رووداو ديجيتال
أمضى القسس فيليب خوري نصف حياته في غرف الكنائس المظلمة، في نضال تطوعي سري لإنقاذ اللغة السريانية من الضياع والاندثار، بعدما حاصرتها القيود التي فرضتها الحكومات العراقية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي على المسيحيين في كوردستان والعراق، فبقيت السريانية لغة للصلاة والحديث الهامس داخل المنازل فقط.
يقول القس فيليب خوري: "في سرسنك كان هناك القسيس عوديشو، وفي ديرلوك كنت أنا، وفي دهوك كان القسس دانيال. وفي منطقة برواري، قبل التهجير، كان القسس سركوند الذي علّم عدداً كبيراً من الأطفال اللغة السريانية، وتخرّج على يديه عدد كبير من المعلمين".
كانت تلك الدروس تُعطى في الخفاء، بعيداً عن أعين السلطة، لأن الحكومة، كما يقول خوري، "لم تكن تسمح بذلك، كانت الحكومة ضد لغتنا وعقيدتنا".
مدير إعدادية نصيبين، زيا يوحنا، يصف تلك المرحلة قائلاً: "في السابق، لم يجرؤ أحد على التحدث باللغة السريانية، ولم يجرؤ أحد على القول أنا آشوري، حتى لو قلنا إننا آشوريون، كانوا يسجلوننا كعرب".
أما مدير التعليم السرياني، صباح أنتوني، فيشير إلى أن قرار تدريس اللغة السريانية عامي 1972 و1973 لم يكن حقيقياً، معتبراً أن ذلك القرار "كان للدعاية والإعلان فقط".
بعد تهجيرهم من قراهم في عهد حكومة صدام، واصل القسس فيليب خوري تدريس اللغة والدين في ديرلوك. ويقول عن ثمار تلك المرحلة: "من بين الطلاب الذين علّمتهم، تخرج 65 معلماً ومحاضراً".
شهد عام 1992 تحولاً كبيراً في حياة مسيحيي إقليم كوردستان، بعد انتخاب برلمان كوردستان لأول مرة، وإقرار قانون التربية رقم 4، الذي سمح لجميع القوميات بالدراسة بلغتها الأم. ومع دخول القانون حيز التنفيذ، انتقل عدد من الطلبة من الدراسة بالعربية إلى الدراسة بلغتهم الأم.
أنليل إسحق، مدير مدرسة 1 نيسان، كان في الصف الثاني المتوسط حين اختار الدراسة بالسريانية رغم عدم معرفته بحروفها. يقول: "أُتيحت لنا الدراسة بالكوردية والسريانية، وكان علينا أن نختار إما الكوردية أو السريانية، فلم تعد العربية إلزامية. اخترت لغتي الأم وبدأت بالدراسة السريانية".
يؤكد فيليب خوري أن الكنيسة كانت سبباً في إحياء اللغة السريانية، "أي أنها أصبحت حجر الأساس للغة السريانية في المدارس، لأن المعلمين تعلموا اللغة السريانية في الكنيسة".
48 مدرسة تدرّس باللغة السريانية
اليوم، يدرس آلاف الطلاب المسيحيين بلغتهم الأم، بعدما كانت السريانية محصورة في الكنائس والبيوت. يوجد في إقليم كوردستان 48 مدرسة تدرّس باللغة السريانية، بينها 24 مدرسة تُدرّس جميع مناهجها بالسريانية باستثناء مواد اللغة الكوردية والعربية والإنكليزية، و24 مدرسة أخرى تدرّس الأدب والقواعد والدين باللغة السريانية.
تتركز معظم المدارس السريانية في محافظة دهوك، حيث توجد 32 مدرسة، 29 منها تدرّس جميع مناهجها باللغة السريانية. أما في أربيل، فتوجد 16 مدرسة، اثنتان منها فقط تدرّسان جميع المناهج بالسريانية.
رغم هذا التطور، لا تزال هناك عقبات أمام افتتاح مدارس سريانية في مناطق أخرى، خصوصاً السليمانية، حيث يقول مدير التعليم السرياني صباح أنتوني إن مسيحيي السليمانية "متفرقون ولا يقطنون في منطقة واحدة، وهذا يخلق بعض العقبات للطالب والمدرسة".
أنتج هذا الواقع جيلين مختلفين بين مسيحيي كوردستان: جيل لم يتعلم السريانية في المدارس، ولا يعرف القراءة والكتابة بها، وجيل جديد تعلمها منذ رياض الأطفال والمدارس.
في 6 كانون الأول 2016، افتُتح قسم اللغة السريانية في كلية التربية بجامعة صلاح الدين، في خطوة عُدت تاريخية بالنسبة لمسيحيي إقليم كوردستان، لأنها المرة الأولى التي يُفتتح فيها قسم خاص بلغة وثقافة وأدب السريان على مستوى جامعات العراق والإقليم.
رئيسة قسم اللغة السريانية في جامعة صلاح الدين، الدكتورة كوثر نجيب، تقول: "في السنة الأولى، كان لدينا 20 طالباً. هؤلا الطلاب العشرون كانوا يأتون من أربيل ودهوك. كانوا بالفعل 20 طالباً، 10 من أربيل و10 من دهوك".
وتضيف: "كانت هناك محاولات لأكثر من 10 سنوات لفتح هذا القسم، لكن لم يكن ذلك ممكناً بسبب نقص المعلمين والكوادر المتخصصة. عندما تحقق هذا، كان كالحلم الذي أصبح حقيقة".
لاحقاً، بدأ طلاب من خارج إقليم كوردستان، خصوصاً من سهل نينوى وبلدة بغديدا، الالتحاق بالقسم. وتقول كوثر نجيب: "لدينا الآن، أكثر من نصف طلابنا يأتون من سهل نينوى، خاصة من بلدة بغديدا".
إزدهار الثقافة السريانية
إلى جانب التعليم، شهدت الثقافة السريانية ازدهاراً واسعاً في إقليم كوردستان. فاليوم لدى المسيحيين في الإقليم 12 مجلة ومنشوراً ورقياً، و4 محطات إذاعية، و3 قنوات تلفزيونية، و32 منظمة ثقافية واجتماعية، إضافة إلى 8 أحزاب سياسية تمارس عملها بحرية.
ويقول نائب رئيس اتحاد الأدباء والكتاب السريان، أكد مراد، إن "تأسيس أول عمل ناجح للثقافة السريانية بدأ من كوردستان".
في المقابل، يتحدث فيليب خوري عن واقع الثقافة السريانية في بغداد سابقاً، قائلاً: "كانت هناك ثقافة سريانية في بغداد، ووجدت عدة مراكز ثقافية، لكنها كانت أيضاً تحت سيطرتهم. من كان مسؤولاً عنها؟ كان المسؤولون عنها من البعثيين. كل ما كانوا يفعلونه كان تحت المراقبة، وحتى الكنائس كانت تحت المراقبة".
أما سمير بويا، سكرتير المركز الأكاديمي الاجتماعي، فيقول إن مثقفين سريان تعرضوا للاعتقال بسبب كتاباتهم، مضيفاً: "لم يكونوا يستطيعون الكتابة بحرية إلا في سياق يمدح الدولة ويثني على الحكومة وصدام".
رغم استمرار التعليم السرياني في إقليم كوردستان، لا توجد في مناطق وسط وجنوب العراق أي مدرسة تدرّس جميع مناهجها باللغة السريانية. وكان ذلك، سبباً رئيسياً لهجرة عائلة فاتن فيضي، معلمة، من الموصل إلى محافظة دهوك، حيث أصبحت اليوم معلمة في مدرسة سريانية.
تقول فاتن فيضي: "أنا أعلم وأنتم تعلمون أنه لا يوجد في الموصل تعليم باللغة الكوردية أو السريانية، أي أن المدارس لا تدرّس لا الكوردية ولا السريانية. كانت دراستي كلها باللغة العربية".
ويؤكد فيليب خوري أن الحكومة العراقية سمحت بعد عام 2003 بالتعليم السرياني، لكن بشكل محدود، قائلاً: "لم تسمح بتدريس جميع المواد باللغة السريانية، وقالت لا، فقط مادتا الدين واللغة السريانية تدرّسان بالسريانية، والباقي يدرّس بالعربية".
من التعليم السري إلى المدارس والجامعات والقنوات والمؤسسات الثقافية، تحولت السريانية في إقليم كوردستان من لغة محاصرة داخل الكنائس والبيوت إلى لغة تعليم وسياسة وحياة يومية للمسيحيين.


