ضياء العزاوي لرووداو: تكريم جامعة كوفنتري يوثق أهمية مسعاي بتطوير تجربتي الفنية وتوسيع مداها

23-07-2024
معد فياض
الكلمات الدالة الفن التشكيلي
A+ A-
رووداو ديجيتال

في حفل رصين سادت فيه التقاليد الاكاديمية، منحت جامعة كوفنتري البريطانية العريقة مؤخراً، الفنان التشكيلي العراقي العالمي ضياء العزاوي شهادة الدكتوراه الفخرية، وتكريمه لمجمل إنجازاته الفنية في مجال الفن ولغة الجمال كواحد من أهم الملونين في العالم. 
 
وشهد حفل التكريم في حرم الجامعة حضوراً ثقافياً واجتماعياً كبيراً لاستقبال العزاوي، تماماً كما يستقبل أي مبدع في العالم، وتعد جامعة كوفنتري واحدة من الاكاديميات البريطانية البحثية الرصينة والتي تقع في مدينة كوفنتري وسط إنكلترا وتمتد جذورها التاريخية إلى عام 1843 حيث كانت تعرف باسم كلية كوفنتري للتصميم.
 
ضياء العزاوي المولود في بغداد عام 1939، كان قد درس الآثار في كلية الآداب بجامعة بغداد، والرسم في معهد الفنون الجميلة، بغداد، حيث كوّن هذا المزيج المعرفي الثقافي الفني، الاثار والرسم، اسلوبا متميزا في الخطابين الجمالي والجوهري للفنان كما ساعده في ان ينطلق من هوية بيئية تنتمي الى حضارات وادي الرافدين.
 
العزاوي من جيل الستينيات في تاريخ الحركة التشكيلية العراقية ومن مبدعيه، رافع الناصري ومحمد مهر الدين وكاظم حيدر وليلى العطار وسالم الدباغ وعامر العبيدي، وهو الجيل الذي انجز افضل التجارب واكثرها جرأة وتطورا في الفن العراقي. 
 
وبالتأكيد تأثر العزاوي بجيل ما بعد الرواد، امثال جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وحافظ الدروبي واسماعيل الشيخلي، وغيرهم، وقتذاك كان اسلوب الجماعات الفنية والثقافية سائدا ببغداد، مثل (جماعة بغداد للفن الحديث) و(الانطباعيين) فأسس العزاوي مع زملائه (جماعة الرؤية الجديدة).  
 
اقام الفنان ضياء العزاوي، المقيم في لندن منذ 1976، العديد من المعارض الشخصية وشارك باخرى في غالبية دول العالم، وله مجاميع من الاعمال الفنية في متاحف غربية عدة باعتباره أحد أكثر فناني العالم العربي تأثيراً، واشتهر بأعماله الكبيرة التي تستوحي التراث البصري العراقي وتعكس النضالات والمخاوف المعاصرة، مثل مجموعة ملحمة (تل الزعتر)، وأعاد اكتشاف المخطوطات الإسلامية ودمج الشعر في أعماله ليبتكر نوعاً فنياً جديداً سمي بـ"الدفاتر"، كما يحتفظ باعمال نادرة من الفن التشكيلي العراقي.
 
أصدر العزاوي العديد من الكتب والمقالات الفنية، من أبرزها: "لون يجمع البصر: نصوص وحوارات في الفن التشكيلي" و"فن الملصقات في العراق: دراسة في بداياته وتطوّره" و"الشعر: نص بصري، ويصدر الان مجلة رقمية  بعنوان (ماكو) تعني بالفن التشكيلي، وهي الاولى من نوعها.
 
في حوارنا مع الفنان والباحث التشكيلي ضياء العزاوي، قال لرووداو عن تكريمه من قبل جامعة كوفنتري انه "تكريم مهني يوثق اهمية مسعاي في تطوير تجربتي الفنية وتوسيع مداها كجزء لا يتجزأ من تاريخ الفن العربي عموما والعراقي خصوصا".
 
وفيما يتعلق بموضوع انتماء الفنان لبيئته، أوضح ان "الفنان بشكل عام ابن بيئته بكل ما تعنيه الكلمة، وهو كذلك جزء من العالم بمداه الواسع بمقدار ما لديه من امكانيات للتواصل مع الثقافات الاخرى".

 

 
وفيما يلي نص الحوار:
 
رووداو: ماذا يعني لكم منحكم شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة كوفنتري في المملكة المتحدة في مجال الفنون وإنجازاتك الفنيه الابداعية؟
 
ضياء العزاوي: انه تكريم مهني يوثق اهمية مسعاي في تطوير تجربتي الفنية وتوسيع مداها كجزء لا يتجزأ من تاريخ الفن العربي عموما والعراقي خصوصا. وهي ايضا قيمة اكاديمية لها تبعات توثيقية تشكل جزء في كتابة التاريخ الفني لا بمعناه الشفاهي وانما بارتباطه بالوثيقة ذات البعد العلمي. وهو امر على العكس مما شاع عموما ولازال في كتابة تاريخ الفن العراقي بلغة شعرية تهتم باللغة وجمالياتها لا بالوثيقة التاريخية ذات البعد الحرفي والتي يستدل منها على التغيرات التي حصلت لاعمال هذا الفنان أو ذاك وما كان من مدلولاتها الفنية والأسلوبية فيما بعد.
 
رووداو: ماذا عن تأثركم بالبيئة العراقية، الحروفية واللون، مثلا، هل تعتقدون ان الفنان التشكيلي ابن بيئته ام هو ينتمي للتأثيرات الانسانية، العالمية، او ما يسمى بـ"Globalism" ، ترى ما مدى اهمية البيئة للفنان التشكيلي، او مدى اهمية المكان بالنسبة له؟
 
ضياء العزاوي: الفنان بشكل عام ابن بيئته بكل ما تعنيه الكلمة، وهو كذلك جزء من العالم بمداه الواسع بمقدار ما لديه من امكانيات للتواصل مع الثقافات الاخرى، ما هو مهم للفنان ان يكون واعيا ان المحلية الفنية والثقافية هو سجن سرعان ما سيقود به الى ان لا يرى الا نفسه في المرآة، وان (الكلوبلايزيشن) هو نسخ لصورة الاخر وامحاء لذاته مهما حاول الفنان من ايجاد التبريرات لذلك. علينا ان نعترف ان اللوحة هو تقليد اوربي تطور عن الايقونة الدينية بكل تقنياتها وان تاريخنا الاسلامي مثلا هو تاريخ المخطوطة التي اعتمدت على الرسم التوضيحي المدعوم بالنص الحروفي ولنا فيه تاريخ غني، اما اذا ذهبنا للتاريخ الاقدم مما انتجته الحضارات المتنوعة من السومرية والاشورية والفرعونية ففيها انحياز للنحت مع تجارب متنوعة للرسم على الجدران وخاصة في التاريخ الفرعوني. هذا سيقودنا للاستنتاج ان الرواد من الفنانين ما كان عليهم الا نقل هذا التقليد الاوربي ومحاولة الاجادة به حرفيا، ليتطور الامر فيما بعد الى مواجهة الذات وبروز مشكلة الهوية. في العراق كانت البداية ببيان جماعة بغداد وتاكيدها على تاسيس فن عراقي وهي دعوة محلية سرعان ما واجهت اشكالية محدودية ذلك من جهة والسهولة في الانتساب الفني الذي تبدى في تعريق اللوحة الاوربية دون اية جهد فني او ثقافي من قبل بعض الفنانين، ومع بيان جماعة الرؤية الجديدة برز الاتجاه لمقولة الفن العربي وضرورة الارتباط بما يحيط بمجتمعنا من تحديات سياسية. لقد شكلت نجاحات تجربة جواد سليم، شاكر حسن وكاظم حيدر واستفادتها من تجارب فنية حديثة مختلفة بشكل من الاشكال الى تأسيس البداية الجدية للحداثة والتي جمعت بين العناصر او الموروث المحلي وبين المنجز العالمي الا انها لا زالت ضمن جهود فردية تم الاعتراف بها عالميا عبر قبول العديد من الاعمال ضمن مجموعات متاحف عالمية ومجموعات فنية بارزة لا تعتمد في اختياراتها على المحسوبية وحب الخشوم الشائعة عربيا.
 
رووداو: الحرف العربي في اعمالكم، هل هو لأغراض جمالية ام ينتمي لخطاب جوهري حداثوي؟ 
 
ضياء العزاوي: جاء الحرف العربي كنتيجة للبحث عن الهوية، فأنا من جيل شغلته الهوية لسنوات وعمل جهد استطاعته أن يجعل من الحرف جزء من جملة عناصر أخرى لتحقيق اعمال معاصرة لها مرجعية في التاريخ الوطني والقومي، ومنذ البداية تعاملت مع الحرف كرسام ولم اكن شخصيا احسن الخط، وفي حينها صرح احد الاصدقاء من الخطاطين انني لا احسن خط حرف الواو، وهو كان محقا لأنني كنت ارسم الحرف لا اخطه وبمراعاة للتقليد المطوب. وكنت ضمن المجموعة الاولى التي كونت ما عرف فيما بعد(البعد الواحد) الغرض منها توثيق لأعمال فنانين لهم اهتمام باستخدام الحرف العربي الا ان شاكر حسن آل سعيد الذي كلف في حينها بتهيئة  دليل المعرض استخدم هذا العنوان دون الرجوع للمجموعة مما جعلني ان انسحب ورافع الناصري رفضا لالباسنا مفهوما لم يتم مناقشته والاتفاق عليه.
 
رووداو: هل استفاد الفنان التشكيلي العراقي من فنون حضارات ما بين النهرين؟ وما مدى تأثيرها في منجزكم الابداعي او تأثركم بها ؟
 
ضياء العزاوي: كان لجواد سليم السبق في ذلك عندما صمم غلاف كتاب (التراث الحي) عملا ببيان جماعة بغداد حيث آمن بضرورة استخدام التراث القديم والاسلامي كمرجعية اساسية على عكس شاكرحسن، العضو الاخر في الجماعة، بأهمية الموروث الشعبي لذلك. بالنسبة لي شكلت دراستي للأثار انحياز من البدء للحضارة السومرية بشكل اساسي كشكل ونصوص ملحمية وفي حينها كانت ملحمة كلكامش احدى أكثر الاساطير الهامنا، في حينها رسمت عام 1968 العديد من الرسوم في مجلة العاملون في النفط التي كان يرأس تحريرها الكاتب جبرا ابراهيم جبرا لتصاحب نص الباحث طه باقر ولتكون فيما بعد بوابتي للشعر والأساطير الاخرى ضمن موروثنا المتنوع. 

 

 
رووداو: متى تنتهي علاقتكم باللوحة التي تنجزوها؟ ام تبقى هذه العلاقة قائمة؟ ما مدى اضافة المتلقي للوحة بعد عرضها؟ هل تكتمل اللوحة حين عرضها للجمهور؟
 
ضياء العزاوي: لا يمكن للعلاقة بين الفنان واللوحة ان تستمر، ولعل قرار الانتهاء من اللوحة احدى القرارات الصعبة لأنه قرار يحتاج الثقة بالنفس والقناعة بتحقيق ما ظل في المخيلة التي هي تحد داخلي لإنجاز الجديد والذي يشكل نوع من الاضافة للتجربة. الاضافة الفعلية بعد عرضها هي بمقدار نجاح الفنان على اثارة مشاعر التواصل والاعجاب او الرفض من قبل المشاهد وهذا يرتبط بثقافة المشاهد ليس بضرورة معرفته بالفن، لان فعل التواصل هو فعل ثقافي بمقدار ما يطرح من اسئلة يحتاج الى قناعة في الاجابة عليها وبالتالي الى فعل اغناء ثقافي للمشاهد.
 
رووداو: مشروعكم الرائد والمهم جدا، مجلة (ماكو) الرقمية والمتخصصة بالفنون التشكيلية، هل جاءت لأغراض تنظيرية، ام في جزء منها تعبيرا عن ارتباطكم بالعمل الكتابي او الطباعي او الصحفي المتخصص، ام لخلو الساحة الثقافية العربية عامة والعراقية خاصة من هكذا مشروع؟
 
ضياء العزاوي: لعلها هي الحاجة لكل ما ذكرت، ولربما ضرورتها الاستثنائية هي فيما حصل من دمار بعد عام 2003 . ان الكارثة التي حلت بتاريخ الفن العراقي المعاصر نتاجا ووثيقة كما حصل في قطاعات ثقافية وعلمية اخرى، كان لا بد من التصدي لها وايجاد البديل الوطني الرافض للاحتلال وللأمية المسلحة التي عاثت فسادا تحت لافتات الاسلام السياسي. جاءت الفكرة مع شيوع الجائحة وضرورة الالتزام بالبعد الاجتماعي، ولكي يتم توثيق الحدث اتفقت مع مجموعة من الفنانين القريبين لي على انجاز وثيقة تاريخية للحدث وعندما ظهر العدد الصفر ولاقى استحسانا برزت مهمة التوثيق التي كنت اجلها على الرغم من امتلاكي توثيقا كبيرا على مرور السنوات. وجدت منذ العدد الاول الى انقطاع فني وفكري بين جيل الرواد وجيل الثمانينات وما بعده مما حرضني على توثيق الاسماء الأساسية أولا بشكل يرسم صورة بانورامية لتجربة الفنان وعلاقته الاجتماعية مع الاهتمام بما هو نشاط فني او ثقافي منفصل. وكمثال نشرت بالعدد الثاني من ماكو مجلة اصدرتها الفنانة نزيهة سليم في الاربعينات مكتوبة بخط اليد تم تداولها بين الاصدقاء ورسم فيها جواد سليم تخطيطا بسيطا. هذه الوثيقة المهمة عكست المستوى الاجتماعي والثقافي ورغبة هذه المجموعة من توسيع دائرة الثقافة. عكست هذه الفعالية الثقافية مدى القصور في كتابة تاريخ الفن الذي لم ينظر للبناء الاجتماعي للفنان واهتماماته اليومية وجعل من اللوحة او المنحوتة مرجعية أساسية لكتابة تاريخ الفن. من خلال العمل على تهياة المواد للمجلة وبالتعاون مع بعض الأصدقاء بدى لي ان العديد من الفنانين سواء كانوا من جيل الرواد او من جاء بعدهم باهتمامهم بالعمل الفني بالمعنى الحرفي لا غير واهمالهم لتوثيق أعمالهم مما شكل صعوبة في كتابة تاريخ الفن بشكل مهني وعلمي يعتمد على الوثيقة كمرجعية لتبدلات الفنان والعوامل التي دفعته لذلك.   
 
رووداو: شكلت تجاربكم ومنجزاتكم ومنجز الفنان التشكيلي العراقي، منذ جيل الرواد حتى اليوم تحديات تجريبية مؤثرة في الحركة التشكيلية، باعتقادكم هل استفاد الفنان التشكيلي اليوم من هذه المنجزات الابداعية؟
 
ضياء العزاوي: منذ البدايات كانت هناك علاقة ما مع المنجز العالمي اما عبر التجارب الجماعية او الفردية رغم عزلة العراق قياسا بلبنان، مصر والمغرب مثلا. ومع مرو السنوات تطورت التجربة العراقية واخذت مكانة مهمة ضمن تاريخ الفن العربي لكنها ظلت بعيدة عن التبدلات التي جاءت نتيجة ظهور تقنيات جديدة حتى جاءت التسعينات لتكون تاريخا فاصلا حيث أدى الحصار الى هجرة العديد من الأسماء المهمة لتكون في مساحات عمل جديدة مما جعلهم امام تحديات الانفتاح ودخول الفن العربي السوق الدولية مع ظهور الميل لجمع الفن العربي لا المحلي كما كان سابقا مما أدى الى بروز أسماء محدودة تمكنت من تحقيق مكانة فنية سمحت لها لتكون ضمن مجموعات فنية عالمية وعربية وحصل في نفس الوقت ان تمكن العديد من الفنانين الشباب الذين وصلوا الى أوربا أن يكونوا مساهمين في بلدانهم الجديدة وفي حقول إبداعية لم تعرفها التجربة العراقية. 
 
رووداو: كيف تنظرون راهناً الى المنجز التشكيلي العراقي؟
 
ضياء العزاوي: متابعتي الأساسية هو للمنجز الذي حققه فنانوا الاغتراب وهو منجز فردي مساهم في التحولات الفنية الشائعة ولهم حضور في المعارض العالمية المعروفة. على العكس مما يمكن ملاحظته في التجارب الموجودة في الداخل إذا لا زال يدور في حلقة منفصلة عما نجده في الداخل للتجارب العربية الأخرى من حيث مستوى الإنجاز او تنوع التقنيات.  

 

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب