معد فياض
المنجزات الثقافية التي تفيد الانسانية العظيمة تحتاج الى مغامرين، وربما الى اشخاص غير طبيعيين يتصدون لهذا الانجاز او ذاك.. لا تحتاج الى لجان او مراكز دراسات روتينية، ذلك يقول الفيلسوف والكاتب الايرلندي جورج برنارد شو، اذا اردت ان تقتل اية مبادرة فشكل لها لجنة لتقبرها، وهذا اكثر ما ينطبق على قصة الفيلم الانجليزي البروفيسور "الاستاذ والمجنون".
"The Professor and The madman" الذي يعرض حاليا على منصة نيتفليكس Nitflix وهو قصة واقعية، انتاج 2019، من إخراج الايراني فرهاد صافينيا، تحت الاسم المستعار (بي بي شيمران) P. B. Shemran، وهوالمولود في طهران عام 1975، ودرس الفنون فى (ذا نيو سكول) كلية الملك في كيمبرج و مدرسة تيش للفنون في انجلترا، وشارك ايضا بكتابة السيناريو الى جانب تود كومارنيسكي، اعتمادا على قصة حقيقية كتبها سيمون وينشستر بعنوان (جراح كروثورن) The Surgeon of Crowthorne ، صدرت عام 1998. ومن بطولة ميل غيبسون، وشون بن، وناتالي دورمر، وادي مارسان، وجنيفر أهل، وجيريمي إيرفين، وديفيد أوهارا، وإيوان جروفود، وستيفن ديلان، وستيف كوغان. ، ومدة العرض 124 دقيقة.
تم تصوير الفيلم في دبلن في عام 2016، بعد ان تم منع تصوير مشاهده في جامعة أكسفورد وأصبح جزءا من معركة قانونية بين بطل الفيلم جيبسون والمخرج صافينيا من جهة، ضد شركة،Voltage Pictures ، من جهة أخرى مما أدى إلى تأخير إطلاقه حتى عام 2019 ، وتخلي كل من جبسون وصافينيا عن المنتج النهائي.
احداث قصة فيلم البروفيسور والمجنون تدور في القرن الثامن عشر حول فكرة اصدار اهم واكبر معجم (قاموس) للغة الانجليزية، قاموس أكسفورد، والصادر عن جامعة أكسفورد، والذي صار دليلا اساسيا لدراسة اللغة الانجليزية لاجيال عديدة وما يزال يستخدم في الاكاديميات العالمية الرصينة ومن قبل طلاب اللغة الانجليزية في العالم.
الفيلم ينطوي على قصتين تسيران بخطين متوازيين، قصة جيميس موراي (ميل جيبسون) المتحمس لاصدار قاموس مهم للغة الانجليزية، وقصة الجراح المتقاعد من جيش الولايات المتحدة ويليام تشيستر مينور(شون بين) المتهم بجريمة قتل غير متعمد، ثم يلتقيان بمفرق مهم جدا الا وهو قاموس اكسفورد.
جيمس موراي الذي ترك الدراسة في الرابعة عشر من عمرهِ لعدم تمكن والده من دفع تكاليف الدراسة إلا أنه استمر يتعلم ويتدرب في اللغات حتى صار يجيد اللغات: الانكليزية واللاتينية والفرنسية والإيطالية واصبح ملما باللغة العربية والآرامية ويفهم اللغتان البرتغالية والروسية، وعمل فترة كمدرس في أحد المدارس، ولاهتمامه باللغات يتقدم الى مجلس جامعة أكسفورد ليقوم بتحرير الطبعة الأولى من قاموس أكسفورد بعد ان عجزت محاولات جامعة أكسفورد باساتذتها على مدى اكثر من عشرين عامًا لاصدار هذا القاموس لصعوبة انجازه نظرًا لكمية العمل والسرعة التي تتغير بها اللغة الإنجليزية.
يوافق مجلس الجامعة، المتزمت علميا، باستثناء اثنين من اعضاء المجلس خاصة مدير مطبعة الجامعة، اللذين سيبقيان يتربصان به بحثا عن هفواته ويسعيان لافشال مهمته، على تكليف موراي لان يكون في اللجنة المسؤولة عن صياغة ما سيكون (قاموس أكسفورد الإنجليزي)، وهو قاموس مثير للإعجاب قادر على سرد كل مصطلح في اللغة الإنجليزية وشرح أصلها واختلافات المعنى، مع الاستشهادات الأدبية التي تدعم كل مفردة.
وبالفعل يبدأ موراي في عام 1857 بتجميع مفردات ومعاني قاموس أوكسفورد للغة الإنجليزية، وهذا يحتاج الى جيش من العاملين المتخصصين وامكانيات مادية كبيرة ووقت طويل، وهذا ما دفعه الى التفكير بالاستعانة بالمتطوعين وفكرة توجيه نداء إلى الشعب الإنجليزي، والى اي قارئ للغة الانجليزية في الامبراطورية البريطانية واميركا لارسال بطاقة بريدية تحمل كلمة (مرجعية اللجنة) تضم اية معلومات عن الكلمات التي يعرفونها وأصلها ومتى تستخدم عن وقد تطوع عدد من المواطنين لمساعدتهِ في عملهِ، وهذا كسبه منصب مدير اللجنة مما أضطره لبناء سقيفة في حديقة منزلهِ لتكون مقراً لعملهم بمساعدة عدد قليل من المساعدين، ومساحة عمله محاطة بزلات من ورقة تتعلق بتعريف كلمة. في إحدى الحالات، أثبتت ان البحث عن جذور كلمة "فن" تشكل أكبر من عملية بحث عن الكنز ، حيث يحاول الجميع تتبع معناها عبر قرون ولغات مختلفة. في واحدة من الصفات البارزة القليلة للفيلم ، تجعل فكرة الكلمة تبدو حية ، أن الكلمة يمكن أن تتغير على مر السنين، وهذه اللغة العامية ليست بغيضة ولكنها تتطور.
وفي القصة الاخرى، في عام 1872، عانى الجراح المتقاعد من جيش الولايات المتحدة ويليام تشيستر مينور، الذي وصل الى اسكوتلندا لطلب اللجوء في انجلترا، بسبب اهوال الحرب العالمية الاولى التي شارك فيها كطبيب ميداني من هلوسات يرى فيها نفسه يتعرض للاضطهاد من قبل جندي كان عليه أن يوشمه بخده الايسر بعلامة الخيانة في الجبهة. وخلال إحدى هذه الرؤى، قام عن طريق الخطأ بمطاردة وقتل الاسكوتلندي جورج ميريت، اعتقده هو من يلاحقه ةيريد قتله مع انه لا يعرفه وبريء من ملاحقته. وبسبب هذه الجريمة تم اعتباره مجنونًا وتم إرساله إلى مصحة وسجن برودمور.لكنه سيبقى يشعر بالذنب لان القتيل يخلف ورائه ارملة وستة اطفال.
في مصحة برودمور، تنتاب الجراح الاميركي مينور نوبات بين حالات الجنون والوضوح. في إحدى هذه النوبات، ينقذ حياة حارس السجن ببتر ساقه بطريقة مثالية. لهذا السبب ، يقرر مدير المصحة، ريتشارد برين، مراعاته وتجربة تقنيات جديدة للدعم النفسي لمساعدته، فهو سمح لماينور بالاحتفاظ بمكتبة صغيرة مجهزة بادوات الرسم ومراقبة سلوكه من بعيد. يطلب ماينور أيضًا، وللتعبير عن ندمه، التبرع براتبه التقاعدي العسكري إلى إليزا (ناتالي دورمر)، أرملة الرجل الذي قتله ، لكنها رفضت في البداية بسبب الكراهية التي تحملها له، ثم سرعان ما تقبل بشدة عرض مينور لانقاذ اطفالها من الجوع وتجنيب نفسها من اللجوء الى الرذيلة بسبب العازة، وتذهب إلى مصحة برودمور لمواجهة قاتل زوجها. ومع ذلك ، تجد إليزا نفسها تشفق عليه وتبدأ في زيارته كثيرًا ، حيث تقدم له الكتب كهدايا ، ويقترح ماينور عليها ان يعلمها القراءة حتى تتمكن من نقلها إلى أطفالها والسماح لهم بالحصول على مستقبل أفضل. يقرر الطبيب النفسي مدير المصحة تشجيع هذه العلاقة كتتطور من تجربة الشفاء.
عن طريق الصدفة اطلع الجراح الاميركي مينور، وهو في مصحته، على مناشدة جيمس موراي المنشورة في الصحف، فيتحمس للمشاركة ومساعدة محرر القاموس، وبدأ بمراسلته وصار يبحث في الكتب عن المفردات الانجليزية التي يحتاجها القاموس ويرجعها الى اصولها وجذورها ويبعثها الى جيمس حتى وصل عدد الكلمات التي أرسلها له حوالي عشرة آلاف كلمة، من بينها مفردة"فن" التي دوخت اللجنة ولم يصلوا الى نتيجة حولها فقدمها لهم مينور على طبق من ذهب مثلما يقال حيث احتفلوا بهذا الانجاز، وهذا ما يدفع موراي للذهاب الى المصحة للقاء ماينور ليشكره فيكتشف حالته، ولتنشأ بينهما صداقة غيرت سير الأحداث في حياة كل منهما .يقرر موراي التزام الصمت بشأن حالة مينور ولم يخبر زملائه في أكسفورد وزوجته آدا عن حقيقة الجراح الاميركي.
صدر المجلد الأول من قاموس أكسفورد ، لكن بعض زملاء اللجنة الذين شعروا ان موراي تغلب عليهم رغم انه لا يحمل شهادة اكاديمية، خاصة مدير مطبعة جامعة أكسفورد، اصروا على أن العمل ليس دقيقًا ويفتقر إلى العديد من الكلمات الشائعة الاستخدام. وكان وراء هذا الاحتجاج هنري برادلي، الذي يرغب في تشويه سمعة موراي وتولي منصبه كمدير للمشروع، ووجد في تثبيت جيمس شكره الى ماينور في مقدمة المجلد الأول من القاموس، انتقاصا من المنجز، ولقد استغل المعارضين لعمل جيمس على القاموس في مجلس الجامعة ذلك مشيرين إلى ماضي الطبيب المجنون ومشاركتهِ في القاموس يشكك بقيمته العلمية، مما عرض جيمس للانتقاد وبالرغم من ذلك فإن مجلس الجامعة منحهُ درجة الدكتوراه، بروفيسور، الفخرية.
في هذه الأثناء، تصبح العلاقة بين مينور وإليزا وثيقة بشكل متزايد: تعرّف إليزا ماينور على أطفالها، لكن ابنتها الكبرى تصفعه، وهي تدرك أنها تواجه قاتل والدها. بعد فترة وجيزة، قبلت إليزا مينور، وسألته عما سيفعله إذا كان الشعور الذي تشعر به هو الحب حقًا. تتزعزع نفسية القاصر ويصاب بالهلوسة مما يدفع بمدير المصحة الى تغيير روتين علاجه ويخضعه الى جلسات صعبة من بينها منع زيارته من قبل اليزا وجيمس وهذا ما يغير من حالة المريض تماما.
يقرر جيمس الاستقالة من عملهِ على تأليف القاموس، والسعي لإطلاق سراح الطبيب المجنون ونجح في مسعاه بعد ان التقى رئيس الوزراء البريطاني تشرشل حيث يطلب منه اطلاق سراحه لخدماته في تاليف القاموس، لكن تشرشل يقرر تسفيره الى بلده، الولايات المتحدة ليعيش بين اقاربه هناك. وعاد، جيمس، بطلب من الجامعة لإكمال العمل في انجاز القاموس بأثني عشر مجلداً ومنحته الملكة لقب فارس تثميناً لسعيهِ.
يمكن للمتلقي معرفة سبب انجذاب هذين الممثلين، ميل جيبسون وشون بين، إلى اداء بطولة الفيلم، كونه منحهم يمنحهم الأدوار التي كانوا يمارسونها في مشاريع أخرى. جيبسون ، الذي كان يوجه الملاحم المبتذلة باللغات القديمة ، يلعب دور عبقري يساء فهمه. وبن ، الذي يعتقد في كثير من الأحيان أن أفضل تمثيل غالبًا ما يكون الأكثر ضجيجًا ، يُمنح تفويضًا مطلقًا للصراخ والمعاناة. ولكن في حين أن فيلم "الأستاذ والمجنون" قد يبدو مصمما خصيصًا للاثنين ، إلا أنه كافح لتقديم الإثارة الفكرية الخاصة بها حيث تصبح قصته حول دعم الرجال ، وليس الكلمات.
مما اضفى جاذبية وسحرا على الفيلم هي المشاهد التي صورت في مواقع شبه اصلية، والسيناريو، كما الاخراج لم يلجأ الى الاثارة الحركية، بل الى الهدوء مع رصانة الحوار لاسيما وان فكرة القصة تدور حول اهم مشروع معرفي وثقافي في العالم.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً