مع مرور 12 سنة على
الإبادة الجماعية التي تعرض لها الكورد الإيزديون في الثالث من آب 2014، وهي واحدة
من أكثر الجرائم قسوة في التاريخ المعاصر. جريمة لم تشهد التاريخ من قبل، قتل جماعي، سبي واستبعاد وتهجير، لم تكن تلك
الجريمة مجرد هجوم على منطقة جغرافية أو جماعة دينية، بل كانت محاولة لاقتلاع هوية
وثقافة وذاكرة تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
أتذكر جيداً، عندما كنت طفلاً،
كيف كان كبار السن، ومنهم الشخصية الاجتماعية صاحب الأسلوب الفلسفي في سرد
الأحاديث والقصص التاريخية المرحوم مام تحلو، يجلسون بيننا ويروون لنا قصص
الفرمانات التي تعرض لها هذا الشعب المظلوم. يومها كانت تلك الحكايات تبدو لنا
أقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع. لكن ما جرى في الثالث من آب 2014 جعلنا ندرك
أن تلك الروايات لم تكن أساطير، بل ذاكرة شعب ظل يواجه الإبادة جيلاً بعد جيل.
أما المشهد الذي حدث في 3 آب 2014
لم يكن بعيداً عن القصص والأحاديث التي تتنقل بين كبار في السن في ذالك الحين. واليوم وبعد
مرور اثني عشر عاماً، لم يعد السؤال الأهم هو: ماذا حدث في شنكال؟ فقد أصبحت
تفاصيل الجريمة معروفة وموثقة إلى حد كبير. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا
فعلنا نحن بعد ذلك؟ وبصورة أكثر تحديداً: ماذا كان دور المثقف الكوردي الإيزدي في
مواجهة هذه الإبادة؟.
إن وظيفة المثقف لا تبدأ بعد
انتهاء الحروب، ولا تنتهي بكتابة بيان أو مقال عابر. فالمثقف هو حارس الذاكرة
الجماعية، وصاحب المسؤولية الأخلاقية في توثيق الحقيقة، ومواجهة النسيان، وتحويل
المأساة إلى معرفة تحفظ للأجيال القادمة. ولهذا فإن الإبادة الإيزدية لم تكن
امتحاناً للمؤسسات السياسية وحدها، بل كانت أيضاً امتحاناً للثقافة الكوردية
وللنخبة الفكرية.
لا يمكن إنكار أن عدداً من الكتاب
والروائيين والشعراء والباحثين الكورد بذلوا جهوداً مهمة في توثيق المأساة. فقد
صدرت روايات، ودواوين شعر، وأفلام وثائقية، ودراسات أكاديمية، ولوحات تشكيلة كما
جُمعت شهادات ناجين وناجيات، وأسهمت بعض الترجمات في إيصال القضية إلى جمهور أوسع.
وهذه الأعمال تستحق التقدير، لأنها حفظت
جزءًا من الذاكرة من الضياع.
لكن، إذا نظرنا إلى حجم الكارثة،
نجد أن ما أُنجز لايزال أقل بكثير مما تستحقه هذه الإبادة. فما زالت المكتبة الكوردية
تفتقر إلى مشروع ثقافي متكامل يجعل من الإبادة الإيزدية موضوعاً دائماً في
الرواية، والسينما، والمسرح، والدراسات التاريخية، والبحوث الاجتماعية. كما أن عدد
الأعمال التي وصلت إلى اللغات العالمية مايزال محدوداً، مقارنة بأهمية القضية
إنسانياً وتاريخياً، ولعل السؤال الأهم هو: لماذا بقيت هذه الجهود متفرقة؟.
يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل، منها
الانقسام السياسي الكوردي، وضعف المؤسسات الثقافية، وقلة الدعم المخصص للمشاريع
البحثية والأدبية، إضافة إلى انشغال الإعلام بالأحداث اليومية، مما جعل كثيراً من
الأعمال الفردية تنتهي دون أن تتحول إلى مشروع ثقافي مستدام.
ولعل من نتائج هذه العوامل أيضاً
غياب مؤسسة ثقافية أو بحثية مستقلة تتولى توثيق الإبادة بصورة شاملة، من خلال جمع
شهادات الناجين والناجيات، وحفظ الوثائق والصور والأدلة، ودراسة الآثار النفسية
والاجتماعية التي مازال كثير من الناجين يعانون منها حتى اليوم.
إن الإبادة ليست حدثاً ينتهي
بانتهاء القتل، بل تستمر آثارها في الذاكرة، وفي اللغة، وفي هوية المجتمع. ولهذا
فإن توثيقها ليس مسؤولية المؤرخ وحده، بل هو أيضاً مسؤولية الروائي، والشاعر،
والباحث، والمترجم، والفنان، والجامعات، ودور النشر، ووسائل الإعلام. فكل واحد
منهم يمتلك وسيلة مختلفة لحماية الذاكرة من النسيان.
لقد أثبتت تجارب شعوب كثيرة أن
الأدب كان من أهم الوسائل التي حفظت ذاكرة المآسي الكبرى. فكثير من الجرائم
الإنسانية بقيت حاضرة في الوعي العالمي بفضل الرواية والشعر والسينما، بقدر ما
بقيت بفضل الوثائق التاريخية. ولذلك فإن الإبادة الإيزدية تحتاج اليوم إلى مزيد من
الروايات، والسير الذاتية، والمذكرات، والأفلام، والترجمات، حتى تصبح جزءاً من
الذاكرة الإنسانية، لا مجرد حدث محلي.
كما أن مسؤولية المثقف لا تقتصر
على كتابة النصوص، بل تشمل أيضاً بناء وعي نقدي يمنع تكرار المأساة. فالثقافة التي
تكتفي برثاء الضحايا، ولا تبحث في أسباب الكارثة ودروسها، تبقى ثقافة ناقصة. أما
الثقافة التي تحلل، وتوثق، وتنقد، وتعلم الأجيال، فهي التي تسهم في حماية المجتمع
ومستقبله.
بعد اثني عشر عاماً، ينبغي ألا
يكون إحياء ذكرى الإبادة مجرد مناسبة لإلقاء الكلمات أو نشر صور الضحايا، بل فرصة
لمراجعة ما أنجزناه وما أخفقنا فيه. فتكريم الضحايا لا يكون بالبكاء عليهم فقط،
وإنما أيضاً بتحويل ذاكرتهم إلى مشروع ثقافي دائم.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل
نتذكر الإبادة؟ بل: كيف نتذكرها؟ وهل استطعنا أن نحولها إلى جزء من وعينا الثقافي
والأدبي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، ليس فقط مستقبل الذاكرة
الإيزدية، بل أيضاً نضج الثقافة الكوردية وقدرتها على مواجهة التاريخ وصناعة
المستقبل.



