ارتبطت العلاقة بين الكورد والولايات المتحدة بمحطات تاريخية متعددة، إلا أن مرحلة ما بعد عام 1991، ثم سقوط النظام العراقي سنة 2003، وصولاً إلى الحرب على تنظيم داعش عام 2014، أسهمت في ترسيخ العلاقات السياسية والعسكرية بين الطرفين. وقد وجد إقليم كوردستان في واشنطن شريكاً دولياً مهماً، لا في المجال الأمني فحسب، بل أيضاً في تعزيز حضوره السياسي والدبلوماسي على المستوى الدولي.
غير أن الانسحاب الأميركي الأخير يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، تتطلب من القيادة الكوردية إعادة النظر في طبيعة علاقاتها الخارجية، ومدى اعتمادها على الحماية العسكرية الأميركية. فالتجربة السياسية في المنطقة أظهرت أن التحالفات الدولية، مهما بلغت أهميتها، تظل مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، وأن التغير في أولويات واشنطن قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حلفائها المحليين.
وقد عبّرت وزارة شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كوردستان، في بيان صدر في 28 أيلول 2026، عن قلقها من الانسحاب الأميركي في ظل الظروف الإقليمية المضطربة، مشيرة إلى تعرض الإقليم لأكثر من ألف هجوم بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة، وإلى غياب منظومة دفاع جوي بديلة.
هنا يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع إقليم كوردستان المحافظة على مستوى أمنه واستقراره من دون استمرار الوجود العسكري الأميركي، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض عليه البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة؟. ولا يمكن فهم المخاوف الكوردية من الانسحاب الأميركي بمعزل عن طبيعة العلاقة بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد. فعلى الرغم من أن الدستور العراقي لعام 2005 أقرّ النظام الاتحادي ومنح الإقليم صلاحيات واسعة، فإن عدداً من الملفات الخلافية لا يزال قائماً، وفي مقدمتها تقاسم الإيرادات النفطية، والموازنة الاتحادية، والمناطق المتنازع عليها، وصلاحيات القوات الأمنية.
في هذا السياق، تخشى بعض الأوساط السياسية الكوردية أن يؤدي تراجع الدور الأميركي إلى تغيير موازين القوى داخل العراق، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع توسع نفوذ الفصائل المسلحة القريبة من إيران أو زيادة تأثيرها في القرار السياسي والأمني للدولة. ولا يعني هذا بالضرورة أن جميع القوى الشيعية العراقية تتبنى موقفاً واحداً تجاه إقليم كوردستان، فالمشهد السياسي الشيعي يضم اتجاهات وتيارات متعددة، تتباين في رؤيتها للعلاقة مع واشنطن وطهران، وكذلك في تعاملها مع حكومة الإقليم.
لكن الإشكالية الأساسية تكمن في احتمال تداخل النفوذ السياسي مع القوة المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية، وما قد يترتب على ذلك من تعقيدات في إدارة الخلافات بين بغداد وأربيل. فالتجارب السابقة، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها، أظهرت أن غياب التفاهمات السياسية المستقرة قد يحول الخلافات الدستورية والإدارية إلى توترات أمنية.
ومن ثَمّ، فإن القلق الكوردي لا يرتبط فقط باحتمال تعرض الإقليم لتهديد عسكري مباشر، بل يتصل أيضاً بمستقبل التوازن السياسي داخل الدولة العراقية، وبمدى قدرة المؤسسات الاتحادية على ضمان الشراكة واحترام الصلاحيات الدستورية.
من جانب آخر يمثل النفوذ الإيراني في العراق أحد أبرز العوامل المؤثرة في حسابات إقليم كوردستان الأمنية والسياسية. فمنذ عام 2003، تمكنت طهران من بناء علاقات واسعة مع أحزاب وشخصيات سياسية عراقية، فضلاً عن ارتباطها بفصائل مسلحة تمتلك حضوراً متفاوتاً في المشهد الأمني والسياسي.
وقد اكتسبت هذه المسألة أهمية إضافية مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب القوات الأميركية من العراق. فقد احتفلت فصائل موالية لإيران بهذا التطور، وعدّته خطوة نحو تعزيز السيادة العراقية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي. وفي المقابل، عبّرت أطراف عراقية وكوردية عن مخاوفها من أن يؤدي غياب القوات الأميركية إلى إضعاف بعض عناصر الردع والتوازن الأمني، ولا سيما في ظل استمرار الخلافات بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
بالنسبة إلى إقليم كوردستان، فإن المسألة تتجاوز الموقف من الوجود الأميركي نفسه، لتتصل بطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الفصائل المسلحة في المرحلة المقبلة، ومدى تأثيرها في القرارات السياسية والأمنية الاتحادية. كما أن أي تصعيد بين واشنطن وطهران قد يضع الإقليم في موقف بالغ الحساسية، خصوصاً إذا تحولت أراضيه أو منشآته الاقتصادية إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية أو السياسية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين النفوذ الإيراني في العراق وبين وجود قرار موحد لدى جميع القوى الشيعية باستهداف إقليم كوردستان أو تقليص صلاحياته. فالعلاقة بين القوى العراقية وإيران تتفاوت من حيث طبيعتها ومستوى ارتباطها، كما أن المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة بين بغداد وأربيل تشكل عاملاً مهماً في احتواء الخلافات.
ومن جهته يطرح الانسحاب الأميركي تحدياً إضافياً أمام قوات البيشمركة، التي خاضت معارك مهمة ضد تنظيم داعش، وحظيت خلال السنوات الماضية بدعم وتدريب من الولايات المتحدة والتحالف الدولي. وقد أسهم هذا التعاون في تطوير بعض قدراتها العسكرية، لكنه لم ينهِ جميع التحديات المتعلقة بتوحيد التشكيلات العسكرية، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية في الإقليم.
وتزداد أهمية هذه المسألة في المناطق الواقعة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، حيث تتداخل الصلاحيات الأمنية وتوجد ثغرات قد تستغلها الخلايا الإرهابية. ومن هنا، فإن مستقبل الأمن في هذه المناطق لا يتوقف على حجم الدعم الخارجي وحده، بل يرتبط أيضاً بمستوى التنسيق بين قوات البيشمركة والجيش العراقي، وبمدى استعداد الطرفين لتجاوز الخلافات السياسية في مواجهة التهديدات المشتركة.
كما أن غياب منظومات الدفاع الجوي التي أشارت إليها وزارة شؤون البيشمركة يبرز جانباً آخر من التحدي، يتعلق بحماية المنشآت المدنية والاقتصادية والمطارات والبنية التحتية من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة.
في ضوء هذه التحولات، تبدو القيادة الكوردية أمام مجموعة من الخيارات السياسية والاستراتيجية. فمن جهة، تبرز الحاجة إلى المحافظة على العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة، وتطوير التعاون الأمني والدبلوماسي معها، حتى بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق. فالانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقات الثنائية أو توقف أشكال التعاون الأخرى.
من جهة ثانية، تفرض المصالح الكوردية تعزيز الحوار مع بغداد، وإعادة بناء الثقة بين الطرفين على أساس الدستور والشراكة السياسية، بدلاً من ترك الملفات الخلافية عرضة للتجاذبات الإقليمية. فالعلاقة المستقرة بين أربيل وبغداد يمكن أن تشكل ضمانة داخلية مهمة في مواجهة الضغوط الخارجية، كما أن معالجة القضايا العالقة بشأن الموازنة والنفط والمناطق المتنازع عليها قد تقلل من احتمالات التصعيد.
أما العلاقة مع طهران، فتتطلب بدورها مقاربة واقعية تقوم على مراعاة الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية، من دون إغفال التباينات السياسية والاستراتيجية. فإيران دولة مجاورة ذات تأثير مباشر في العراق، ولا يمكن تجاهل دورها في أي تصور لمستقبل الاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، فإن الحفاظ على استقلال القرار السياسي الكوردي يقتضي تنويع العلاقات الخارجية وتجنب الارتهان لمحور إقليمي واحد.
وتبقى الوحدة السياسية الكوردية عاملاً أساسياً في التعامل مع هذه المرحلة. فالخلافات بين القوى السياسية في الإقليم، إذا تفاقمت، قد تحدّ من قدرة القيادة الكوردية على التفاوض مع بغداد وواشنطن وأنقرة وطهران من موقع متماسك. كما أن تعزيز المؤسسات الدستورية وتطوير القدرات الاقتصادية والأمنية يمثلان ركيزتين لا غنى عنهما في مواجهة التحولات المقبلة.
وتكشف التصريحات الأخيرة للقيادات الكوردية عن وجود قلق سياسي وأمني يتجاوز مسألة مغادرة القوات الأميركية، ليصل إلى مستقبل التوازنات داخل العراق والمنطقة. فقد عبّر مسرور بارزاني بوضوح عن مخاوفه من أن يؤدي الانسحاب إلى إضعاف الحماية الأمنية للإقليم، مستحضراً تجربة عام 2011 وما أعقبها من تحولات أمنية خطيرة. وفي المقابل، ركز نيجيرفان بارزاني على ضرورة معالجة ملف الفصائل المسلحة، محذراً من أن استمرار نفوذ القوى المسلحة خارج إطار الدولة قد يعرّض العراق للعزلة الدولية والإقليمية.
كذلك يكشف التباين في تركيز التصريحات عن بعدين متكاملين في الرؤية الكوردية: الأول يتعلق بالحاجة إلى ضمانات أمنية دولية تحول دون تعرض الإقليم لتهديدات عسكرية، والثاني يرتبط بمستقبل الدولة العراقية وقدرتها على فرض سلطتها على جميع التشكيلات المسلحة. وفي هذا الإطار، تبرز المخاوف من أن يؤدي تراجع الحضور الأميركي إلى توسيع هامش الحركة أمام القوى المرتبطة بإيران، بما قد ينعكس على طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، وعلى قدرة الإقليم في المحافظة على استقلالية قراره السياسي والأمني.
ومع ذلك، فإن تصريحات رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، بشأن التزام واشنطن بالجدول الزمني للانسحاب، وإشارته إلى أن الوجود الأميركي كان قائماً بموجب اتفاق اتحادي، تضع النقاش في سياقه الدستوري والسياسي الصحيح. فالمسألة لا تتعلق حصراً بقرار أميركي منفرد تجاه الكورد، بل ترتبط أيضاً بمسؤولية الحكومة الاتحادية عن صياغة ترتيبات أمنية تضمن حماية جميع مكونات العراق ومناطقه، وتمنع تحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة.
وعليه فإن انسحاب القوات الأميركية من العراق، واكتمال خروجها في أيلول 2026، لا يمثلان مجرد تحول عسكري، بل يشيران إلى بداية مرحلة جديدة في التوازنات السياسية والأمنية العراقية. وبالنسبة إلى الكورد، ولا سيما في إقليم كوردستان، فإن هذا التطور يثير تساؤلات جدية بشأن مستقبل العلاقة مع الحليف الأميركي، وحدود النفوذ الإيراني، وطبيعة العلاقة مع الحكومة الاتحادية والقوى السياسية والمسلحة المؤثرة في بغداد.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب القوات الأميركية وحده، بل في قدرة العراق على بناء منظومة أمنية وطنية متوازنة، تضمن سيادة الدولة وتحصر السلاح بيد مؤسساتها، وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق إقليم كوردستان الدستورية. فاستقرار الإقليم لا يمكن أن يقوم على الحماية الخارجية وحدها، كما أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق من خلال اختلال التوازن بين مكوناته أو تغليب منطق القوة على الشراكة السياسية.
وفي نهاية المطاف، قد تكون المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً للقيادة الكوردية في قدرتها على الانتقال من الاعتماد على مظلة الحماية الدولية إلى بناء شبكة علاقات متوازنة، تجمع بين الشراكة الوطنية والتعاون الدولي، وتحمي خصوصية الإقليم ومكتسباته ضمن عراق اتحادي مستقر.


.jpg&w=3840&q=75)
