معد فياض
على كثرة تصريحات واحاديث وثرثرة القادة السياسيين ورجال الدين والمثقفين والمتثاقفين، المتفائلين والمتشائمين، لم اسمع او أقرأ في اكوام كلماتهم مفردة "المستقبل".. لا احد منهم يذكر المستقبل، فهم غالبا يتحدثون عن الحاضر الوهمي، الحاضر الذي خربوا اي شيء مضيء فيه بفعل فسادهم، حتى انهم كادوا ان يقنعوا البعض بان حاضرنا سعيد الى درجة اننا نسينا التفكير بالمستقبل.
هذا على صعيد القادة الحكوميين والسياسيين ورجال الدين المستفيدين من الواقع، اما على الصعيد الشعبي، واعني الجمهور العراقي بكل فئاته واطيافه وقومياته واديانه ومذاهبه، بينهم طبقة او فئة المثقفين والاكاديميين، فانهم اكدوا لنا باصرار تام تشبثهم بالماضي، واتفقوا على ان يطلقوا عليه مصطلح"الزمن الجميل"، وهم يبذلون قصارى جهودهم، معززين طروحاتهم بصور الاسود والابيض، لشوارع ضيقة وسيارات فارهة قليلة، ليبرهنوا لنا ولاجيال لم تشهد اية لقطة من مشاهد"الزمن الجميل" بان الماضي كان عبارة عن سنوات مزدهرة بالسعادة والانجازات العظيمة، متناسين كل مآسي "الزمن الجميل" من اغتيالات وانقلابات وحروب وامراض وجرائم وفقر وعازة، لكنهم يقارنون بين الحاضر التعيس بالزمن الجميل، وفي المحصلة سنكتشف عمق الهوة التي اوقعنا فيها اصحاب النظرتين.. وفي النتيجة نكتشف ايضا ان الجمهور الواسع، واعني جماعة الزمن الجميل بانهم نسوا او تناسوا عن قصدية التفكير او الحديث عن المستقبل وباتوا متفقين مع جماعة الحاضر السعيد بهذا الشأن.
المستقبل في نظر السياسيين، الذين خربوا الحاضر، هو مكان مجهول، وهمي، لا وجود له بتفكيرهم، وعند رجال الدين هو الجنة او النار، لانهم يحكمون باسم الله على الارض فيحرمون ويحللون ويبشرون بالجنة وانهار الخمر وحور العين ويهددون بعذابات القبر والويل والثبور في الجحيم وكأن الاديان وكتبهم السماوية قد خلت من التفائل بالغد، ولم تتبقى هناك اية مساحة اضافية للمستقبل في طروحاتهم. اما جماعة"الزمن الجميل" المرتبطين تماما بالماضي فهم بحاجة الى مسافات زمنية شاسعة للوصول الى الحاضر ومن ثم التفكير بالمستقبل.
حسب التعريف العلمي للمستقبل هو "كل ما سيحدث في وقت بعد الوقت الحاضر. ويعتبر وصوله لا مفر منه، بسبب وجود الوقت وقوانين الفيزياء، ونظرا للطبيعة الجلية للواقع، وحتمية الطبيعة. مفهوم المستقبل والخلود موضوعان رئيسيان في الفلسفة، والدين، والعلم، واستعصت أعظم العقول على الدوام إيجاد تحديد لهما غير مثير للجدل."، هذا يتطلب دراسات عميقة وفكر تحليلي وفلسفي للذهاب الى المستقبل الذي لا بد من بلوغه، ولكن يجب ان نكون قد تهيئنا لاولى الخطوات للوصول لهذا المستقبل لضمان بقاء مجتمعاتنا متطورة، فهل يا ترى فكرنا، او فكر السياسيين والمثقفين والمبدعين بالخطوة القادمة وهم منقسمين ما بين(الحاضر السعيد) و(الزمن الجميل) ووعود(الجنة والنار)؟.
لن نتحدث هنا عن تجارب الدول المتطورة في استقراء المستقبل والتهيؤ لبلوغه، هؤلاء الذين جند علماؤهم في شتى الاختصاصات ابحاثهم وبحوثهم لصياغة مستقبل يحفظ البشرية من الانقراض بل ويهيء حياة سعيدة لاجيالهم، وتجاوزت بحوثهم وتجاربهم كوكب الارض ليصلوا الى المريخ باعتباره كوكب مفترض ييشكل بديلا عن كوكب الارض في حالة انهياره، ويعملون على تطوير الاغذية والمياه ودراسة الخرائط الجينية للبشر لادامة عمر الانسان. بل سنذكر امثلة اكثر بساطة قد يفهمها من يتحكمون بحياتنا في بلد اسمه العراق، هناك دول مجاورة ضمنت اقتصاديات مستقبلية مقبولة او جيدة لاجيالها، وهيأت تعليما متميزا ينقل ابنائهم الى مستقبل متطور، وسعت عبر بحوث علمية عميقة للحفاظ على وجودها بحيث لم يعد المستقبل يهددهم.
فماذا هيأنا نحن لمستقبل ابنائنا واحفادنا واحفادهم..ماذا عملنا من اجل ضمان غد مقبول في الاقل للحفاظ على الناس لان يتمتعوا بحياة تتوفر فيها نسب ولو متواضعة من القيم الانسانية.. الجواب لا شيء.. بل الاخطر من كل هذا ان من ادار ويدير مصائر البلد والناس صادروا المستقبل مقدما، سرقوا المستقبل وخربوا وشوهوا صورته..حولوا المستقبل الى ارصدة ووضعوها في حسابات مصارفهم، وراحوا يخدعوننا بحاضر خرب ومزيف يطلقون عليه تسمية(الحاضر السعيد). بينما هرب من يفترض بهم ان ينيرون الطريق للمسقبل ومكثوا في الماضي وزمنه (الجميل). وهكذا يا سادتي الكرام اصبحنا بلا مستقبل، وصرنا ننتمي الى الماضي، اي نمشي بخطى حثيثة عكس الاتجاه الحتمي تماما، وبتنا نؤمن بالماضي فقط، حتى اننا سنجد انفسنا في يوم قريب ننتمي الى عصور الظلام..هذا إن كنا قد بلغناها دون ان ندري.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً