في نهاية الأسبوع الماضي قضيتُ يومين وليلة في منطقة (بَرْواري بالا) الجبلية، شمالي إقليم كوردستان. كانت الطبيعة في كل مكان تذكّرني بما تملكه هذه المنطقة من إمكانات: ينابيع تنبع من الجبال، وجداول صغيرة تعبر الوديان، وبساتين تحيط بكثير من القرى. تنمو هناك أشجار التفاح والرمان والسفرجل والإجاص والتين والجوز، إلى جانب السمسم والسماق وأصناف كثيرة من الأعشاب. وكانت الأجيال السابقة تزرع أيضاً التبغ والأرز والقمح. لكن ما شدّ انتباهي، وسط هذا الغنى، هو ضعف النشاط الاقتصادي الذي يقوم عليه. لماذا يغادر الناس أماكن كهذه، بينما تستمر مدننا في التوسع؟
وفقاً لهيئة إحصاء إقليم كوردستان، سجّل تعداد عام 2024 نحو 5.5 ملايين نسمة في المناطق الحضرية، مقابل ما يزيد قليلاً على مليون نسمة في المناطق الريفية. وفي عام 2023، سُجّل أكثر من 1.12 مليون دونم من الأراضي الزراعية غير المستغلة أو المتروكة. قد يُقال إن الشباب لم يعودوا راغبين في مشقة العمل الزراعي، لكن قرارهم يرتبط أيضاً بظروف اقتصادية مفهومة. فالوظيفة المكتبية توفر راتباً منتظماً وساعات عمل ثابتة ومخاطر محدودة، أما المزارع فقد ينفق أشهراً من العمل والمال قبل موسم الحصاد، ثم يواجه تقلب الطقس والأسعار، وربما لا يجد مكاناً يخزّن فيه محصوله أو مشترياً يدفع ثمناً مجدياً.
توضح (بَرْواري بالا) جانباً من هذه المشكلة. فقد شهد مزارعوها مواسم وفيرة من التفاح لم يجدوا لها عدداً كافياً من المشترين، فتُرك بعض الثمر تحت الأشجار لأن سعر بيعه لم يكن يغطي كلفة جنيه ونقله. لذلك، لا تكفي زيادة الإنتاج وحدها لإنعاش الريف. علينا أن نسأل عمّا يحدث للمنتج منذ خروجه من البستان حتى وصوله إلى المستهلك: من يجمع التفاح ويفرزه ويخزّنه؟ ومن يحوّل الثمار الأقل جودة إلى عصير أو خل أو فاكهة مجففة أو مربّى؟ ومن يصمم العبوات ويبني علامة تجارية محلية ويتفاوض مع المتاجر في أربيل وبغداد والبصرة؟ تستطيع هذه الأعمال أن تخلق فرصاً اقتصادية تضاهي فرص الزراعة نفسها.
تحقق بعض التقدم بالفعل. فقد زادت الاستثمارات الزراعية، وتوسعت البيوت الزجاجیة ومرافق التبريد، وأصبحت المنتجات الزراعية الكوردستانية تصل بصورة متزايدة إلى أسواق في بقية العراق وخارجه. لكن المشاريع المنفردة لا تكوّن اقتصاداً محلياً متماسكاً ما لم تُربط ببعضها. ويمكن، مثلاً، تطوير برواري بالا بوصفها منطقة إنتاج تتميز بالتفاح والجوز والأعشاب والسماق والعسل، مع ربط المزارع بمراكز التجميع والتخزين المبرد والتعبئة ومرافق التصنيع الصغيرة وشبكات النقل والتسويق.
وقد يكون للتعاونيات دور أساسي في بناء هذه الروابط. فالمزارع الصغير لا يملك بمفرده قدرة كبيرة على التفاوض مع المتاجر أو مصانع الأغذية، بينما يستطيع المزارعون، إذا عملوا معاً، توفير كميات منتظمة وبجودة متقاربة على مدار الموسم. ويحتاج هذا التنظيم إلى تمويل يفهم طبيعة الزراعة: دخل المزارع موسمي، والبستان يحتاج سنوات حتى يصبح منتجاً، وكثير من الشباب لديهم أفكار لمشاريع جديدة من دون ضمانات كافية للحصول على قرض.
تستطيع المصارف تقديم قروض زراعية وتمويل موسمي وخيارات لاستئجار المعدات، ويمكن للضمانات الحكومية أن تخفف المخاطر. كما تستطيع المصارف الإسلامية توفير صيغ تمويل تناسب الأصول الإنتاجية والشراكات، بينما تجمع الشراكات بين القطاعين العام والخاص بين البنية التحتية والاستثمار في التبريد والتصنيع والتعبئة.
ولا يقل التدريب أهمية عن التمويل. يمكن لمراكز التدريب المهني الريفية أن تجمع بين أساليب الزراعة الحديثة وإدارة المشاريع، وأن تسهم الجامعات بمختبرات ومزارع تجريبية وأبحاث تطبيقية تخدم احتياجات المزارعين وأصحاب معامل التصنيع الغذائي. وفي الوقت نفسه، سيحدد الماء بصورة متزايدة فرص نجاح هذه الجهود. فارتفاع درجات الحرارة والجفاف وتغير أنماط الأمطار تؤثر بالفعل في الزراعة. لذلك ينبغي أن تصبح تقنيات الري الحديثة، وحصاد مياه الأمطار، والخزانات الصغيرة، والإدارة الأفضل للموارد المائية جزءاً من التخطيط لكل منطقة ريفية.
وحتى الزراعة المربحة لن تُبقي القرى مأهولة إذا لم تجد الأسر مدارس جيدة وخدمات صحية وطرقاً وكهرباء وإنترنت وخدمات أساسية أخرى. التنمية الريفية تتعلق بحياة المجتمع كله. وخلال زيارتي لبرواري، ظهرت أمامي فرصة أخرى مرتبطة بهذه الحياة: السياحة. ففي كل نهاية أسبوع، يتجه كثيرون من أربيل ودهوك ومدن أخرى إلى الجبال، لكن جزءاً محدوداً من إنفاقهم يصل إلى سكان القرى التي يزورونها.
يمكن لبعض الأهالي تهيئة جزء من بيوتهم لاستقبال الضيوف، وتقديم إقامات في المزارع ووجبات إفطار كوردية من المنتجات المحلية. ويستطيع شباب المنطقة العمل مرشدين، وتنظيم زيارات لموسم قطف الفاكهة، وبيع العسل والمربّى والفاكهة المجففة والأعشاب والأجبان والمشغولات اليدوية. عندئذ تصبح السياحة سوقاً للزراعة المحلية ومصدر دخل إضافياً للأسر. فالقرية الحديثة تستطيع أن تضم، إلى جانب المزارعين، عاملين في التصنيع الغذائي، وفنيين، ومرشدين سياحيين، وباحثين، وحرفيين، وأصحاب مشاريع.
توجد مبادرات صغيرة في هذا الاتجاه، لكنها تحتاج إلى سياسة شاملة للتنمية الريفية ومتابعة مستمرة من الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمصارف ومنظمات المجتمع المدني، كي يبلغ أثرها الحجم المطلوب. وينبغي لهذه السياسة أن تصل بين الزراعة والمياه والتصنيع الغذائي والتمويل والتدريب والبحث العلمي والبنية التحتية والسياحة والخدمات الاجتماعية، مع إتاحة المجال لكل منطقة كي تنمو انطلاقاً من مواردها وميزاتها الخاصة.
ونحتاج كذلك إلى توسيع نظرتنا إلى الاستثمار. فقد اتجه جزء كبير من رأس المال الخاص إلى الإسكان والعقارات والمتاجر والمقاهي ومراكز التسوق. وتحتاج كوردستان أيضاً إلى مستثمرين يبنون مخازن التبريد ومعامل الألبان والتصنيع والتعبئة والبيوت المحمية وبيوت الضيافة الجبلية، ويطورون علامات تجارية للمنتجات الغذائية الكوردستانية. الزراعة والتنمية الريفية مجالان للعمل والاستثمار وريادة الأعمال، ولهما قدرة حقيقية على خلق فرص للشباب.
حين غادرت برواري، ظللت أفكر في مقدار النشاط الاقتصادي الممكن خلف ما نصفه عادةً بكلمة «الطبيعة». فكل شجرة تفاح، وبستان جوز، وينبوع، وممر جبلي، وبيت في قرية، يمكن أن يكون جزءاً من اقتصاد محلي منتج إذا أُنشئت الروابط اللازمة بينها. والسؤال الذي يواجه ريف كوردستان هو كيف نجعل العيش والعمل والاستثمار فيه خياراً مجدياً من جديد. حين يجد الشباب هذا الخيار أمامهم، ستكون لديهم أسبابهم الخاصة للبقاء في القرى أو العودة إليها.

