خطيراً سواء كانت أهدافها
فصائل مسلحة موالية لإيران أو مواقع عسكرية، فإن النتيجة واحدة وهي أن العراق أصبح
مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وهنا يجب أن نتوقف عند سؤال مهم:
هل هذه هي الحرب التي يريدها العراقيون؟ بكل تأكيد لا، العراق خرج من سنوات طويلة
من الحروب والإرهاب والدمار مازالت مدن كثيرة تعاني آثار المعارك ومازال الاقتصاد
يحاول الوقوف من جديد، ومازال المواطن يبحث عن وظيفة وسكن وخدمات وراتب مستقر، وآخر
ما يحتاجه العراقي اليوم هو حرب جديدة لا ناقة له فيها ولا جمل، لهذا فإن
المسؤولية اليوم تقع قبل أي شخص آخر على رئيس الوزراء علي الزيدي، ربما يكون هذا
أصعب قرار في حياته السياسية لأن أي خطوة يتخذها ستحدد مستقبل العراق في الأشهر
وربما في السنوات القادمة، إذا سمح بأن يبقى العراق ساحة تتحرك فيها الجماعات
المسلحة بعيداً عن قرار الدولة فإن البلاد ستبقى معرضة لضربات جديدة لأن أي دولة
تشعر أن أمنها مهدد سترد على مصادر التهديد أينما كانت، أما إذا استطاع أن يفرض
سلطة الدولة وأن يجعل قرار الحرب والسلم بيد الحكومة وحدها فقد يمنح العراق فرصة
حقيقية للابتعاد عن هذا الصراع.
الدولة القوية لا تقاس بعدد
البيانات التي تصدرها بل بقدرتها على حماية أرضها وسيادتها ومنع الأخرين من
استخدام أراضيها في صراعاتهم، المشكلة أن العراق يعيش منذ سنوات وسط معادلة صعبة
فهو يرتبط بعلاقات مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تربطه حدود طويلة وعلاقات
مع إيران، كما توجد داخل البلاد فصائل مسلحة لها مواقف تختلف عن موقف الحكومة، وهذه
المعادلة جعلت العراق يقف دائماً في منتصف العاصفة، لكن الوقوف في المنتصف لا يعني
البقاء أمنا إلى الأبد.
فعندما تتوسع الحروب تصبح
المسافات أقصر وتصبح الأخطاء أكثر خطورة وقد تكفي ضربة واحدة أو رد فعل واحد
لإشعال مواجهة لا يستطيع أحد السيطرة عليها، والأخطر من ذلك أن الاقتصاد سيكون أول
الضحايا.
أي حرب جديدة ستدفع المستثمرين
إلى الهروب وستؤثر على أسعار النفط وعلى حركة التجارة وستزيد من خوف المواطنين وقد
تؤخر مشاريع الإعمار سنوات أخرى.
العراق دفع ثمناً باهظاً خلال
العقود الماضية ملايين العراقيين عاشوا الخوف وخسروا أحباءهم وانتظروا سنوات حتى
يعود شيء من الاستقرار، لذلك لا يجوز أن يعود البلد إلى نقطة الصفر بسبب صراع لا
يخدم مصلحة العراقيين وليس المطلوب من الحكومة أن تدخل الحرب، وليس المطلوب أيضاً
أن تنحاز إلى هذا الطرف أو ذاك، المطلوب هو موقف واضح يقول إن العراق ليس ساحة
حرب، وإن سيادة الدولة فوق الجميع، وإن أي سلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة وحدها،
هذا الموقف قد يكون صعبا لكنه أقل كلفة من أن يتحول العراق إلى ميدان مفتوح
للصواريخ والطائرات.
اليوم ينظر العراقيون إلى حكومتهم
بانتظار قرار شجاع، قرار يحمي الوطن قبل السياسة، ويحمي المواطن قبل المصالح،
ويحمي مستقبل الأجيال قبل حسابات اللحظة، التاريخ لا يتذكر من رفع الشعارات بل
يتذكر من أنقذ وطنه عندما كان على حافة الهاوية واليوم يقف علي الزيدي أمام هذا
الامتحان.
فإما أن يثبت أن العراق دولة تملك
قرارها وإما أن يبقى البلد يدفع ثمن صراعات الآخرين كما دفعه مرات كثيرة في
الماضي، العراق يستحق أن يكون جسرا للسلام، لا ساحة للحروب والشعب العراقي يستحق
أن يعيش أخيراً سنوات من الأمن والبناء، لا أن يستيقظ كل صباح على خبر انفجار جديد
أو ضربة جديدة أو حرب جديدة.
لقد تعب العراقيون من الحروب،
وحان الوقت لأن يكون القرار العراقي للعراق وحده.


