رووداو ديجيتال
يبدأ صباح بغداد ساخناً، ومع مرور الساعات يصبح الجو أكثر سخونة حتى ساعات الليل الأولى، ومعه تسخن الأحاديث عن السياسة، والمعروف أن العراقيين مولعون بالتحاليل السياسية وتفسير الأمور، كل حسب وجهة نظره. "الأحداث التي مررنا بها منذ عقود جعلتنا هكذا، ولا فرق بين شخص مطلع وقارئ أو عامل قهوة لا يقرأ ولا يكتب"، حسب إيضاح محمد عبد الخالق، مدرس متقاعد، التقيته مصادفة في مقهى الشابندر الشهير بشارع المتنبي، ضمن من التقيتهم مع آخرين تحدثوا لرووداو عن ثقتهم بإجراءات رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، في حملته لمحاربة الفساد.
يقول عبد الخالق في رده عن سؤالنا حول رأيه بحملة الزيدي ضد الفساد: "العراقيون ميالون للإيمان بنظرية المؤامرة، ليس على مستوى سياسي فحسب، بل في كل المجالات الحياتية وحتى الاجتماعية، مع أنهم ينطوون في الوقت ذاته على نيات طيبة، ويتشبثون بآمال عريضة للخلاص من أزماتهم، وأنا أيضاً ميال لهذه النظرية، ولا أجد هذه الحملة جادة، بل هناك أهداف خفية تكمن في تنفيذها غير الجاد"، مضيفاً: "أنا كنت مدرساً للجغرافيا والتاريخ أيضاً لما يقرب من 30 سنة، حتى أُحلت على التقاعد دون رغبتي، بل بسبب بلوغي السن القانونية، وقابلت الكثير من الناس الذين يفسرون أي قرار أو حادثة حسب نظرية المؤامرة أولاً، ثم يتطرفون في تصديق ما سمعوا أو تكذيبه".
كان يضع إلى جانبه على مقعد المقهى كتاب عالم الاجتماع العراقي المعروف علي الوردي "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي". سألته فيما إذا كانت أفكاره مستمدة من مؤلفات الوردي، فقال: "بالتأكيد، فأنا جئت إلى شارع المتنبي اليوم رغم حرارة الجو لأحصل على هذا الكتاب حسب ما وعدني صاحب دار النشر، لكن ما أتحدث فيه عن شخصية الفرد العراقي هو استناداً إلى مؤلفه (شخصية الفرد العراقي) المؤلف عام 1951، الذي تحدث فيه عن التطرف في الآراء عند العراقيين"، مستطرداً بقوله: "ما يجعلني أشكك بحملة محاربة الفساد هو توقف الإجراءات ضد حيتان الفساد الكبيرة، والاقتصار على إلقاء القبض على صغار الفاسدين، وأتمنى أن أكون على خطأ، وأن يمضي الزيدي في إجراءاته الحاسمة ضد الفاسدين الكبار قبل الصغار".

علي الجبوري، سائق سيارة تكسي يسكن حي الأمين في جانب الرصافة من بغداد، بدا متفائلاً بحذر من حملة محاربة الفساد، شارحاً رأيه: "الزيدي يبدو مصمماً على محاربة الفساد، خاصة وأنه مدعوم من قبل ترمب، الرئيس الأميركي، وهذا يمنحه قوة على مواصلة حملته.. أنا فرحت في بداية الحملة عندما تم القبض على بعض البرلمانيين والمسؤولين المتهمين بالفساد، لكنني أنتظر أن تشمل الحملة كبار الفاسدين من رؤساء الوزارات ورؤساء البرلمان والوزراء وغالبية البرلمانيين السابقين والحاليين، لأننا كعراقيين نعرف درجة فسادهم"، يصمت قليلاً ثم يعقب بقوله: "لكن هل سيفعلها الزيدي؟ عند ذاك سيخرج كل العراقيين في مظاهرات مؤيدة له."
خلود عادل، شابة تعمل فاحصة نظر في شارع الكندي بحي الحارثية الراقي بجانب الكرخ، سألتها، بعد أن انتهت من فحص نظري لتغيير عدسات نظارتي، ذات السؤال عن ثقتها بإجراءات الزيدي بمحاربة الفساد، فابتسمت وقالت: "أنا لا أهتم بالسياسة، وهذا لا يعني أنني لا أفهم بها، ولا أريد التحدث بها." قلت: "لكن موضوع الفساد ومحاربته ليس شأناً سياسياً؟"، قالت: "ومن هم الفاسدون؟ أليس السياسيون؟ رؤساء وزراء ووزراء وأعضاء برلمان ومستشارون وموظفون كبار وصغار؟"، ثم استطردت قائلة: "والدي كان مستشاراً قانونياً في متصرفية بغداد قبل أن تتغير إلى محافظة، كان موظفاً نزيهاً، أو أنهم كانوا جميعهم يتمتعون بالنزاهة والشرف وأيديهم نظيفة، ونحن من أوائل العوائل التي سكنت الحارثية بعد أن تم توزيع قطع الأراضي على الحقوقيين، وكانت العوائل متداخلة، وناس تعرف ناس، وكانت أسيجة البيوت واطئة حتى نرى حركة الشارع، ومنذ ما بعد 2003 حتى اليوم شهدت الحارثية غزواً من قبل مسؤولين جدد من قادة أحزاب وبرلمانيين جعلوا من البيوت شبه سجون، وحراسهم الشخصيون يملؤون الشوارع مع سياراتهم."
وتساءلت: "لو كان هؤلاء يعرفون النزاهة، فكيف استطاعوا شراء الفلل الغالية والسيارات المترفة خلال عامين، بينما والدي بقي لأكثر من 30 سنة، وسيارتنا متواضعة وحياتنا بسيطة.. وهذا يعني أن رئيس الوزراء إذا يريد أن يحارب الفساد بالفعل، فليسأل هؤلاء: من أين لكم هذا؟".
.jpg&w=3840&q=75)
