سأفترض أن إحدى شركات الإنتاج السينمائي الهوليودية، استأنست بفكرة إنتاج فيلم "أكشن هوليوودي"، بحسب وصف النائبة سميعة الغلاب، وبأسلوب "الخيال العلمي" مثل تعبير حيدر الملا، عن حملة محاربة الفساد في العراق وبالغت في سيناريو هذا الفيلم بأحداثه خاصة في الكشف عن الأموال وطرق ومواقع إخفائها، فإنها، الشركة السينمائية، ستفشل في تجسيد وقائع الفيلم لأن المشاهدين سيعتبرونها مبالغاً بها للغاية، وتفوق الخيال، ذلك أن أكبر عمليات السرقات الواقعية في التاريخ لم تستطع أن تقترب من أحداث حملة الكشف عن الفساد في العراق.
أنا شخصياً لا أستغرب الدفاع المستميت للنائب السابق حيدر الملا عن رئيس كتلته (العزم) مثنى السامرائي، عندما أكد وأقسم بأغلظ الأيمان، في لقاء تلفزيوني بأنهم لم يجدوا في بيت السامرائي خلال التفتيش "فلساً واحداً"، نافياً كل هذه الحقائق بما فيها ما عرضته وسائل الإعلام الرسمية ووصفها بأنها ضرب من (الخيال العلمي). كما أني لا أستغرب من غضب النائبة سميعة الغلاب، عندما وصفت مشاهد المداهمات في عملية (الفجر) بأنها أشبه بـ"فيلم أكشن هوليوودي"، معتبرةً أن طريقة التنفيذ أساءت إلى مجلس النواب.
ومنذ عملية (الفجر) التي قادها رئيس الوزراء علي الزيدي مدعوماً بقوة القضاء للقبض على بعض المتورطين بسرقة أموال العراق وحتى اليوم خرج علينا نواب وقادة أحزاب وأعضاء في كيانات سياسية يتباكون ويذرفون الدموع مدافعين عن السادة البرلمانيين معتبرين أن ما حدث إهانة للمؤسسة التشريعية وأن دخول الدبابات والجيش والقوى الأمنية في عملية القبض على السراق مخالف للقانون ذلك لأن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، بحسب تصريح للسيد عمار الحكيم، منتقداً تحريك الدبابات والمدرعات لاقتياد النواب المتهمين بالفساد، واصفاً هذا الإجراء بأنه مبالغ فيه ولا يتناسب مع طبيعة المتهمين، الذين سرقوا أموال الشعب. ولي أن أذكر السادة النواب بمشاهد الفيديو التي عرضت تظاهرات حزب القطاع اليميني الأوكراني عام 2014، والتي عرفت "بحملة "التطهير بالقمامة" عندما رموا النواب الفاسدين في حاويات الزبالة بدلاً من استخدام الدبابات في محاصرة أوكار الفاسدين ببغداد.
لكني وكمواطن عراقي من حقي أن أتساءل، على مدى أكثر من 23 سنة لم يحزن هؤلاء النواب وقادة أحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنية وغالبية من رجال الدين، وهم يشاركون بسرقة أموال البلد وتردي الخدمات ومواجهة مطالبة الخريجين بالتعيين بهراوات رجال الأمن، وبخراب الخدمات التعليمية والصحية وغياب الطاقة الكهربائية في ظل درجات حرارة تقارب درجة الغليان.. لم يتباكَ الملا والغلاب والحكيم وغيرهم على رجل أو امرأة مسنة تبحث عن لقمتها في (الزبالة)، ولم يتحرك فيهم أي وازع أخلاقي أو إنساني أو ديني وهم يشاهدون التلاميذ يجلسون تحت سقوف مدارس متهالكة، ويمرون بسياراتهم الفخمة قرب رجل أو امرأة مسنة تبحث عن طعامها في (الزبالة).. والأغرب من كل هذا يخرجون علينا من فوق منابرهم ليحدثونا عن الأخلاق والأمانة والدين، دون أن يشعروا بالخجل أو تردعهم تظاهرات العراقيين مرددين "باسم الدين باكونا الحرامية".
أنا لا أستغرب كل هذه الاعتراضات وغضب بعض البرلمانيين وهم يدافعون عن الفاسدين لأنهم يخوضون معركة وجودية فحملة محاربة الفساد إذا استمرت وبصورة جدية، وهذا ما يتمناه الشعب العراقي، سوف تطال جميع (الحرامية).



