رووداو ديجيتال
اختتم رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي زيارته إلى الولايات المتحدة بإعلانات اقتصادية واسعة، حاول من خلالها نقل العلاقة بين بغداد وواشنطن من مرحلة هيمنت عليها الملفات العسكرية والأمنية، إلى شراكة تضع النفط والطاقة والاستثمار في مقدمة أولوياتها.
الزيدي دعا الشركات الأميركية إلى الاستثمار في العراق، واعداً إيها بتذليل كل العقبات البيروقراطية، وتوفير أرضية جاذبة، لتحقيق شراكة اقتصادية مهمة بين البلدين.
هيوستن.. الاقتصاد في واجهة الزيارة
في أحدث محطات زيارته إلى الولايات المتحدة، أكد رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي اليوم الجمعة (17 تموز 2026)، أن العراق يبحث عن شركاء في التنمية والتطوير، لا عن شركات تقتصر مهمتها على تنفيذ المقاولات أو تجهيز المشاريع، مشيراً إلى أن الحكومة تسعى إلى تحويل الثروات الطبيعية والمعدنية إلى فرص عمل ومشاريع تدعم النمو الاقتصادي.
الزيدي عرض خلال مؤتمر موسع للأعمال أقامته غرفة التجارة الأميركية في واشنطن، الفرص المتاحة أمام الشركات الأميركية في السوق العراقية، فيما أبدى ممثلو عدد من الشركات اهتمامهم بتوسيع الشراكة مع العراق، في ضوء الإصلاحات المؤسسية والمالية والمصرفية وتحسين البيئة الاستثمارية.
وسبق مؤتمر واشنطن انتقال الزيدي إلى هيوستن، مركز صناعة الطاقة الأميركية، حيث أجرى مباحثات مع مسؤولين في شركات كبرى، بينها شيفرون وإكسون موبيل، بشأن زيادة إنتاج النفط والغاز، وتطوير الصناعات النفطية، وفتح منافذ جديدة لتصدير الخام العراقي.
كما أعلن من هيوستن خطة لمشاريع "مدينة الطاقة" في ميناء الفاو، في خطوة عكست سعي الحكومة إلى ربط الاستثمارات الأميركية بمشاريع طويلة الأمد في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، وليس بعقود تنفيذ محدودة.
وجاء المساران، في واشنطن وهيوستن، ليؤكدا أن الملف الاقتصادي تصدر الزيارة، إلى جانب القضايا الأمنية والسياسية التي بحثها الزيدي خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، الثلاثاء 14 تموز.بهذا نحافظ على التسلسل الصحيح: هيوستن محطة للطاقة، وواشنطن محطة للأعمال والاستثمار الأوسع.
الوجود الأميركي.. موعد للانسحاب وشكل جديد للتعاون
لم يحجب الاستقبال الذي حظي به الزيدي الملفات السياسية والأمنية المعقدة التي رافقت الزيارة، وفي مقدمتها مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق.
وأكد الزيدي أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 أيلول المقبل، وهو الموعد الذي يفترض أن تنتهي فيه المهمة العسكرية للتحالف الدولي.
في المقابل، تسعى الحكومتان إلى إعادة صياغة العلاقة الأمنية، لتشمل التدريب والتعاون الفني وتطوير قدرات القوات العراقية، بدلاً من الوجود القتالي المباشر.
-يعني ذلك أن الانسحاب، وفق التصور المطروح، لا يمثل نهاية التعاون العسكري بين البلدين، بل انتقاله إلى صيغة مختلفة، تقوم على الدعم والتدريب وتبادل الخبرات.
السلاح خارج الدولة.. الاختبار الأصعب
يرتبط موعد انسحاب القوات الأميركية بملف أكثر حساسية، بعدما قال الزيدي إنه لن تكون هناك مبررات لبقاء الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول.
وتضغط واشنطن على بغداد لاتخاذ إجراءات عملية لحصر السلاح بيد الدولة، في وقت أعلنت فيه بعض الجماعات المسلحة رفضها نتائج الزيارة وتمسكها بسلاحها.
ويجعل ذلك الملف الاختبار السياسي الأصعب أمام حكومة الزيدي. فالتعهدات التي قدمها في واشنطن قد تحظى بقبول الإدارة الأميركية، لكنها تحتاج داخل العراق إلى قدرة حكومية على مواجهة قوى تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً واسعاً.
كما أن نجاح الحكومة في هذا الملف لن يقاس بالتصريحات، بل بقدرتها على فرض قراراتها ومنع أي جهة مسلحة من العمل خارج المؤسسات الرسمية.
الطاقة ومنافذ التصدير.. وعود ومشاريع قيد الاختبار
اقتصادياً، بدت حصيلة الزيارة أكثر وضوحاً. فقد بحث العراق مع شركة شيفرون توقيع مذكرات تفاهم تتعلق بحقل غرب القرنة الثاني، إضافة إلى مشروع حقل الناصرية وعدد من الرقع الاستكشافية.
كما تناولت المباحثات إعداد دراسات لإنشاء خطوط أنابيب جديدة، تقلل اعتماد العراق شبه الكامل على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، خصوصاً مع تصاعد المخاطر الأمنية التي تهدد حركة الملاحة في المنطقة.
وتدرس بغداد عدة مسارات لتصدير النفط، من بينها إحياء خط كركوك–بانياس عبر سوريا، وتطوير خط يصل البصرة بمدينة حديثة، ثم يمتد نحو ميناء جيهان التركي والساحل السوري، فضلاً عن المضي بمشروع أنبوب البصرة–العقبة والتعاون في مجال الربط الكهربائي مع الأردن.
وتعكس هذه المشاريع محاولة لتنويع منافذ التصدير، وعدم إبقاء إيرادات البلاد النفطية رهينة لممر بحري واحد.
لكن معظم ما أُعلن لا يزال في مراحل مختلفة، تتراوح بين الدراسات الفنية ومذكرات التفاهم والاتفاقات الأولية، ولم يتحول بعد إلى عقود تنفيذية مكتملة.
بين واشنطن وطهران.. توازن دقيق
سياسياً، حاول الزيدي خلال الزيارة السير على خط دقيق بين واشنطن وطهران.
وتجنب الدخول في مواجهة كلامية مع إيران، كما رفض الانجرار إلى أسئلة تتعلق بالماضي، داعياً إلى الحديث عن المستقبل.
وبذلك حاول تقديم العراق شريكاً اقتصادياً وأمنياً للولايات المتحدة، من دون إعلان القطيعة مع جارته إيران.
ويعكس هذا الخطاب رغبة الحكومة في الاستفادة من الانفتاح الأميركي، مع تجنب نقل الصراع الإقليمي إلى الداخل العراقي أو الظهور بوصف بغداد جزءاً من محور معادٍ لطهران.
حصيلة الزيارة.. النجاح مرهون بالتنفيذ
نجحت الزيارة، حتى الآن، في فتح أبواب البيت الأبيض وكبرى شركات الطاقة أمام الحكومة الجديدة، وفي إعادة تقديم العراق بوصفه سوقاً للاستثمار وليس ساحة للصراع فقط.
لكن القيمة الحقيقية لما أُعلن لن تقاس بحرارة الاستقبال أو بعدد اللقاءات ومذكرات التفاهم، وإنما بقدرة حكومة الزيدي على تحويل الوعود إلى مشاريع، وتأمين طرق تصدير بديلة، وفرض سلطة الدولة على السلاح.
وهنا تبدأ المهمة الأصعب بعد العودة من واشنطن.



