في مطلع عام 2012، تحدث نيكولا
ساركوزي في باريس عن اهم التغيرات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية
الثانية. وقد عدت إلى حديثه أكثر من مرة، لا بسبب الأرقام التي ذكرها فحسب، بل لأن
من قالها كان رئيساً لدولة أوروبية كبرى، ومن داخل المؤسسة الغربية نفسها. كان
ساركوزي يقرّ، بطريقة مباشرة إلى حد ما، بأن العالم الذي اعتادت أوروبا أن تكون في
مركزه لم يعد كما كان.
استعاد ساركوزي صورة العالم عام
1945، عندما كان عدد سكان الأرض يقارب مليارين ونصف المليار نسمة، ثم انتقل إلى
عام 2012، وقد بلغ العدد نحو سبعة مليارات، متوقعاً وصوله إلى تسعة مليارات في
العقود اللاحقة. للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد مقارنة بين مرحلتين سكانيتين،
لكن الرجل لم يكن معنياً بالديموغرافيا وحدها. كان يسأل، بصورة غير مباشرة، عما
يعنيه هذا التغير بالنسبة إلى توزيع القوة والنفوذ في العالم.
فبعد الحرب العالمية الثانية،
تمتعت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية بقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية هائلة
قياساً إلى عدد سكانها. شاركت هذه الدول في بناء المؤسسات الدولية وفق رؤيتها
ومصالحها، وأمسكت بجزء كبير من حركة الاقتصاد العالمي، كما قدمت نموذجها السياسي
والثقافي بوصفه النموذج الأقرب إلى التقدم والحداثة. لم يكن ذلك يحدث دائماً
بالقوة العسكرية، بل من خلال المال والجامعات والتكنولوجيا والمؤسسات الدولية ووسائل
الإعلام أيضاً.
لكن هذا التفوق لم يبقَ ثابتاً.
أخذت دول أخرى تنمو وتتقدم، وظهرت اقتصادات جديدة، وبدأت مجتمعات كانت بعيدة عن
مراكز القرار تطالب بدور يتناسب مع وزنها السكاني والاقتصادي. ولم يكن هناك يوم
محدد انتهت فيه الهيمنة الغربية أو بدأت فيه مرحلة جديدة بصورة رسمية. ما حدث كان
تراكمياً وبطيئاً، حتى صار من الصعب تجاهله.
ومع هذا، أعتقد أن ساركوزي بالغ
قليلاً في الاعتماد على العامل السكاني. فعدد السكان، مهما كان كبيراً، لا يكفي
وحده لصناعة دولة مؤثرة. هناك دول تضم عشرات الملايين من البشر، لكنها لا تملك
وزناً يتناسب مع حجمها. المسألة تتعلق بالتعليم، وكفاءة الإدارة، واستقرار
الاقتصاد، والقدرة على إنتاج المعرفة، فضلاً عن وجود مؤسسات تستطيع تحويل الموارد
البشرية إلى قوة فعلية.
وقد تكون الزيادة السكانية مشكلة
للدولة بدلاً من أن تكون مصدر قوة، ولا سيما عندما تعجز الحكومة عن توفير المدارس
وفرص العمل والخدمات الأساسية. لذلك لا يصح الانتقال مباشرة من عدد السكان إلى
النفوذ السياسي. بينهما شروط كثيرة، وبعض الدول تنجح في توفيرها، فيما تفشل دول
أخرى رغم ما لديها من موارد وإمكانات.
الصين مثال واضح على هذا التحول.
فقد انتقلت، خلال عقود قليلة، من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات منخفضة
التكلفة إلى دولة تنافس في مجالات التكنولوجيا والتجارة والتمويل والبنية التحتية.
ولم يعد من الممكن النظر إليها باعتبارها مجرد سوق ضخمة أو مصنعاً يعمل لمصلحة
الشركات الغربية. الصين اليوم طرف رئيس في تحديد مسار الاقتصاد الدولي، سواء
اتفقنا مع سياساتها أم اختلفنا معها.
أما الهند، فعلى الرغم من
مشكلاتها الداخلية والتفاوت الاجتماعي الواسع فيها، فقد أصبحت صاحبة حضور اقتصادي
وسياسي متزايد. حجمها السكاني ساعدها، بلا شك، لكنه لم يكن العامل الوحيد. أسهمت
قطاعات التكنولوجيا والتعليم والخدمات، إلى جانب موقعها الجغرافي وعلاقاتها
الدولية، في توسيع دورها العالمي.
ولا يقتصر التغير على الصين
والهند. فدول مثل تركيا والسعودية والإمارات والبرازيل أصبحت تتحرك بحرية أكبر في
علاقاتها الخارجية. وبالطبع، لا يمكن وضع هذه الدول في إطار واحد؛ فلكل منها
ظروفها وطموحاتها وحدود قدرتها. لكن القاسم المشترك بينها هو أنها لم تعد تقبل
بسهولة أن تُحصر خياراتها في علاقة واحدة أو تحالف ثابت.
قد تتعاون هذه الدول مع الولايات
المتحدة في قضية أمنية، ثم تعقد شراكة اقتصادية مع الصين، وتتفاهم مع روسيا في ملف
آخر. وهذا لا يعني بالضرورة أنها اتخذت موقفاً معادياً للغرب، بل يعني أنها أصبحت
أكثر حرصاً على تعدد خياراتها. ومن وجهة نظري، فإن اتساع هذا السلوك هو أحد أوضح
الأدلة على تراجع قدرة القوى الغربية على ضبط تحالفاتها بالطريقة التي كانت ممكنة
في مراحل سابقة.
لكن الحديث عن تراجع الهيمنة
الغربية لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان متعجل عن نهاية الغرب. فهذا النوع من الأحكام
كثيراً ما يعكس الرغبة أكثر مما يصف الواقع. ما تزال الولايات المتحدة ودول أوروبا
تمتلك تفوقاً كبيراً في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا والتمويل، فضلاً عن شبكة
واسعة من التحالفات العسكرية والمؤسسات المؤثرة. كما لا يزال الدولار يؤدي دوراً
أساسياً في الاقتصاد العالمي، ولا تزال الجامعات والشركات الغربية تستقطب جانباً
مهماً من العقول ورؤوس الأموال.
لذلك، فإن الغرب لم يفقد قوته،
لكنه فقد جزءاً من قدرته على استخدام هذه القوة من دون منافسة أو اعتراض. وهذا هو
الفارق الذي ينبغي الانتباه إليه. لم يعد بوسعه أن يقرر وحده شكل النظام الدولي،
كما لم تعد الدول الأخرى مستعدة دائماً لقبول أولوياته باعتبارها أولويات عالمية.
وأنا شخصياً أتردد في وصف النظام
الحالي بأنه نظام متعدد الأقطاب بالمعنى الكامل. هذا المصطلح يوحي بوجود أقطاب
واضحة ومتقاربة في قدراتها، بينما يبدو الواقع أكثر اضطراباً من ذلك. الولايات
المتحدة ما تزال الأقوى في مجالات عديدة، والصين تقترب منها في بعضها، في حين
تتقدم قوى أخرى في ملفات معينة من دون أن تتحول إلى أقطاب عالمية مكتملة. نحن، في
الغالب، نعيش مرحلة انتقال لم تتضح نهايتها بعد.
وعندما نعود اليوم إلى حديث
ساركوزي، في ظل التنافس الأميركي - الصيني، واتساع مجموعة بريكس، ونمو الاقتصادات
الآسيوية، يبدو أنه كان يصف اتجاهاً بدأ يفرض نفسه منذ ذلك الوقت. لم يكن يتنبأ
بانهيار الغرب، وإنما كان يحذّر من أن استمرار التفوق الغربي بالشكل القديم لم يعد
أمراً مضموناً.
الغرب، إذن، لم ينتهِ. لكنه لم
يعد الطرف الوحيد الذي يملك المال والمعرفة والقدرة على التأثير. وربما يكون الأدق
أن نقول إن الذي يقترب من نهايته هو ذلك الزمن الذي كانت فيه مجموعة محدودة من
الدول الغربية تتحدث، فيصغي إليها بقية العالم.
أما اليوم، فقد أصبح في القاعة
متحدثون آخرون، ولكل واحد منهم حساباته ومصالحه وصوته الذي يريد أن يُسمع.



