رووداو ديجيتال
دقّت مؤسسة "پَي" (Pay) للتربية والتنمية، في تقريرها الرقابي الخامس حول الدورة
السادسة لبرلمان كوردستان، ناقوس خطر شديد اللهجة بشأن الأوضاع السياسية
والقانونية وبنية الحكم في إقليم كوردستان.
وأكد التقرير، الصادر تحت عنوان "إقليم
كوردستان على حافة الفراغ المؤسساتي" بدعم من "الصندوق الوطني
للديمقراطية" الأميركي (NED)، أنه بعد 34 عاماً على نشوء أول تجربة للحكم الذاتي، يمر إقليم
كوردستان بأخطر مرحلة في تاريخه؛ وهي مرحلة تلاشت فيها شرعية المؤسسات، وأُهمل
فيها الدستور، وباتت القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية حبيسة منطقتين أمنيتين
وسياسيتين.
وشددت المؤسسة على أن الخطر
الداهم الذي يهدد كيان إقليم كوردستان، قبل أن يكون مؤامرة أو تهديداً خارجياً، هو
"فقدان المؤسسات لجدواها وفاعليتها العملية في الداخل"؛ محذرة من أنه ما
لم تُجرَ إصلاحات إنقاذية وجذرية عاجلة، فإن كيان الإقليم سيتراجع من كيان دستوري
قوي نحو كيان ضعيف و"إدارة محلية تابعة كلياً لسلطة بغداد".
إقليم كوردستان.. منجز تاريخي
وأمانة وطنية
يستهل التقرير قراءته في الباب
الأول بمقاربة تاريخية؛ مبيناً أن الكيان الفيدرالي لإقليم كوردستان لم يكن نتاج
تسوية سياسية عابرة أو منحة من أي حكومة في بغداد، بل هو ثمرة أكثر من قرن من
النضال والتضحيات المتواصلة لشعب كوردستان، ونتاج دماء آلاف الشهداء، وعمليات
الأنفال، والقصف الكيمياوي، والانتفاضات، وسنوات السجون والتشريد.
وأوضح التقرير أن شعب كوردستان،
وسعياً وراء حقه في تقرير المصير منذ مطلع القرن العشرين، خاض ثورة الشيخ محمود
الحفيد، وانتفاضات بارزان، وثورة أيلول عام 1961، واتفاقية 11 آذار 1970 التي
شكّلت أول اعتراف رسمي بحقوق الشعب الكوردي. ورغم انتكاسة عام 1975، انطلقت الثورة
الجديدة عام 1976 لتقاوم سياسات التهجير والتعريب، وجرائم الإبادة الجماعية
(الجينوسايد) التي طالت 182 ألف مواطن في الأنفال، ومجزرة القصف الكيمياوي في
حلبجة في 16 آذار 1988.
وذكّر التقرير بأنه عقب انتفاضة
ربيع عام 1991 ونزوح الملايين نحو حدود إيران وتركيا، أصدر مجلس الأمن الدولي
قراره رقم (688) وفرض منطقة حظر الطيران. وعقب انسحاب مؤسسات نظام البعث في خريف
1991 وفرض الحصار الاقتصادي المزدوج (الدولي وحصار البعث)، اتخذت القيادة السياسية
الكوردية قراراً تاريخياً بملء الفراغ الإداري عبر الديمقراطية والانتخابات؛ حيث
أُجريت أول انتخابات عامة لبرلمان كوردستان في 19 أيار 1992، وعُقدت أولى جلساته
في 4 تموز 1992 لتنبثق عنها حكومة إقليم كوردستان، في تحول حاسم من "الشرعية
الثورية المسلحة" إلى "الشرعية الدستورية والقانونية والمدنية".
من أصل 9 انتخابات مستحقة أُجريت
6 فقط
أشارت مؤسسة "پَي" إلى
أنه وفقاً للتوقيتات القانونية، كان ينبغي إجراء تسع دورات انتخابية عامة بين عامي
1992 و2024 (1992، 1996، 2000، 2004، 2008، 2012، 2016، 2020، 2024)، غير أن
الواقع لم يشهد سوى ست انتخابات فقط (1992، 2005، 2009، 2013، 2018، و2024)، وهو
ما يثبت أن "التراجع وتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية بات عرفاً سائداً في
إقليم كوردستان".
وشدد التقرير على أن
"التضحيات التاريخية لا يجوز اتخاذها ذريعة لاحتكار السلطة المطلقة، أو تأجيل
الانتخابات، أو تقويض مبدأ المساءلة؛ فالشهداء لم يضحوا بأرواحهم لتستولي الأحزاب
على مقدرات الإقليم، بل بذلوا دماءهم لكي ينعم شعب كوردستان بالحرية وسيادة
القانون".
المكانة الدستورية لإقليم
كوردستان في الدستور العراقي
سلط الباب الثاني من التقرير
الضوء على الوضع القانوني للإقليم في الدستور العراقي الدائم لعام 2005، موضحاً أن
مكانة الإقليم ليست هبة من بغداد، بل هو كيان اتحادي معترف به بنصوص دستورية صريحة
ضمن عدة مواد محورية:
-الفيدرالية أساس الدولة
(الديباجة والمادة 1): ربطت الديباجة وحدة العراق بالالتزام بالدستور، كما نصت
المادة (1) على أن العراق دولة اتحادية برلمانية ديمقراطية متعددة القوميات
والأديان.
-الاعتراف الصريح بسلطات الإقليم
(المادة 117): يقر الدستور بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة كإقليم فيدرالي، وهو
اعتراف ذو أهمية تاريخية يكرّس واقع الإقليم لما قبل عام 2003.
-الصلاحيات الحصرية والمتبقية
(المادة 115): تعد من أقوى المواد؛ إذ تنص على أن كل صلاحية لم يُنص عليها صراحة
في الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية (المادة 110) تعود لسلطة الإقليم، كما
تُمنح الأولوية لقانون الإقليم عند الخلاف في الصلاحيات المشتركة (المادة 114).
-نفاذ وسريان قوانين الإقليم
(المادة 141): أضفى الدستور الشرعية على مجمل القوانين والقرارات والعقود
والإجراءات الصادرة في الإقليم منذ عام 1992، ما لم تُعدل أو تُلغَ من قِبل السلطة
المختصة في الإقليم، وبشرط عدم تعارضها مع الدستور.
-السلطات الثلاث وقوى الأمن
الداخلي (المادة 121): كفل الدستور للإقليم الحق الكامل في ممارسة السلطات
التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحق وضع دستور خاص به (المادة 120)، وتنظيم قوى
الأمن الداخلي من شرطة وأمن وحرس الإقليم.
-تحصين الصلاحيات من التعديل
(المادة 126/ رابعاً): لا يجوز تقليص صلاحيات الإقليم في الدستور الاتحادي إلا
بموافقة برلمان كوردستان واستفتاء أغلبية شعب الإقليم.
التناقض بين الحقوق الدستورية
والهشاشة الداخلية
يتساءل التقرير: "على الرغم
من كل هذه الضمانات والصلاحيات الدستورية الصلبة، لماذا تتراجع مكانة الإقليم
وتضعف أمام بغداد يوماً بعد يوم؟".
ويجيب التقرير بأن "الحقوق
الدستورية لا يمكن حمايتها بغياب مؤسسات قوية وفاعلة؛ فعندما يُعطّل الإقليم برلمانه،
ويُبقي المناصب العليا بإدارة تصريف الأعمال، ويعجز عن صياغة دستوره، وتتسم
إيراداته بالغموض وغياب الشفافية، تستغل السلطة المركزية في بغداد هذه الثغرات
ومواطن الضعف للتدخل المباشر في تفاصيل الصلاحيات الفيدرالية للإقليم".
دستور إقليم كوردستان.. استحقاق
وواجب معطّل
أفرد الباب الثالث مساحة واسعة
لغياب دستور خاص بإقليم كوردستان؛ مشيراً إلى أنه رغم مرور أكثر من 21 عاماً على
إقرار الدستور العراقي والمادة (120) منه، لا يزال الإقليم بلا دستور يحدد بوصلته.
لماذا يحتاج الإقليم إلى دستور؟
وفقاً للتقرير، تبرز الحاجة
للدستور من أجل:
-حسم شكل نظام الحكم (برلماني،
رئاسي، أم مختلط).
-رسم حدود وصلاحيات رئيس الإقليم،
والبرلمان، والحكومة.
-الفصل التام والمطلق بين السلطات
وضمان استقلال القضاء.
-تقييد صلاحيات حكومة تصريف
الأعمال لمنع التمادي في استخدام السلطة بلا رقيب.
-إنهاء قبضة الأحزاب وسيطرتها على
القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
-حماية حقوق المكونات الدينية
والقومية بعدالة (التركمان، الكلدان، السريان، الآشوريين، الأرمن، الإيزديين،
الكاكائيين، والمسيحيين).
إخفاق المساعي السابقة
استعرض التقرير المحطات التاريخية
لمشاريع الدستور:
-قبل 2003: صيغت مسودة بالقرار
رقم 22 لسنة 2001 ثم القرار رقم 37 لسنة 2002 خلال الدورة البرلمانية الأولى.
-عام 2009: تشكلت لجنة بموجب
القرار رقم 5 في 8 أيلول 2005، وصُوّت على مسودة الدستور في 24 حزيران 2009
بأغلبية 97 نائباً لطرحها للاستفتاء، غير أن الضغوط الخارجية (تركيا) واعتراضات
المعارضة الداخلية (حركة التغيير، الجماعة الإسلامية، الاتحاد الإسلامي، وجناح
داخل الاتحاد الوطني) حالت دون إجراء الاستفتاء.
-عام 2013: في أواخر الدورة
الثالثة (30 حزيران 2013)، مرر الحزبان (الديمقراطي والاتحاد) اتفاقاً سياسياً
خارج البرلمان مددا بموجبه ولاية رئاسة الإقليم لعامين وسط أجواء مشحونة، شريطة
إعادة صياغة الدستور بالتوافق.
-عام 2015: تشكلت لجنة من 21
عضواً بموجب القانون رقم 4 لسنة 2015، لكن تعطيل عمل البرلمان في 12 تشرين الأول
2015 نسف العملية برمتها.
الدورتان الخامسة والسادسة لم
تشهدا اتخاذ أي خطوة عملية لإقرار الدستور.
وتؤكد مؤسسة "پَي" أن
غياب الدستور لم يكن يوماً بسبب نقص الخبرات أو النصوص القانونية، بل نتيجة
"الخلافات الحزبية العقيمة حول تقاسم السلطة والمناصب".
أزمة شرعية المؤسسات وتآكلها
كشف الباب الرابع عن أعماق الخلل
الإداري والرقابي الذي يضرب مفاصل السلطة:
برلمان كوردستان.. تعطل مستمر
انتهت المدة القانونية للدورة
الخامسة في 6 تشرين الثاني 2022، وقضت المحكمة الاتحادية العليا في 30 أيار 2023
بعدم دستورية التمديد وإلغائه. وبعد تأخير دام عامين، أُجريت انتخابات الدورة
السادسة في 20 تشرين الأول 2024، وأدى النواب اليمين في 2 كانون الأول 2024، لكن
الخلافات الحزبية حالت دون انتخاب هيئة الرئاسة واللجان الدائمة حتى الآن، وظلت
الجلسات معلقة، مما عطّل الدور الرقابي والتشريعي وأبقى المناصب العليا في حالة
فراغ.
حكومة الإقليم.. تصريف أعمال طويل
الأمد
قارن التقرير بين مفهوم تصريف
الأعمال في بغداد (المحدد بالنظام الداخلي لمجلس الوزراء وقرار المحكمة الاتحادية
رقم 89/اتحادية/2022 الذي يمنع القرارات الاستراتيجية وإرسال القوانين والعقود
الكبرى)، وبين غيابه التام تشريعياً ودستورياً في إقليم كوردستان.
نالت الكابينة التاسعة الثقة في
10 تموز 2019 وانتهت ولايتها الدستورية في تموز 2023؛ لتمارس مهامها منذ عامين
كحكومة تصريف أعمال لكن بصلاحيات حكومة كاملة الصلاحيات، مما زعزع ثقة المستثمرين
وخلق هوة رقابية واسعة.
مجالس المحافظات.. 12 عاماً بلا
تجديد
أُجريت آخر انتخابات لمجالس
المحافظات في 30 نيسان 2014، وقضت المحكمة الاتحادية في أيلول 2023 بعدم دستورية
استمرارها، ما حرم محافظات الإقليم من الرقابة المحلية والمجالس المنتخبة.
الهيئات المستقلة.. مناصب منتهية
الصلاحية
تعيش الهيئات الأربع الكبرى
فراغاً قانونياً صارخاً:
-هيئة النزاهة: انتُخب رئيسها في
13 أيار 2013 وانتهت ولايته (4 سنوات) منذ 28 أيار 2017، ولا يزال في منصبه.
-ديوان الرقابة المالية: أُحيل
رئيسه للتقاعد في 2 أيار 2023، ويُدار الديوان مذاك دون رئيس رسمي.
-المفوضية العليا المستقلة للانتخابات
والاستفتاء: انتهت ولاية مجلس المفوضين في 23 كانون الأول 2019، وألغت المحكمة
الاتحادية محاولة البرلمان لتفعيلها في 22 أيار 2023.
-الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان:
انتهت الولاية القانونية لرئيستها في 20 حزيران 2025.
السلطة القضائية والنقابات
انتقد التقرير تمديد الخدمة
القضائية لرئيس مجلس القضاء بالقرار (1-1-269) الصادر في 19 أيار 2026 دون معايير
شفافة، فضلاً عن وجود عشرات النقابات والاتحادات المهنية التي لم تعقد مؤتمراتها
العامة لتجديد شرعيتها منذ سنوات طوال.
توزيع المسؤوليات والواجبات:
-رئاسة الإقليم: النأي بالنفس عن
التجاذبات الحزبية والمبادرة بعقد مؤتمر وطني طارئ.
-الأحزاب السياسية: الإقرار بأن
الحزب ليس أكبر من الوطن والتخلي عن الهيمنة العسكرية.
-البرلمانيون: حضور الجلسات واجب
دستوري وأخلاقي؛ ومقاطعة الجلسات امتثالاً لأوامر الحزب حنث باليمين.
-حكومة الإقليم: الالتزام بحدود
تصريف الأعمال ونشر بيانات النفط والإيرادات غير النفطية بشفافية.
-السلطة القضائية: حماية استقلال
القضاة من التدخلات الحزبية وتأسيس المحكمة الدستورية للإقليم.
-الهيئات المستقلة: كسر حاجز
الصمت وإطلاع الرأي العام على تقارير الفساد والانتهاكات دورياً.
-المجتمع المدني والإعلام: التحول
إلى الرقابة الموثقة وصياغة مقترحات القوانين، وفصل الخبر عن الدعاية الحزبية
ومكافحة خطاب الكراهية.
-الجامعات ومراكز البحوث: تقديم
أوراق ومشاريع أكاديمية لكتابة الدستور والإصلاح الشامل.
-الحكومة الاتحادية والتحالف
الدولي: لا يجوز لبغداد استغلال هشاشة الإقليم لفرض المركزية، وعلى التحالف الدولي
ربط المساعدات بإجراءات دمج وتوحيد حقيقية وملموسة.
القوات المسلحة والأمنية.. سلطتان
داخل كيان واحد
أوضح الباب الخامس أنه بعد 34
عاماً، لا تزال قوات البيشمركة، والآسايش، والشرطة، والزيرفاني، وقوات الدفاع
والطوارئ، والأجهزة الاستخباراتية خاضعة للاستقطاب ونفوذ الحزبين: الديمقراطي في
أربيل ودهوك، والاتحاد الوطني في السليمانية وحلبجة.
البيشمركة.. جيش نظامي أم حرس
إقليم؟
يضع التقرير قادة الإقليم أمام
خيارين دستوريين لتحديد هوية البيشمركة:
-الخيار الأول (جيش): إن أراد
الإقليم اعتبارها جزءاً من منظومة الدفاع الوطني العامة، فيجب إخضاعها للمادة
(110/ ثانياً) تحت مظلة الدفاع الفيدرالي ووزارة الدفاع العراقية.
-الخيار الثاني (حرس إقليم): إن
أراد الإبقاء عليها كقوة خاصة بالإقليم، فإن المادة (121/ خامساً) لا تعترف سوى بـ
"حرس الإقليم والشرطة والأمن"، ما يوجب إعادة هيكلتها ودمجها كلياً ضمن
وزارة داخلية الإقليم تحت قيادة مدنية.
ويرى التقرير أن الإقليم لم يطبق
أياً من الخيارين، بل أبقى القوات في حالة انقسام وتشتت حزبي.
كما أشار التقرير إلى أن الدستور
الاتحادي (المادتان 84 و9/ أولاً-د) ينص على وجود جهاز مخابرات وطني اتحادي موحد
يخضع للرقابة المدنية والبرلمانية، في حين يمتلك الإقليم جهازين حزبيين محضين
(الباراستن والزانياري) يعملان دون غطاء قانوني منظم لحدودهما وصلاحياتهما.
لماذا يُعد دمج 21 أيلول 2026
شكلياً؟
بيّن التقرير أن إعلان إعادة
توحيد قيادتي المنطقتين 1 و2 (الوحدتين 70 و80) تحت مظلة وزارة البيشمركة في 21
أيلول 2026 بحضور رئيسي الإقليم والحكومة ظل "إجراءً إدارياً وشكلياً"
اقتصر على الرواتب والتدريب والزي الموحد، ولم يرقَ إلى "التوحيد العملياتي
الفعلي" الذي يتطلب إنهاء سلسلة الأوامر الحزبية ونقل الترسانة والمقرات
فعلياً لسلطة الوزارة وقطع الصلة بالمكاتب السياسية، مستشهداً بانتقادات رئيس
الإقليم نيجيرفان بارزاني في 14 أيار 2026 لغياب الإرادة السياسية الحقيقية.
ووضعت المؤسسة "10 أسئلة
اختبارية" للتحقق من مصداقية توحيد القوات خلال الأشهر الـ12 المقبلة، تشمل:
التبعية الفعلية للمقرات والمخازن، وآليات تعيين القادة، والتسجيل البايومتري
الشامل، وإنهاء التوجيه الحزبي المباشر، وتفعيل غرفة العمليات المشتركة، وإخضاع
موازنة التسليح لرقابة البرلمان، والتحقيق في الانتهاكات الحقوقية، وتوحيد إدارتي
الآسايش والمخابرات بوثائق تنازل رسمية ومكتوبة من الحزبين.
الانحدار الاقتصادي والمالي
بالاستناد إلى تقارير البنك
الدولي، أثبت التقرير كيف أفضى الفراغ المؤسساتي إلى تجريد الإقليم من استقلاله
المالي؛ فعقب قرار هيئة التحكيم الدولية في باريس وتعليق تصدير النفط المستقل،
تحول الإقليم من كيان مصدّر ومسوق للنفط إلى كيان يترقب التمويل والسيولة الشهرية
من بغداد.
وفرضت قوانين الموازنة الاتحادية
لأعوام (2023، 2024، 2025 و2026) شروطاً قاسية سلّمت بموجبها ملف النفط لشركة
"سومو"، وأخضعت الإيرادات غير النفطية لتدقيق ديوان الرقابة المالية
الاتحادي. وأدى هذا الواقع إلى تحول بوصلة الموظف في كوردستان من حكومته المحلية
إلى قرارات وزارة المالية الاتحادية في بغداد لتأمين راتبه، وهو ما وصفه التقرير
بـ "انهيار الشعور بالانتماء والمواطنة تجاه كيان إقليم كوردستان".
تداعيات استمرار الأزمة
والسيناريوهات الخمسة
حذرت مؤسسة "پَي" من أن
استمرار هذا التآكل المؤسساتي والانقسام يهدد مكانة الإقليم بمخاطر جسيمة:
-إضعاف الموقف التفاوضي: يتيح
الانقسام الكوردي لبغداد توظيف أوراق الضغط المالية والقرارات القضائية لتقليص
سلطات الإقليم الفيدرالية.
-تفكيك الكيان عبر التعامل
المباشر: تزايد احتمالات لجوء بغداد للتعامل المنفرد والمباشر مع المحافظات أو
الأجهزة الأمنية بمعزل عن أربيل، مما يهدد وحدة الإقليم الجغرافية والسياسية.
-انحسار الدعم الدولي: التحالف
الدولي لن يستمر في مساعدة قوات حزبية مشتتة، وسيعمد إما لوقف الدعم أو حصره عبر
القنوات الرسمية في بغداد.
-اليأس الجماهيري وهجرة الشباب:
أدى انقطاع الرواتب وتفشي البطالة وضبابية الأفق إلى موجات هجرة متصاعدة للجيل
الشاب نحو الخارج.
السيناريوهات الخمسة للمستقبل:
-السيناريو الأول (بقاء الوضع
الراهن): استمرار حكومة تصريف الأعمال، وعجز البرلمان، وتراكم الأزمات.
-السيناريو الثاني (التفريغ
التدريجي): توسيع سيطرة بغداد المالية والنفطية، وبقاء اسم الإقليم شكلياً مع
تجريده التام من الصلاحيات الفيدرالية.
-السيناريو الثالث (ترسيخ
الإدارتين): تكريس إدارة كل منطقة لنفوذها وأجهزتها ومواردها بشكل منفصل وغير معلن.
-السيناريو الرابع (الانفجار
الأمني): تحول الصراع السياسي حول الموارد والمناطق إلى احتكاك عسكري مسلح ومحدود.
-السيناريو الخامس (الإصلاح
والإنقاذ العاجل): تفعيل البرلمان، وتشكيل الحكومة، وإقرار الدستور، وتوحيد القوات
المسلحة دمجاً حقيقياً؛ وهو السيناريو الوحيد الكفيل بإنقاذ الإقليم.
خارطة طريق للحل: "حزمة
شاملة وملزمة"
طرحت مؤسسة "پَي" في
ختام تقريرها خارطة طريق عملية محددة زمنياً لتجاوز الانسداد الراهن عبر ثلاث
مراحل:
1-مرحلة الإنقاذ العاجل (خلال 30
يوماً):
انعقاد فوري لبرلمان كوردستان،
وانتخاب هيئة الرئاسة، وتشكيل اللجان الدائمة وفق الإجراءات النيابية بعيداً عن
الصفقات السرية.
إصدار قرار برلماني باستئناف
كتابة دستور الإقليم وتشكيل الهيئة العليا الخاصة به.
نشر الحكومة لتقرير مالي شفاف
ومفصل يشمل مبيعات النفط، والإيرادات الداخلية، والإنفاق، والديون.
إعلان قرار وطني ملزم من الرئاسة
والأحزاب برفع اليد الحزبية كلياً عن البيشمركة والمؤسسات الأمنية.
2-مرحلة المأسسة والتثبيت (خلال
60 إلى 90 يوماً):
تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة
ببرنامج إصلاحي وطني وعرضها على البرلمان لنيل الثقة.
تعديل قانون انتخابات مجالس
المحافظات وتحديد سقف زمني ملزم لإجرائها.
اعتماد جدول زمني قطعي وملزم
لإنهاء دمج قوات 70 و80 وتوحيد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
إطلاق النظام الإلكتروني الموحد
للإيرادات والخزينة تحت إشراف ديوان الرقابة المالية.
3-مرحلة الإصلاح الجذري الشامل
(خلال 6 إلى 12 شهراً):
إنجاز مسودة دستور إقليم
كوردستان، وإقرارها نيابياً، وعرضها على الاستفتاء الشعبي العام.
إجراء انتخابات مجالس المحافظات
المعطلة.
الحل النهائي والشامل لمسميات
الوحدتين (70 و80) ودمج الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ضمن مؤسسة وطنية موحدة.
تشريع قانون صارم يُجرّم تشكيل أي
فصائل مسلحة خارج إطار الدولة، ويعتبر تلقي الأوامر العسكرية من المقرات الحزبية
خيانة وجريمة كبرى.
"مسؤولية تاريخية مشتركة"
اختتمت مؤسسة "پَي"
تقريرها برسالة وجهتها لكافة الأطراف:
"إن كيان إقليم كوردستان
أمانة وطنية؛ وحمايته لا تتم عبر تبادل الاتهامات والتنصل من الواجبات، بل بالنهوض
بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الرئاسة، والبرلمان، والحكومة، والقضاء،
والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، وجموع المواطنين. لقد آن الأوان للانتقال الحاسم
من نمط الحكم الحزبي إلى فضاء الحكم الدستوري والمؤسساتي الرشيد، قبل أن يداهمنا
التاريخ وتضيع منا الفرصة الأخيرة".

