رووداو في (صرح بارزاني الوطني).. بانوراما تعرض قصة الثورة الكوردية من خلال متحف ووثائق تاريخية

29-05-2023
معد فياض
الكلمات الدالة صرح بارزاني الوطني التذكاري
A+ A-
معد فياض

عندما رحل الزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني، في الاول من مارس 1979، عن عمر 76 عام، في احدى مستشفيات واشنطن، جمعت زوجته، السيدة حمايل محمود آغا زيباري، اشيائه، ولم تكن كثيرة، بضعة بدلات كوردية وعسكرية ومدنية، مع غطاء رأس (جامه دانه) معقود على الطريقة البارزانية، وحزامه الكوردي (پشتوێن)، وساعته اليدوية وجهاز راديو ترانسستور صغير ونظارته واقلامه وكتبه وغليونه وخنجره ومسدسه وبندقيته وعصاه، وحتى ادوات حلاقته، وسرج حصانه، واحتفظت بها، مثلما هي بعناية فائقة بعيدا عن اعين وايدي الاخرين.
 
لم تكن حمايل خان، رحمها الله، تلملم الاشياء فقط، بل كانت تلملم الزمن، التاريخ، وهو التاريخ الشخصي لابرز زعماء الثورة الكوردية شجاعة وحكمة وانسانية، ومعه تاريخ الثورة الكوردية بلا تزويق.. كانت في الحقيقة تلملم ما يُفترض انه سيصبح ماضيا لتحوله الى حاضر ومستقبل لمعرفتها ان سيرته ستبقى حية وخالدة.. كأنها كانت تقرأ المستقبل ليتم عرض ما خلفه الزعيم ملا مصطفى بارزاني للاجيال اللاحقة ليتعرفوا عن قرب على تاريخ الثورة من خلال زعيمها، كانت تريد ان تقول لكل الكورد ان الحياة الكريمة التي تعيشونها اليوم وغدا هي نتيجة تضحيات مقاتلين اشداء ضحوا بكل شيء من اجل حقوقكم وحريتكم وكرامتكم ومستقبل ابنائكم. وهذا بالضبط ما حدث إذ تم عرضها بعد 44 عاما من رحيله في متحف بارزاني، المشروع الذي اجلته الظروف الصعبة التي مرت بها الثورة الكوردية واقليم كوردستان خاصة والمنطقة بصورة عامة ليحققه الرئيس مسعود بارزاني باعتباره انجازاً وطنياً تاريخياً، فالاحداث التاريخية العظيمة، مثل انجاز (صرح بيارزاني الوطني التذكاري)، يصنعها قادة كبار يحظون بمحبة وايمان شعوبهم، مثل الرئيس مسعود بارزاني.حيث قربتنا هذه المعروضات التي هي بمثابة وثائق تاريخية، من شخصية الزعيم ملا مصطفى بارزاني الانسانية وهو يقود ثورة تحرر شعبية من اجل حرية الكورد وكوردستان.
 
بارزان واحة السلام
 
كانت الارض متسعه واستقراره..والسماء خيمته..ونهر ريزان مجراه..وجبال كوردستان باشجارها قلعته وسنده حيث فتحت بين صخورها مغاراتها وكهوفها لتضمه وتكون مستقرا له ولرفاقه، فالزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني هو القائل:"لم يكن لنا أصدقاء سوى الجبال".. كانت هذه الصور التي وردت بذهني ونحن نقطع الطريق الاجمل في اقليم كوردستان باتجاه بارزان.

 

 
في بارزان عندما نسال اي شخص:"اين هو بيت ملا مصطفى بارزاني..اين كان يسكن؟" فسوف يشيرون الى بيوتهم باعتبارها بيت الزعيم ورفاقه..لم يكن للزعيم الخالد بيت، بل ان بيوت وقلوب وضمائر الناس كانت مسكنه..ويالها من مساكن خالدة لا يمحيها الزمن.
 
لقد اقترن اسم بارزان بالثورة وبالافكار التحررية والاصلاحية التي شعت على عموم العراق والمنطقة..بارزان واحة السلام والمحبة والمحمية الطبيعية ..بارزان التي تغنى بها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري قائلا:
 
"بارزان ياقمما يشبهها الدم
وتنوء كاهلها والثلوج فتهرم
 
وتغازل القمر المضىء فتزدهى
وتعارك الموت الزؤام فتظلمُ
 
بارزان يالغزاً تعاص حلهُ
عبر القرون الغبر فهو مطلسمُ
 
بالمصطفى عنوان نهضة أمة
يوم التخاصم باسمه يُقسمُ".
 
الارتقاء الى القمة
 
نرتقي الى القمة، حيث الحدث تحول الى رمز، الى مرقد الزعيم بارزاني والى جانبه يرقد نجله المناضل أدريس بارزاني، قبران بسيطان، هكذا اراد الزعيم الخالد في وصيته ليعطي للاخرين دروسا في معنى البساطة والتواضع والانتماء الحقيقي للارض. هذا الضريح المتواضع هو مركز صرح بارزاني الوطني التذكاري الذي يضم متحف بارزاني والثورة الكوردية، افتتحه الرئيس مسعود بارزاني يوم الخميس11 المصادف أيار 2023 .
 
في المشهد الجوي للصرح، تبدو ثلاث قباب متشابهة في التصميم واللون، ومتساوية في المساحة والمسافة فيما بينهما، كأنها أكف تنفتح على الفضاء الواسع، لتمثل رمزيتها معنى التسامح والتعايش بين الاديان الرئيسة التي مارست عبادتها في هذه المنطقة، وهي: الاسلام والمسيحية واليهودية. هذا التكوين يشكل جناحي نسر مشرعتان لاحتضان التكوين الجمالي والفكري للصرح الذي تقوم على يساره بركة مياه مصممة على شكل خارطة كردستان الكبرى.
 
في حضرة التاريخ 
 
نحن هنا لسنا امام نصب تذكاري فحسب..بل في حضرة التأريخ..تأريخ حي ينبض بالاحداث الجسام..تأريخ يتحدث ويحكي لنا وللاجيال القادمة ولكل العالم قصص الثورة الكوردية من خلال مآثر قادتها.. هنا، في هذا الصرح تفاصيل قد تبدو متواضعة مثلما تواضع زعيمها ومقاتليها، لكنها عظيمة بعظمة انجازاتهم، وصلابة ارادتهم وصمودهم.

 

 
ندخل للصرح التاريخي فتستقبلنا جدارية لوحة فسيفساء مكوناتها قطع صغيرة من صخور جبال كوردستان، وهي تجسد عادات وتقاليد وثقافات كل قوميات واديان شعب اقليم كوردستان، واجزاء من نضاله خلال الثورة الكوردية، وتبرز قيم التعايش السلمي وبيئة المنطقة، مجتمعة حول صورة الزعيم ملا مصطفى بارزاني التي تتوسط الجدارية.
 
"هو الذي رأى كل شيء"
 
تهيئنا اضاءة واجواء قاعة العرض المتحفي لحالة من التأمل العميق، تأمل صوفي، ونحن ندخلها، تستقبلنا مقولة "سيرة البارزاني تجسد وحدة شعب كوردستان"..بينما اردد في داخلي ما قاله الشاعر الاكدي في وصف ملك أوروك جلجامش:"هو الذي رأى كل شيء..فغني بذكره يا بلادي". القاعة صممت داخليا كانها كهف كبير او مجموعة كهوف تشبه كهوف جبال كوردستان التي كانت الملاذ الآمن للبيشمركة وعوائلهم من الهجمات القاسية المتلاحقة للجيش العراقي على مدى عقود من السنين والتي استخدموا فيها انواع من الاسلحة الثقيلة والمتطورة والكيمياوية.
 

في قاعة العرض المتحفي سنكون قريبين لاسلوب حياة الزعيم بارزاني وحياة رفاقه المقاتلين، وهي حياة متقشفة للغاية، من حيث مستلزمات العيش الضرورية والبعيدة جدا عن الترف، هنا صورة للزعيم بارزاني يجلس في احد الكهوف وهو يشحذ مدية الحلاقة وحول الصورة تم عرض ذات الملابس والادوات التي استخدمها وقت إذ.

 
بانوراما الثورة
 
 اول ما جذب انتباهنا هي العرض المتسلسل للصور والاحداث التي جاءت بمثابة معلقات تاريخية عن بداية ومراحل الثورة من خلال زعيمها واقواله والاحداث التي رافقت الثورة بضمنها قيام (جمهورية مها اباد)، وصور المقاتلين من رفاق الزعيم، الى جانب صور الرؤساء والقادة الذين التقاهم بارزاني او نجليه ادريس ومسعود بارزاني..معلومات وصور واحاديث تُعرف الزائر بمراحل تاريخ الثورة، وهذا العرض الملحمي دُرس بدقة وعناية بحيث يضع الزائر في حمأة الحدث.

 

 
تصميم عرض مقتنيات الزعيم بارزاني، ونجله المقاتل أدريس بارزاني، نفذ باسلوب بانورامي، حيث تتداخل الصور مع واقعها المعاش وقت ذاك، صورة بارزاني وهو يمتطي حصانه، وحولها ذات الملابس التي كان يرتديها والسلاح الذي يحمله..وهكذا جاءت بقية المعروضات التي لا نريد ان نفضح متعة ودهشة المتلقي عندما يكون امامها وجها لوجه.. نؤشر هنا الى نقطة مهمة وحدت كل العروض وهي بساطة المعروضات من ملابس واكسسوارات واسلوب معيشة زعيم الثورة الكوردية وهو بين رفاقه والتي تؤكد تواضعه وايضا كبريائه..حتى السيارتان اللتان استخدمها في بعض تنقلاته، معروضتان في المتحف، لا تدلان على اي فخامة او ترف، فهو غالبا ما كان يتنقل مشيا متسلقا الجبال او ممتطيا حصانه.
 
تقاليد بارزانية
 
ما اضفى على الصرح التاريخي للزعيم ملا مصطفى بارزاني روحا بارزانية هي اسلوب واخلاق البارزانيين العاملين في المتحف، بدءا بالمشرف عليه، سيروان بارزاني، الذي رحب بنا وسالنا عن راينا في المتحف وما هي مقترحاتنا، مرورا ببقية الموظفين الذين يستقبلون الزوار بكرم بالغ مبدين استعدادهم لاية مساعدة، خاصة الشابات والشباب الذين يعملون كأدلة لتقديم المعلومات عن المعروضات وباللغات العربية والانجليزية اضافة للكوردية طبعا.

 

 
ونحن نترك الصرح كانت مجاميع الزوار من النساء والرجال والاطفال تتقاطر لزيارته، فقد بلغ عدد الزوار اكثر من خمسة الاف يوم الجمعة الماضية، وما بين 500 الى 700 زائر يوميا خلال ايام الاسبوع، ويتوقع العاملون في الصرح ازدياد هذا العدد لاحقا حيث لم يمر على افتتاحه سوى اسبوعين.

 

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

عبد الله أوجلان

رسالة أوجلان الجديدة: شعبنا استجاب لندائنا بحماس كبير

نشر ابن شقيقه، رسالة جديدة لزعيم حزب العمال الكوردستاني المسجون عبد الله أوجلان من جزيرة إيمرالي، وأعلن أن الأخير يهنئ بعيد نوروز وعيد الفطر، ويقول أيضاً إن "شعبنا استجاب في عيد نوروز بحماس كبير لندائنا من أجل السلام والديمقراطية".