معد فياض
أي مصير نتوقعه او نتخيله او نتصوره لشعب رضي وبملء إرادته ان يرتهن الى الماضي ويسجن نفسه في إطاره المحدود ويرفض بشدة ان يتقدم ولو خطوة الى الامام؟.. شعب يعاني من مخاوف ومصاب بـ" البرانويا" والشك وعدم الثقة بالمستقبل.
للاسف يتم هذا برعاية وعناية مركزة وبتشجيع من بعض القادة السياسيين والحكومة والبرلمان وبعض رجال الدين، شيعة وسنة، مستخدمين للاسف الدين كمصدر مهم لابقاء الاوضاع على ما هي عليه ويوهمون الغالبية المغيبة بان المؤمن الجيد هو من لا يخرج عن طاعتهم، ويعنون من يبقى راسخا بمكانه ولا يتزحزح للمستقبل، من لا يفكر بالغد، وان مشايخهم هم من يفكرون نيابة عنهم، وهذا ما يتطابق تماما مع رغبة الحكام الفاسدين والمخربين.
عندما كسر شباب تشرين هذا الطوق وثاروا من اجل تطلعاتهم في تطوير حاضرهم وحاضر البلد للانطلاق نحو الغد، وقف الجيع ضدهم، اتهموهم بالخيانة والولاء للاجنبي والالحاد وما الى ذلك من تهم ما انزل الله بها من سلطان. وعندما اصر الشباب على ثورتهم ضد هذا الجمود والتخلف فتحت الاجهزة الامنية والميلشيات المسلحة و"الطرف الثالث" النيران عليهم واستقبل التشرينيون الرصاص بصدورهم ليستشهد اكثر من الف منهم ويصاب 25 الف بجروح مختلفة غالبيتها سببت لهم عاهات مستديمة.
مع اصرار الارادة السياسية واتباع بعض الدول الاقليمية التي لا تريد الخير للعراق والعراقيين، تنطلق ابواق صدئة، واصوات مبحوحة رافعة شعارات مكرورة وعدائية، مثل:"العراق لن يتقدم بعد الف سنة"، و"العراق انتهى ولن تقوم له قائمة"، واخرى تربط بقاء العراق كوطن وشعب وتاريخه الحضاري بغيبيات الدين والمذهب، وانه بغياب هذا المذهب او ذاك ينتهي البلد تماما! ويستعينون بغيبيات تهين عقلية المواطن العراقي وتستهوي الغوغاء الذين هم ايضا يتاجرون بتلك الغيبيات ويعملون على تجهيل المجتمع ليبقى سجين ماض وحاضر متخلفين.
في عام 1977 كان التعليم في العراق هو الأفضل في الخليج العربي والشرق الأوسط وأصبح يضاهي الدول الاسكندنافية حسب تقارير منظمة اليونسكو، وكاد العراق ان يغادر منظومة دول العالم الثالث، وهنا لا نمجد نظام حكم معين بل نشيد بنظام التعليم وبالمناهج التدريسية وبالجامعات العراقية التي كانت تصنف في مصاف الجامعات المتقدمة اكاديميا في العالم، وقتذاك اُعتبر العراق خاليا من الامية، وهذا كان سببا في تقدم البلد الذي حرص شعبه على التسابق نحو المستقبل، لم يكن للغيبيات او للعشيرة او للمخدرات او لرجال الدين اية سلطة تقيد الناس وتشدهم للماضي، بل كان المواطن العراقي يحث الخطى لاختصار المسافات نحو الغد. دراسات عليا في ارقى الجامعات، بل ان كبار الاكاديميين الغربيين كانوا يحاضرون بجامعات بغداد والمستنصرية والبصرة والموصل وصلاح الدين (اربيل).
التعليم كان وسيبقى مفتاح الحل السحري لتقدم البلد، على العكس مما يحدث اليوم تماما حيث ترقد الجامعات العراقية ومستوى التدريس في البلد في قعر قوائم التصنيف الدولية.
وبدلا من تحقيق اي تقدم يشار له بالبنان، فان العراقيين يحتفون بين فترة واخرى بتفوق طالب او اكثر في الدراسة الابتدائية لفوزه بجائزة الرياضيات الدولية، او بتحقيق رقم قياسي هنا او هناك، او بفوز بلجيكية عراقية الاصل برئاسة اللجنة الاولمبية في بروكسل، او باختراع طبيب لعلاج جديد مع ان غالبية هؤلاء نشأوا وعاشوا في بلدان غربية حرصت على تعليمهم ورعايتهم ولم يتبق من عراقيتهم سوى الاسم.
ان اي متابعة لصفحات التواصل الاجتماعي لغالبية العراقيين وبمختلف مستوياتهم، سنجدهم مشدودين الى الماضي سواء في منشوراتهم او الصور التي يعنونوها بمصطلح"الزمن الجميل"، صور لابنية او شوارع في الثلاثينيات او الخمسينيات تعتبر انجازا حضاريا قياسا للحاضر. هذا الحنين للماضي، وعدم الاحتفاء بالحاضر والسعي للمستقبل فوت فرص كبيرة لتقدم البلد.
يقول الشاعر والكاتب اللبناني المعروف جبران خليل جبران: "من يشنقه صوت الماضي لا يستطيع مخاطبة المستقبل"، إنَّ "التفكير في الماضي بشكلٍ مفرط يحول حياة الإنسان إلى جحيمٍ لا يُطاق، ويقف حائلاً بينه وبين مستقبله وحاضره". والحنين إلى الماضي له أساس سيكولوجي، يطلق عليه مصطلح (النوستولجيا) أو (النوستالجيا) ويعني الحنين إلى ماضي مثالي، والذي ابتكره طالب الطب يوهانس هوفر.
ويشير علماء النفس الى أن "النولستوجيا هي آلية دفاع يستخدمها العقل لتحسين الحالة النفسية ولتحسين المزاج خاصة عندما نواجه صعوبات في التكيف وعند الشعور بالوحدة".
يرافق هذا النكوس والارتهان الى الماضي والاتكال عليه عدم الاهتمام بقدسية الوقت واهماله، سواء على المستوى العام، الحكومة والبرلمان، او على المستوى الشخصي. العراق يعتبر في المرتبة الاولى من حيث منح العطل الرسمية والدينية، مع ان بلدا مثله خرج من حروب وضيع عقود من فرص التقدم يجب ان يحرص على استثمار كل ساعة من وقت العمل والانجازات، بهذه العقيدة تم بناء المانيا واليابان وبريطانيا وبولندا والاتحاد السوفياتي وايطاليا وفرنسا وغيرها من الدول التي تعرضت للخراب والدمار في الحرب العالمية الثانية.
الحكومة تهدر الوقت، والموظف بناءا على توجه الحكومة وممارستها هو الاخر يهدر الوقت، والمواطن غير المرتبط بعمل يهدر وقته تحت شعار"ماكو فائدة"، و"شسوي بالوقت"، وهكذا تتراكمت الساعات والايام والاشهر والسنين حتى بلغت اكثر من عشرين سنة من الاهمال والضياع وهدر الاموال وحرمت العراق والشعب العراقي من فرص التقدم بسبب قيادات لا تحترم البلد ولا تهتم للناس ولا لحاضرهم ومستقبلهم بقدر اهتمامهم بالسرقات والتخريب.
عشرون عام بنيت خلالها دول كاملة وتطورت وصارت من الدول المتقدمة. عشرون عام والسودية وصلت الى حافات المريخ والامارات الى القمر، والعراق لم يستطع وبسبب اوامر ايرانية وفساد حكامه من توفير الطاقة الكهربائية بعد ان انفق 80 مليار دولار على الكهرباء. 20 عام من التراجع الى الوراء باصرار وعناد جاهل.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً