يقترب عمر الوطن من القرن، هكذا يقول التأريخ الذي يضم بين طياته قصص وحكايات فظيعة عن الدولة العراقية التي تأسست عقب مؤتمر القاهرة الذي عقدته المملكة المتحدة في اذار 1921 لبحث شؤون الولايات العربية المتحدة (بغداد * الموصل* البصرة) التي كانت خاضعة لحكم الدولة العثمانية وقتئذ .
الدولة الجديدة ومنذ ان ابصرت النور حتى يومنا هذا كانت مسرحًا للصراعات والازمات لأسباب مختلفة, بعضها داخلي, والبعض الاكبر يتمثل في وجود اطماع خارجية لأكثر من طرف اجنبي في هذه البقعة من الارض .
يبدو ان نظرية ابن خلدون الخاصة بعمر الدولة قد تتحقق في عراق اليوم , حيث يرى عالم الاجتماع ان هناك ثلاثة اجيال لعمر الدولة تبدأ بجيل البناء او المؤسس ومن ثم الجيل الثاني المتمثل بجيل الاستقرار والهدوء، وتبدأ المنشآت الحضارية والعمرانية بالبزوغ في هذا الجيل , لكنها ما تلبث الا ان تنهار على يد ابناء الجيل الثالث والاخير الذي يمثل جيل الترف والنخبة الحاكمة التي تحرص في سلوكها السياسي والأخلاقي على الطمع والترف، وينتقل الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية التي تقلّدوها منذ زمن التأسيس إلى شعور آخر، إلى "نخبة" تدوس الجميع من أجل مصالحها الخاصة وترفها الزائد ورفاهيتها وحدها دون غيرها ومحاولة إظهار القوة من خلال احتكار السلاح والجيش، وذلك لقمع الناس إذا أرادوا الثورة ومواجهة استئثار هذه النخبة الحاكمة للسلطة والثروة .
يبدو اننا نعيش مرحلة السقوط التي ستكون على يد المنظومة السياسية الحالية التي تسلمت مقاليد السلطة على طبق فضيّ بعد ان لم تكن تحلم بالحصول على موطأ قدم في اي من مستويات السلطة السابقة.
مؤخرًا جدد رئيس الجمهورية دعوته الى تأسيس عقد سياسي جديد يضمن تصحيح المسارات ويلبي طموحات الشعب ويراجع مجمل مراحل العملية السياسية في البلاد . هذه الدعوة تمثل اعترافاً صريحاً بفشل المنظومة السياسية في البلاد وعجزها عن ادارة اي من مفاصل الحياة حتى البديهية منها، الجميع فاشلون وان كان هناك شواذ في هذه القاعدة, لكن حجم الاخفاق قتل جميع البقع البيضاء التي تحاول تطريز مساحة السواد التي رسمتها المنظومة السياسية فوق رؤوس العراقيين منذ قرابة العقدين .
اليوم وبعد كل ما جرى للعراقين على يد منظومة سياسية اقل ماتوصف بأنها غير ناضجة, يأتي رئيس الجمهورية مطالبًا بتأسيس عقد سياسي جديد يجب ما قبله وتغفر فيه كل الاخفاقات الماضية ويبدأ الجميع من الصفر , هذا الطرح يبدو منطقيًا لو كان الذين سيقودون البلاد هم اناس لم تتلوث ايديهم بالدم او المال العراقيين.
فخامة الرئيس اود ان انقل ما يدور في اذهان العراقيين بالحرف الواحد : يتوق العراقيون اليوم لرؤية كل من تسبب بإخفاق مهما كبر او صغر خلف القضبان لا ان يرونهم يمحون ماضيهم بجلسة لم ولن يؤخذ بها رأي الشعب العراقي.
جميع المؤشرات الحالية تدل على ان الدولة العراقية تقترب من حافة الانهيار او السقوط ليس وفق نظرية العالم ابن خلدون تلك التي تتخذ من الزمن وحدة لقياسها , لكن هذا ما لا يحدث في كثير من الاحيان كون هناك دول يفوق عمرها القرون وما تزال تحتفظ بكيانها المادي وصفتها المعنوية.
عراق اليوم الذي بنته المنظومة السياسية الحاكمة يلفظ انفاسه الاخيرة كونه يعيش حالة من الفوضى، عملته في تراجع حاد،جوازه الاسوأ, مدنه الاخطر للعيش والافضل للموت، كل هذه المعطيات تدل على سقوط الدول ما لم ينتفض احد الاثنين، الشعب بشكل جمعي , او النظام على نفسه، ولا أرى احد الاثنين سيقوم بفعل ذلك حتى يدفع الجميع ثمن حماقة السلطة بسقوط الوطن فوق رؤوس الجميع في مناسبة لن يخرج منها ناجِ سوى الذين استطاعوا الهروب خارج اسوار العراق الذي سيكون عراقات جديدة بعضها جيد والاخر غير ذلك .

.jpg&w=3840&q=75)

