قاسم عبد لرووداو: فيلمي (أعيش هنا وأتنفس هناك) رصد سينمائي لمجريات الحياة في بغداد ولندن

17-06-2023
معد فياض
الكلمات الدالة فن السينما
A+ A-
معد فياض

من الممكن انتاج فيلم سينمائي بلا حوار، بلا موسيقى، وبلا ممثلين او شخوص تتحرك امام الكاميرا بقصدية الاداء او الايحاء.. الشوارع، الشبابيك، السيارات، الارصفة، الاشجار، المارة، الاطفال وهم يمضون او ياتون من مدارسهم مع امهاتهم، النساء، الرجال وهم يرشون باحات بيوتهم والطرقات بالمياه، عمال البناء، خطوط العبور، سيارة المرطبات.. كل هذه وتلك تحولت الى عناصر ادائية او ابطال الفيلم السينمائي الوثائقي "اعيش هنا واتنفس هناك"، انتاج 2023، للمخرج السينمائي العراقي قاسم عبد.
 
الفيلم لا يقارن بين حياتين او واقعين، بل يرصد جريان الحياة اليومية العادية في شارعين في حيين سكنيين، واحد في بغداد والثاني في لندن، قد تتشابه مظاهر الحياة العادية بالرغم من اختلاف الواقع، وقد تتناقض تماما بالرغم من انها تتناول مفردات متشابهة.
 
المخرج السينمائي قاسم عبد، الذي اخرج العديد من الافلام الوثائقية، منها: وسط حقول الذرة الغريبة، ناجي العلي، فنان ذو رؤيا، حاجز سردا، حياة ما بعد السقوط، اجنحة الروح، همس المدن، مرايا الشتات، وغايب - الحاضر الغائب، يعتمد في الغالب على نفسه في كتابة السيناريو والتصوير والمونتاج والاضاءة، كما في فيلمه الاخير"اعيش هنا واتنفس هناك"، كاشفا:" هذا الفلم تم عملة بطاقم من شخص واحد، هو انا، اخراجاً وانتاجاً وتصوريراً ومونتاجاً، وحتى اني صممت بنفسي صفحة عن الفيلم على شبكة الانترنيت ".
 
"المكان في هذا الفيلم هو البطل"، يقول قاسم عبد لشبكة رووداو الاعلامية، مضيفا: "ليس هناك اي حوار، لغة الفيلم هي السينما فقط، وهو فيلم تجريبي، فانا لا اتوقف عن التجريب، ولن اتراجع عن اكتشاف ما حولي سواء كنت في بغداد، مدينتي التي ولدت وترعرعت وكانت دراستي الاولية للفن فيها، معهد الفنون الجميلة، او في لندن التي اعيش فيها منذ ما يقرب من اربعة عقود". مشيرا الى ان فيلمه الاخير "اعيش هنا واتنفس هناك"، ليس "فيلما تقليديا على الاطلاق، بل هو رصد للحياة اليومية في مدينتين متباعدتين في العادات والتقاليد والمسافات، ما يربط بينهما في ذهني هي الذاكرة الحية  لبغداد وأهلي واصدقائي عندما اكون في لندن، والاشتياق الى لندن وعائلتي واصدقائي"، لكن هذا لا يعني ان ما قاد قاسم عبد لانتاج فيلمه هي النستولوجيا، بل على العكس تماما، فهو فيلم واقعي ومشغول باسلوب تجريدي يرصد الحياة اليومية بدون اي تدخل ومن خلال الكاميرا الثابتة، عينه الثالثة، لتنقل ما يريد ان يعبر عنه من افكار.
 
كل العناصر المحيطة بنا او بهم، والتي عرضت في الفيلم تقود لافكار مفتوحة، وعرضة للتأويل والتفسير، حتى ان عنوان الفيلم "أعيش هنا واتنفس هناك" ينطوي على مواربة خفية، اين "الهنا"؟ واين الـ"هناك"؟، فهل لندن التي يعيش فيها هي الـ "هنا" وبغداد التي يشتاق اليها هي الـ"هناك" التي يتنفس فيها؟، ومن الممكن ان نقلب المواقع فتكون بغداد هي التي يعيش فيها او تعيش فيه، ولندن التي يتنفسها وتتنفسه. وعلى المتلقي ان يفهمها مثلما توحي له، والمشاهد هنا هي عبارة عن قصص قصيرة متسلسلة او متقطعة، ليس هناك اي مشهد يشبه الاخر لكن هناك تكرار للأماكن ذاتها ومن يمر عليها او خلالها، اطفال المدارس، عربة المرطبات، عمال تبليط الشارع، في لندن، عربة بياع الغاز، عمال البناء وهم (يلبخون)البناية بالاسمنت، الرجلان الذان يرشان الشارع بالماء ويثرثران دون ان نسمع اي شيء، كلها مفردات حياتية من حيث الجوهر لا تختلف سواء كانت في حي سكني في بغداد او لندن.
 
يوضح المخرج قاسم عبد قائلاً: "مدة الفيلم 80 دقيقة، بلا حوارات او سيناريو مسبق(سكربت) ولا تعليقات، تركت كل شيء للمتلقي واحاسيسه في التفسير او التفاعل وربما الملل، وهو فيلم مفتوح بلا بداية او نهاية، اردت تغيير مفهوم الفيلم الوثائقي السائد، فالفيلم بالتالي لا يشبه اي فيلم آخر سواء باسلوب تصويره وبفكرته وبربط مشاهده".
 
قد يتخيل المتلقي ان الاحداث البطيئة ستتنامى الى احتدام، قد يسقط العامل المعلق فوق خشبة وهو (يلبخ) جدار الطابوق العالي بالاسمنت، في بغداد، او يتدحرج العامل الهندي اثناء تغييره للسقف القرميدي في احد بيوت لندن، لكن اي من هذا لا يحدث، مع ذلك شدني الفيلم بلغته السينمائية الجديدة، وبتصويره ومونتاجه الى حد الاسترخاء، فبدى مثل قصيدة سينمائية طويلة تستفز في الاسئلة وانا اتابع سرد حياتي متكرر احيانا ومتقطع في احيان اخرى، والاكثر من هذا بدى لي مثل سلسلة لوحات تجريدية متحركة.
 
قاسم عبد الذي اكد بانه لم يتدخل في مجريات الاحداث وحركات الشخوص الطارئة، لكنه وجد في هذا الرصيد الهائل من اللقطات المصورة معادل صوري لافكاره التي اعدها اكتشافا جديدا بالرغم من انه يعيشها يوميا تقريبا، وهنا، سواء عن قصدية ام لا، انتهج اسلوب بريشت التغريبي، فانت تمر من هذا البيت كل يوم دون ان تنتبه لتفاصيله، لكنك عندما تشاهده على شريط سينمائي تدقق بالتفاصيل وكانك تراها للمرة الاولى.
 
فيلم"أعيش هنا واتنفس هناك" يشارك حاليا بمهرجان الافلام الطويلة المقام في الدار البيضاء، المغرب.
 

من الجدير ان نذكر هنا بان المخرج السينمائي قاسم عبد الحاصل  على درجة الماجستير من معهد السينما في موسكو فبل استقراره في لندن، حاز على جوائز عديدة عن افلامه الوثائقية، منها: ناجي العلي (فنان ذو رؤيا) جائزة الجمهورفي مهرجان السينما العربية المستقلة لندن 1999، جائزة النقاد - مهرجان حقوق الإنسان في رام الله فلسطين 2000، حاجز سردا جائزة أفضل تصوير- مهرجان العراق للفلم القصير 2005، حياة ما بعد السقوط جائزة أفضل فيلم في مهرجان ميونيخ الدولي للأفلام الوثائقية 2008 ، جائزة الصقر الذهبي في مهرجان الفلم العربي في روتردام 2008، جائزة أفضل فلم وثائقي في مهرجان الفلم العربي كاليفورنيا 2009 ، أفضل فلم وثائقي في مهرجان الخليج 2009، همس المدن جائزة تقديرية من مهرجان سينما الواقع باريس 2014، مرايا الشتات جائزة النقاد مهرجان مسقط السينمائي الدولي، وجائزة تقديرية مهرجان وهران الدولي 2018، وجائزة الصداقة السردينية الفلسطنية في مهرجان الأرض ساردينية 2019.
 
وكان قد شارك بتأسيس كلية السينما والتلفزيون المستقلة الغير ربحية في بغداد في 2004 مع زميلته المخرجة العراقية البريطانية ميسون عدنان باججي وفاز طلابه المتدربين في العراق ب 22 جائزة في المهرجانات السينمائية المحلية والدولية.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب