رووداو ديجيتال
يبدو ان البحار والمحيطات ستبقى المساحة المفتوحة لهروب المهاجرين المضطهدين من بلدانهم الى دول ومجتمعات اخرى بالرغم من احتمالات المخاطرة بحياتهم وهم يقطعون البحار بواسطة قوارب الموت. الفيلم الاسباني (لا مكان) Nowhere المعروض حاليا على منصة نيتفليكس Netflix، المنتج هذا العام، 2023، من اخراج ألبرت بينتو، وسيناريو ايرنيست ريرو، وبطولة آنا كاستيلو بدور (ميا)، وتمار نوفاس ، بدور زوجها (نيكو)، يؤكد هذه الحقيقة، وهي انه مهما تطورت وسائل الهروب فان البحار هي الحل الوحيد، واذا كانت قوارب الموت قد قادت وما زالت الالاف من الباحثين عن حياة افضل الى الموت غرقا، فان هذا الفيلم يتحدث عن قارب موت من طراز آخر.
احداث القصة الافتراضية لفيلم"لا مكان" تقع في اسبانيا مستقبلا وليس راهنا، مع ان ثيمة القصة مستلة من احداث حالية، حيث تفرض في اوربا المستقبلية انظمة شمولية، دكتاتورية، وبسبب شحة المواد الغذائية والمياه يتم التخلص من الاطفال والنساء الحوامل تطبيقا لخطة "ليست كافية للجميع"، اذ نرى مجاميع من المسلحين وهم يقودون عنوة الاطفال والحوامل في شاحنات الى مواقع مجهولة لاعدامهم، ومن يقاومهم يقتل في الحال. ميا هي احدى ضحايا هذه السياسة القاسية، حيث فقدت ابنتها التي تم اختطافها من قبل المجاميع المسلحة حالما خرجت من البيت واقتيدت لمكان مجهول ولم تعد.
ميا الان حامل وتصر على الانجاب تعويضا عن فقدان ابنتها، وتخشى البقاء في البلد حيث ستُقتل اذا عثروا عليها في هذه الحالة.لهذا يخطط نيكو وميا للهروب بصورة سرية وغير شرعية، يدفعون كل ما عندهم من مال وخواتم زواجهما لعصابة من المهربين، تماما مثلما يحصل في عمليات التهريب بواسطة قوارب الموت في دول عدة اليوم، يتم حشرهم في حاويات نقل بحرية مع الكثير من النساء الحوامل والاطفال، ويحدث ما ليس في حسابهم، إذ يتم فصل نيكو عن ميا ونقله الى حاوية اخرى. قبل وصول حاوية الحوامل الى الميناء تتعرض للتفتيش من قبل مجموعة من المسلحين الذين يفتحون النار على الجميع ويتم قتلهم باستثناء ميا التي تختبئ فوق صناديق معدة للشحن.
تكون ميا، بعد ان شاهدت بعينها مذبحة النساء الحوامل والاطفال، نفسها لوحدها في الحاوية الحديدية الكبيرة، وهي تراقب الاحداث من احد الثقوب التي احدثها رصاص الجماعة المسلحة، اضافة الى قثب احدثته شابة حامل لاغراض التنفس قبل ان تُقتل وتترك حقيبتها التي تضم بعض الالات الميكانيكية وسكين صغيرة ومصباح يدوي وبعض الطعام وقنينة مياه حيث ستستفيد ميا من محتوياتها لاحقا. تدخل ميا مرحلة الصراع من اجل البقاء لوحدها، وتقرر ان تعيش من اجل طفلها الذي سيرى الحياة قريبا. تراقب من ثقب الحاوية ما يجري في الخارج من احداث وتشاهد نيكو وهو ينقل الى حاوية اخرى خضراء اللون، قبل ان ينقطع الاتصال بينهما بواسطة الموبايل. يتم نقل حاوية ميا، ساسميها هكذا، الى ظهر سفينة ستبحر في عباب البحر، وسرعان ما تتعرض السفينة لعواصف قوية تدفع بعض الحاويات الى مياه البحر، يضمنها حاوية ميا وكذلك حاوية نيكو التي سرعان ما تغرق لثقلها ونسمع اصوات صراخ النساء والاطفال، تخشى ميا، ان يكون نيكو قد غرق مع الاخرين لكنه يطمئنها باتصال هاتفي بانه هرب من الحاوية قبل وصولها الى المياء، ويبقيان على أمل اللقاء اذا نجت من الغرق.
هنا تجد ميا ان عليها ان تحارب بشراسة لتبقى بالرغم من الثقوب التي تتسلل منها المياه الى الحاوية والتي ستكون عاملا في غرق الحاوية لاحقا بالرغم من محاولاتها سدها بواسطة شريط لاصق، كان في حقيبة الشابة الحامل التي قتلت، او في الاقل التقليل من خطر الغرق او تأخيره، فهي وسط معركة بينها وبين المياه، وبالتأكيد سيكون النصر للمحيط الواسع والعميق. ميا حاليا وحدها تعيش عزلتها المطلقة وسط المحيط، هي الآن بالضبط في اللا مكان، في الـ (Nowhere)، لا تعرف موقعها الجغرافي، ولا الى اين تاخذها مياه المحيط التي تحيط بها والتي تمتد زرقتها الى ما لا نهاية، وتأتي اغنية "لا مكان" كخلفية موسيقية داعمة للاداء.

سوف تستفيد ميا من كل ما موجود داخل الحاوية من مواد كادوات لانقاذ حياتها او كسلاح لمحاربة عدوها الذي يتربص بها، مياه المحيط. تفتش في الصناديق المشحونة في الحاوية فتعثر على حاويات طعام بلاستيكية (تبروير) فارغة، وبطانيات وسماعات اذن ذات اسلاك، وسنعرف هنا بان هذه البضاعة التي لا تعني اي شيء شحنت من اجل التمويه على تهريب النساء والاطفال. وتستخدم الصناديق ذاتها كمنصات تنام وتتجلس فوقها لتخلص نفسها من الغرق، فهي الان لا تخشى على حياتها بل تقاوم المخاطر لتعيش من اجل الطفل الذي ستلده قريبا جدا، وكان اكبر محفز لميا لان تقاوم فكرة الاستسلام للموت هو طفلتها التي ولدتها في ظروف قاسية للغاية، ومن هنا ستبدأ مرحلة تحدي جديدة من اجل ان تعيش طفلتها وان لا تضحي بها كما حصل مع طفلتها الاولى التي تعتبر نفسها سببا في موتها وتعاني من شعور بالذنب لهذا السبب، إنها تقاتل من أجل طفلتها، وهي حقيقة جعلتها أكثر إثارة للمشاعر أنها فقدت طفلاً بالفعل قبل أن تبدأ كل هذه الدراما.لهذا تناضل بقوة لفتح ثغرة مربعة في سقف الحاوية بواسطة المثقاب الذي وجدته في حقيبة الشابة الحامل القتيلة والتي كانت قد خططت لكل شيء من اجل الوصول بسلام الى ضفة الحياة التي غادرتها في بداية الرحلة، وتعد هذه الثغرة بوابة الحياة بالنسبة لها وهي تصعد لاول مرة على سطح الحاوية وتبدأ حياة جديدة. تصنع من اسلاك السماعات شبكة صيد وبالفعل تصطاد بعد عناء بعض الاسماك وتأكلها حية لانقاذ نفسها من الموت جوعا. ياتيها اتصال اخير من زوجها نيكو وتخبره بانها انجبت بنتا، وستعرف انه اصيب بجروح خطيرة وهو الان على حافة الموت قبل ان ينقطع الاتصال، وهذا يعني اضافة مسؤوليات جديدة وكبيرة على عاتقها لانقاذ طفلتها، وسيكون هذا هو هدفها الاساسي منذ الان.
في محاولتها الاخيرة للخلاص من الغرق، بعد ان تيأس من بقاء الحاوية عائمة، تصنع من حاويات الطعام البلاستيكية (التبرويرات) الفارغة منصة للعوم (طوفا) تشدها على الواح خشب الصناديق وتثبت مهد ابنتها فوقه وتستسلم لمياه المحيط بينما نرى الحاوية تغرق تدريجيا. في مشهد آخر نشاهد عائلة تتكون من رجل وزوجته وابنهما في قارب بخاري لصيد السمك، حيث تشاهد الزوجة الطوف عن بعد ويتوجهون له لتعثر على الطفلة حية بينما ميا على حافة الموت وينقذها الزوج بواسطة اسعافها بقبلة الحياة. تطمئن على انهم سيكونوا بخير من خلال نظراتها الى الطفل فوجوده يعني انهم لا يعيشون في ظل نظام قمعي يقتل الاطفال.
نستطيع القول ان ألبيرت بينتو، مخرج فيلم اللا مكان Nowhere، الذي يصنف باعتباره من افلام الاثارة والغموض، لم يبذل جهدا واضحا كما فعلت الممثلة آنا كاستيلو (ميا)، في تجسيد الاحداث، فهذا لفيلم، وبالغياب المبكر لزوجها نيكو(تمار نوفاس)، والذي تقع جل احداثه في مكان ضيق ومحدود، اعتمد على ممثلة واحدة، وبالتالي هو فيلم الممثل الواحد تقريبا، منودراما، حيث تحتم على كاستيلو اظهار مواهبها في التمثيل والتلوين الصوتي وإظهار مشاعرها على مستويات عدة، فهي الهادئة والخائفة والضعيفة في بداية الاحداث، ثم الخائفة جدا والمترددة وشبه اليائسة مع تنامي الخط الدرامي، لتصل الى الذروة عندما تكون بمواجهة خطر الموت وفقدان حياتها وحياة جنينها، في صراعها مع مياه المحيط.

ان ثيمة الفيلم في الواقع تتمحور حول امرأة ستفعل كل ما يلزم للحفاظ على حياتها وطفلها حديث الولادة على قيد الحياة. ولو تعرفنا عن قرب على قصص الاف من العوائل التي كانت ضحية الاحتيال من اصحاب قوارب الموت سنجد انه ليس هناك مبالغات في احداث فيلم (اللامكان)، فهناك امهات ناضلن من اجل ان يبقى اطفالهن احياء رغم كل المصاعب.
هناك بعض الاختيارات المخيبة للآمال في إخراج الفيلم، لكن أداء كاستيلو جعل الكثير من تلك الاختيارات سهلة التغاضي عن أي شخص يتعثر في هذا الاختيار الصعب سواء في اتخاذ القرارات او تنفيذها. وفي الدراما السينمائية خاصة من الصعب نجاح مثل هذا النوع من الافلام، ويبدو ان المخرج القى بثقل كبير على كاهل بطلته ونجح في هذا الرهان، فالاداء الملتزم لكاستيلو منعه من الانجراف إلى الاداء العاطفي الفاضح والمجاني. وبالتالي يعكس الفيلم معاناة الالاف من الاجئين الباحثين عن مكان آمن، والذين تعرضوا للموت نتيجة رحلاتهم في قوارب الموت، واحتيال المهربين.
والجدير بالذكر هنا ان الممثلة الاسبانية آنا كاستيلو فيري، مواليد 9 أكتوبر 1993. وبين عام 2013 حتى عام 2016، لعبت دور دوريتا في المسلسل التلفزيوني الاسباني Amar es para siempre. ثم جاءت انطلاقتها السينمائية مع دور ألما في الدراما The Olive Tree ، عام 2016 والتي فازت عنها بجائزة غويا لأفضل ممثلة جديدة.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً