رووداو ديجيتال
حتى الأيام
الاخيرة في حياة الرئيس العراقي الأسبق، جلال طالباني، مؤسس وزعيم الاتحاد الوطني
الكوردستاني، كان يشدد على أهمية الحفاظ على الاتفاق الاستراتيجي مع الحزب
الديمقراطي الكوردستاني بزعامة الرئيس مسعود بارزاني، وأن "الحفاظ على
مكتسبات الثورة الكوردية يأتي من الحفاظ على العلاقات القوية بين الاتحاد الوطني
الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني".
بمناسبة مرور تسع
سنوات على رحيل مام جلال، كما كان يحب أن يعرف أو كما أطلق عليه رفاقه والشعب
الكوردي، يستذكر رفيقه وأحد المقربين منه، عدنان المفتي، الرئيس الأسبق لبرلمان إقليم
كوردستان، والقيادي في الاتحاد الوطني الكوردستاني، آخر وصايا مام جلال التي تهم
الشعب الكوردي وإقليم كوردستان.
في مذكراته "ملفات
عدنان المفتي"، التي سبق أن عرضتها رووداو على شكل حلقات فيديو، ونشرتها
مكتوبة على صفحات رووداو عربية، المفتي رداً على سؤالنا: كان الرئيس الراحل جلال
طالباني، قد التقى بكم في مقر الاتحاد في أربيل، قبل رحلته العلاجية، وشدد على
قيادات الاتحاد، الحرص على علاقة الاتحاد بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، معتبراً
الاتفاقية الاستراتيجية، هي ضمان استقرار إقليم كوردستان والقضية الكوردية.. ترى
هل حافظت قيادات الاتحاد الجديدة على تنفيذ هذه الوصية؟. يؤكد في رده قائلاً: "هذا
الكلام صحيح، كان هذا آخر لقاء، حيث جاء إلى أربيل لحضور مجلس أربعينية عمي شمس
الدين، وألقى كلمة، وقبل عودته إلى بغداد، اجتمع بالمكتب السياسي للاتحاد الوطني،
وكأنه كان يتنبأ بحدث معين، قال ربما لم نلتق قريباً لكنني أقول لكم، يجب الحفاظ
على مكتسبات الشعب الكوردي والديمقراطية الموجودة، وهذه أمانة في رقابكم، وهذا لا
يمكن أن نحققه وحدنا، كاتحاد وطني، بل هذا يعتمد على العلاقة بين الاتحاد الوطني
الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، وكذلك مع كل الأطراف الأخرى، بما فيها
حركة التغيير (گۆران)، التي نشأت على
حساب الاتحاد الوطني، ون الحفاظ على هذه المكتسباتك مرهون بهذه العلاقة فحافظوا
عليها، وخذوا نصيحة مني، إذا وقف أي شخص ضد هذا التوجه، فأنا أعتبره يسيء للشعب
الكوردي، وإلى تاريخه والمكتسبات التي تحققت، ويمكن أن تؤدي إلى خطر كبير على هذه
المكتسبات الديمقراطية والبرلمان ورفاهية الشعب.. هذا ما قاله مام جلال للمكتب
السياسي للاتحاد".

ولكن هل التزم
الاتحاد بهذه الوصايا؟. يقول المفتي: "الذين كانوا موجودين في هذا الاجتماع، كانوا
قريبين من مام جلال، وعاشوا تجربته نفسها، وأدركوا أنه لا مستقبل للشعب الكوردي
سوى التفاهم والاتفاق بين الحزبين، لكنّ هناك آخرين خاصة من جيل الشباب الذي لا يزال
قسم منهم يعاني آثار الاقتتال الداخلي، ولا يستطيع أن ينسى ما حصل له ولعائلته،
وليس من السهل أن تقنع الناس بالنصائح، لأن كل واحد عنده دواخله وجوانبه السلبية..
هناك من كان يعتقد أن مام جلال يساوم على حساب تضحياتهم، مع أني على يقين بأن مام
جلال هو المسؤول الأول عن التيار الذي يسمى الجلالية، والمكتب السياسي، قبل
الاتحاد الوطني الكوردستاني، وهو وصل إلى هذه القناعة، والمفروض أن نستمع له
ولتجربته. أنا تجربتي أقل منه، وهناك من تجربته أقل مني.. لكنني أؤكد أن الزمن هو أكبر
معلم.. وإن لم يغيره الزمن فمن الصعب تغييره.. مثل مراهق ووالده ينصحه باستمرار،
ولا تنفع معه النصائح، سابقاً كنا نقول إلا إذا راح للعسكرية سنتين ويصحو الفجر
ويمارس التمارين العسكرية القاسية، وقتذاك سوف يتذكر نصائح والده".
ويُحمّل المفتي
اتفاقية الجزائر عام 1975، التي عقدها صدام حسين مع شاه إيران، مسؤولية إلحاق الأذى
بالثورة الكوردية وبالكورد، يقول: "لقد تركت اتفاقية الجزائر آثارها السلبية
حتى على تحالفات وعلاقات الأحزاب الكوردية، خاصة بين الحزبين الرئيسين، الديمقراطي
الكوردستاني بزعامة ملا مصطفى بارزاني، الذي انشق عنه جلال طالباني وأسس الاتحاد
الوطني الكوردستاني، ونشبت بينهم خلافات خَطِرة أدت إلى الاقتتال فيما بينهم.. بعد
سنوات طويلة يوصي طالباني أعضاء المكتب السياسي للاتحاد، وفي آخر لقاء له معهم، وكأنها
كانت وصية الوداع، قائلاً لهم: "يجب الحفاظ على مكتسبات الشعب الكوردي
والديمقراطية الموجودة، وهذه أمانة في رقابكم، وهذا لا يمكن أن نحققه وحدنا كاتحاد
وطني، بل هذا يعتمد على العلاقة بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي
الكوردستاني.. وخذوا نصيحة مني إن وقف أي شخص ضد هذا التوجه فأنا اعتبره يسيء إلى
الشعب الكوردي وإلى تاريخه والمكتسبات التي تحققت".

ولكن هل يدفعنا الوضع
السياسي السائد حالياً لأن نقول إن السياسيين الشباب اليوم اكتسبوا دروساً وتجارب..
الخلافات ما زالت قائمة؟. يعلق المفتي في رده عن هذا السؤال قائلا: "أنا
دائماً أقول إن الإنسان يكتسب تجاربه مع مرور السنين.. لا يمكن أن تقنع شاباً عمره
30 سنة بتجربتك إلا إذا مر بها هو نفسه، لكن المأساة هي أن الإنسان إذا مر بتجارب
ويقيم نفسه يكون شبه منتهٍ من العمل السياسي، فليس من السهل أن ينقل هذه التجربة إلى
الجيل الجديد، ويقول لهم هذه تجربتي خلال الخمسين سنة الماضية، استفيدوا منها.. حتى
لو حاولوا ذلك، فستكون استفادة جزئية لأنها سوف تصطدم بتطلعات الجيل الجديد وحبهم
للسلطة والمال، وهما صفتان للوضع حالياً في إقليم كوردستان وفي العراق كله.. عندما
تتكلم اليوم مع الجيل الجديد من القيادات، مع أنهم يحترمونك، لكن في داخلهم ربما
يضحكون ويعتبرون أنفسهم هم الأكثر ذكاءً، حتى تمر سنوات طويلة للأسف ويصطدمون
بالنتائج.. هذا حصل في الماضي أيضاً.. لهذا نرى بعد كل تجربة مريرة يعقبها هدوء
ومرحلة بنفسجية في العلاقات، وكل واحد يمتدح الآخر. لهذا أنا اتصور أننا بحاجة إلى
التقييم، والشعب الكوردي بحاجة لأن يحافظ على تاريخه الإيجابي، وليس كل التاريخ
الكوردي إيجابي". مستطرداً بقوله: "المشكلة بالثقافة السائدة، لا بالشعب..
من هو الشعب؟ نحن جزء من الشعب، لكن الثقافة السائدة هي التي تحدد ملامح الشعب في أي
مرحلة، تجد شعباً ذا ثقافة عالية متسامحة، وروح التسامح هذه تسود بين الشعب،
وتتكون أحسن العلاقات بينهم، وأحيانا تجد العكس، عندما تُشوه الثقافة وتدخل
الكراهية والحقد تجد أن الشعب ينحاز إلى توجهات خطِرة".



