صغيراً، عرفت زيارة الأربعين، ولعلّ أول ما بقي منها في ذاكرتي ذلك الطريق الترابي الوعر المؤدي الى طرق المشّاية الموازي لهور ابن نجم الذي كنا نسلكه مع والدي وأعمامي في سيارة البرازيلي وخيرُ ما يتبرد به فيها ذلك المثلث الزجاجي المتحرك الذي يُدخل الهواء المحمل بالغبار في جوٍّ لاهب، نحمل ما تيّسر من الطعام ونتجنب العيون، ونسير في مسالك وعرة حتى نصل إلى مشّاية الأربعين.
كانت الزيارة يومها ممنوعة وكان الطريق إليها يحمل من الخوف بقدر ما يحمل من الشوق لخدمة الزوار.
وفي البيت كانت الحكايات تبدأ دائماً من زمنٍ أسبق، يتحدثون عن جدّي الحاج مهدي آل لفتة الشمخي مع لقب "خادم الحسين" وكيف أسس موكب الصليچية، وعن إخوته وأبنائه ومن التف حولهم في خدمة الزائرين، وعن القارئ السيد جاسم العرداوي ، ابن ناحية الصليچية الذي غلب عليه فيما بعد لقب الطويرجاوي، كانت تلك الأسماء تعود كل عام ويعود معها شيء من الحسرة على أيام انقطعت وكأنّ الطريق ظل حاضراً في الذاكرة حتى عندما غاب عن الأرض.
ثم جاء عام 2003، فعادت الطرق تمتلئ بالمشّاية وعادت المواكب وعاد الناس إلى ما كانوا يروونه لأبنائهم، غير أن الذي عاد ذاكرة كاملة استعادت مكانها، وأخذت تكبر عاماً بعد آخر حتى أصبحت واحدة من أكبر الظواهر الاجتماعية التي يشهدها العراق وربما العالم.
وأظنُّ أن كثيرين ينظرون إلى الأربعين باعتبارها مناسبة دينية فحسب، بينما يكشف التأمل فيها أنها أصبحت شيئاً أكبر من ذلك داخل العراق، فهي لا تغيّر معنى الزيارة ولا تضيف إلى أصلها العقائدي، لكنها تكشف شيئاً عميقاً عن المجتمع الذي احتضنها حتى غدت جزءاً من صورته وهو يعرّف نفسه أمام العالم.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا اتخذت الأربعين هذا الاتساع في العراق تحديداً؟
الإجابة تبدأ من تاريخ طويل لهذه الأرض، فبلاد الرافدين عرفت منذ أقدم حضاراتها علاقة خاصة بالذاكرة والمكان، والاجتماع حول الراحلين، وبالطعام الذي يجمع الناس والمراثي التي تحفظ الأثر، فرغم إنّ الأصل العقائدي للزيارة معروف وواضح، لكنها صنعت في بيئة تعرف كيف تحتضن الذاكرة وكيف تحولها إلى ممارسة اجتماعية متجددة، فبداية المشّي تُظهِر صورة أخرى للعراق .
بيوت تفتح أبوابها لمن لا تعرفه وقرى تتحول إلى محطات استراحة وعائلات تقضي أيامها في إعداد الطعام وشباب يبحثون عن خدمة يستطيعون تقديمها، وحتى الأطفال يتعلمون منذ سنواتهم الأولى أن العطاء جزء من الطريق.
كل ذلك يحدث دون أن ينتظر أحد مقابلاً وكأن الخدمة نفسها أصبحت لغة يتحدث بها الجميع.
ولعلَّ أجمل ما في هذه الصورة أنها لا تفرق بين القادمين، من أين جاؤا، ولا إلى أي مدينة ينتمون، ولا ماذا يحملون من رأي أو انتماء.
الطريق يتسع للجميع، والكرم يتوزع على الجميع والجهد يمتد للجميع. وهنا تبدأ الوطنية بصورتها الأعمق؛ عندما يتحول الانتماء إلى فعل يومي وإن كان بمبدأ عقائدي، لكننا نجد التنوع العراقي بأطيافه العرقية والدينية والمذهبية ونرى فيه تكاتفاً ومشاركة بمحبة، لهذا أجد أن الأربعين أصبحت من معززات الهوية الوطنية العراقية، يمثلها شعب احتضنته أرضها بمن تفتخر بوجوده بعلياءها ، لتظهر جانباً من الشخصية العراقية ظل يبحث عن فرصة ليعلن نفسه.
شخصية تعرف كيف تتكاتف وكيف تنظم نفسها وكيف تمنح قبل أن تطلب وكيف تجعل من الضيف مسؤولية أخلاقية، ومن الطريق بيتاً مؤقتاً للجميع.
وربما لهذا السبب أيضاً أصبحت الأربعين واحدة من أهم صور العراق في العالم.
ملايين البشر لا يرون فيها حدثاً دينياً فحسب، وإنما يشاهدون مجتمعاً يتحرك بإرادته، وينظم نفسه بنفسه، ويقدم نموذجاً يصعب العثور على ما يشبهه في أماكن كثيرة.
وأحسب أن الدولة التفتت إلى القيمة الثقافية فكان إن سعت مع عتباتها الى تسجيلها كتراثٍ عالمي غير مادي، بينما يبقى المعنى الكبير بحاجة إلى من يقرأه، ويوثقه، ويقدمه كجزءٍ من القوة الناعمة للعراق، ومن صورته الحضارية ومن هويته الوطنية.
فالهوية المعّززة تتكون أيضاً من المشاهد التي تتكرر حتى تصبح جزءاً من وعي الناس، والأربعين واحدة من تلك المشاهد التي أعادت رسم العلاقة بين العراقي وأرضه، وبين العراقي وأخيه، وبين العراق وصورته أمام الآخرين.
اليوم لم تعد تلك الطرق خفية، ولم تعد الحكاية تُروى همساً، صار الطريق يمتد أمام العالم كله وبقي المعنى هو نفسه " ذاكرة لا تنقطع وخدمة لا تتعب ووطن يجد في كربلاء فرصة ليكشف أجمل ما فيه".
هناك… في الأربعين، يتجلّى العراق.



