لا تُقاس مكانة الدول باتساع
رقعتها الجغرافية فحسب، بل بما تؤديه من أدوار سياسية واقتصادية وإنسانية،
وبقدرتها على صناعة الاستقرار وبناء جسور التعاون بين الشعوب. ومن هذا المنطلق،
تُعد دولة الكويت نموذجاً للدولة التي تجاوز تأثيرها حدودها الجغرافية، لتصبح لاعباً
مؤثراً على المستويين الإقليمي والدولي.
فمنذ نشأتها، استفادت الكويت من
موقعها الاستراتيجي على الساحل الشمالي الغربي للخليج، لتتحول إلى مركز تجاري مهم
يربط بين بلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية والهند وشرق آسيا. ومع اكتشاف النفط،
عززت مكانتها الاقتصادية، مستندة إلى احتياطياتها الكبيرة من النفط والغاز، وإلى
إدارة مالية رصينة جعلت صندوقها السيادي من أكبر الصناديق الاستثمارية في العالم،
فيما حافظ الدينار الكويتي على مكانته بين أقوى العملات العالمية.
ولم يقتصر حضور الكويت على الجانب
الاقتصادي، بل برزت كذلك بسياسة خارجية متوازنة اعتمدت الحوار والوساطة، وأسهمت في
تقريب وجهات النظر بين الدول، ودعمت القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها
القضية الفلسطينية. كما رسخت مكانتها الإنسانية من خلال مساعداتها التنموية والإغاثية
التي امتدت إلى مختلف أنحاء العالم، حتى أصبحت الكويت مرادفة للعمل الإنساني في
كثير من المحافل الدولية.
وإلى جانب هذه المكانة، تميز
المجتمع الكويتي عبر تاريخه بانفتاحه وقدرته على استيعاب مكونات اجتماعية متعددة
شاركت في بناء الدولة ونهضتها. ومن بين هذه المكونات، يبرز الكورد الفيليون الذين
يعود وجودهم في الكويت، وفق الوثائق التاريخية والمصادر الغربية، إلى أكثر من 200
عام.
وتشير المصادر إلى أن أولى الأسر
الكوردية الفيلية استقرت في الكويت منذ أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن
التاسع عشر، قبل أن تتوالى موجات الهجرة خلال العقود اللاحقة. وجاءت الغالبية من
العراق، فيما قدمت مجموعات أخرى من المناطق الكوردية في جنوب غرب إيران، ووصلت
أعداد أقل من تركيا وسوريا.
وقد اتسمت الهجرة الكوردية إلى
الكويت بطابع اقتصادي واجتماعي، إذ ارتبطت بالتجارة والعمل والبحث عن الأمن والاستقرار،
ولم تكن هجرة ذات أهداف سياسية أو مشروعاً استيطانياً، وهو ما أسهم في اندماج الكورد
الفيليين بصورة طبيعية داخل المجتمع الكويتي، مع احتفاظهم بخصوصيتهم الثقافية
وتراثهم الاجتماعي.
وعلى امتداد أكثر من قرنين، شارك
الكورد الفيليون في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأسهموا في الحركة
التجارية، وفي تطوير عدد من المهن والحرف، وكانوا جزءًا من مسيرة التنمية التي
شهدتها الكويت. كما اندمجت أجيالهم المتعاقبة في المجتمع الكويتي، وأصبح كثير منهم
مواطنين كويتيين يشاركون في بناء وطنهم، إلى جانب أبناء الكويت من مختلف المكونات.
إن تجربة الكورد الفيليين في
الكويت تمثل نموذجاً ناجحاً للتعايش والاندماج الوطني، حيث لم يكن الانتماء للكويت
مجرد إقامة أو ارتباط اقتصادي، بل أصبح انتماءً راسخاً لوطن احتضنهم، ومنحهم فرص
العمل والاستقرار والمشاركة في بناء مؤسساته.
ومن هنا، فإن الحفاظ على سيادة
دولة الكويت، وصون استقلالها، واحترام دستورها وقوانينها، والدفاع عن أمنها
ووحدتها الوطنية، مسؤولية مشتركة يتحملها جميع أبناء الوطن، دون تمييز. كما أن
المقيمين الذين اختاروا الكويت وطناً للعمل والحياة يتحملون بدورهم مسؤولية احترام
قوانينها والمحافظة على أمنها واستقرارها، تقديراً لما وفرته لهم من بيئة آمنة
ومستقرة.
لقد أثبتت الكويت، على امتداد
تاريخها، أن قوة الدولة لا تُقاس بمساحتها، وإنما بما تبنيه من إنسان، وما ترسخه
من قيم العدالة والتسامح والتعايش. وفي هذا الإطار، تبقى قصة الكورد الفيليين في
الكويت جزءاً من قصة الوطن نفسه؛ قصة شراكة في البناء، ووفاء في الانتماء، وإيمان
بأن أمن الكويت واستقرارها ووحدتها الوطنية هي مسؤولية الجميع، وهي الأساس الذي
يُبنى عليه مستقبل الأجيال القادمة.



