الافلام الوثائقية تحافظ على مهنيتها الصحفية وتجذب جمهور مهرجان دهوك السينمائي

16-12-2023
معد فياض
A+ A-
رووداو ديجيتال

ليس لنا ان نقارن بين الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي في الصناعة السينمائية، فكلاهما متميزان بخصوصيتهما. الفيلم الروائي يقوم على قصة او حبكة يكتبها كاتب سيناريو ويحولها المخرج الى شريط فيلمي عن طريق ممثلين محترفين وفريق من الفنيين، مونتير واضاءة وانتاج...ليعرض للمشاهدين..بينما يمتاز الفيلم الوثائقي بمصداقيته العالية معتمدا على حدث او مجموعة احداث سواء كانت معلنة او يتم الكشف عنها للمرة الاولى من غير اللجوء الى ممثلين بل يقوم شخوص وابطال الحدث بتجسيد سيناريو الفيلم، وقد لا يحتاج الى شخوص اصلا.
 
الفيلم الوثائقي مهنة صحفية حرفية بحتة يعتمد فيها كاتب السيناريو على التحقيق الاستقصائي بدقة وصبر متوخيا المصداقية العالية، ثم تاتي مهمة الاخراج وحركة الكاميرا لتنقل الحدث الى المتلقي بامانة وبدون انحياز.
 
عشرات الافلام الوثائقية شاركت في مسابقة مهرجان دهوك الدولي للسينما بنسخته العاشرة، وكنا نتوقع واهمين بان الجمهور سوف يقف في طوابير امام صالات عرض الافلام االروائية، لكن ما حدث هو العكس تماما، فالافلام الوثائقية أكدت حضورها القوي والمتميز، خاصة بمواضيعها التي لامست احاسيس وتطلعات الجمهور، من حيث قصصها ومخرجيها المتميزين. لا سيما وان غالبية الافلام الوثائقية التي شاركت في المهرجان حصد مخرجوها جوائز رفيعة في مهرجانات دولية راقية.
 
الايزيديات بنات الشمس
 
احد اهم الافلام الوثائقية المهمة المشاركة في مسابقة مهرجان دهوك الدولي للسينما بنسخته العاشرة، من حيث الموضوع والاخراج فيلم(بنات االشمس)، 74دقيقة، انتاج عام 2023، للمخرج الكوردي ريبير دوسكي. 
 
الفيلم يتناول محنة، بل فجيعة مجموعة من النساء والفتيات الإيزيديات، اللاتي سباهن تنظيم داعش الارهابي واستخدمهن كعبدات او جواري وتاجر بهن، والفيلم يتحدث عن تفاصيل حياتهن بعد عودتهن الى ديارهن وإعادة بناء حياتهن الآن. ومع حب ودعم بعضهم البعض، وبإلهام من المسرحي الحكيم حسين، يجدون القوة للتطلع إلى الأمام مرة أخرى.
 
ففي عام 2014، هاجم تنظيم داعش الارهابي مدينة سنجار، ذات الاغلبية الايزيدية، في أقليم كوردستان "مثل الذئاب الجائعة". تم اختطاف العديد من الفتيات الإيزيديات (بعضهن لا تتجاوز أعمارهن 10 سنوات). والآن تم استعادة الكثير منهن بفضل جهود حكومة اقليم كوردستان. لكن عليهم أن يجدوا طريقة للتعامل مع الصدمة العميقة التي تعرضن لها.
 
اختار المخرج الكوردي ريبير دوسكي مخيم للاجئين الخاص بالايزيديين في أقليم كوردستان، حيث تجتمع مجموعة من النساء والفتيات الإيزيديات العائدات من الاسر او السبي، للتشافي من المحن او الفجيعة القاسيد للغاية التي تعرضن لها. ويقود جلساتهم الجماعية "العم حسين"، وهو مسرحي حكيم يساعدهم ويبكي معهم ويضحكهم. يكتشفون معًا أنه لا يزال هناك مستقبل. تقول إحدى الفتيات: "لقد تم استعبادنا، وبيعنا في الأسواق، واغتصابنا..لكنهم لم ينجحوا في إطفاء النور في قلوبنا". 
 

المخرج دوسكي تعامل مع حدث مهم وحساس للغاية باسلوب ذكي اذ لم يحمل القصة الكثير من الاضافات والهوامش ذلك ان الحدث ذاته مهم وليس بحاجة الى تضخيم، تاركا الايزيديات هن من يجسدن حالاتهن من بانفسهن، مجسدا تفاعلهن مع بعضهن او كل بمفردها، هناك الاحساس العميق بالحزن والقهر، هناك البكاء، وايضا الابتسامات للغد والتطلع لحياة طبيعية في مجتمع آمن، لكنها تبقى حياة يشوبها الاحساس بالالم، فالتشافي من محنة الاغتصاب ليست سهلة وتحتاج الى صبر وقوة إرادة وتكاتف مجتمعي متين.
 
المخرج  ريبر دوسكي، فنان مبدع عبر عن احساسه العميق بقصص (بنات الشمس)، ويتمتع بخبرة فنية في صناعة الافلام الوثائقية، حيث شارك في مهرجانات سينمائية دولية عديدة ومنها مهرجان دهوك السينمائي  لاكثر من دورة، كما كان قد فاز عام 2019 بجائزة أفضل فيلم وثائقي هولندي في مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية عن فيلمه "الصديق والفهد". وقالت اللجنة في قرارها الرسمي "إننا نقدم جائزة أفضل فيلم وثائقي هولندي لفيلم يحملنا الى عالم ساحر من المناظر الطبيعية المثيرة للحياة، حيث الحياة البرية والتي تدفعك الى حبس انفاسك".واضافت "رؤية الفيلم السينمائية لا تمحى بسهولة من خيالك..فيها رمزية قوية لأمة تسعى الى التحرر".
 
وجاء فيلمه (النداء) ليتحدث عن موضوع التهجير القسري الذي تعرض له كورد تركيا والذي خلق غربة روحية لدى المواطنين الكرد المهجّرين. ففي ثمانينيات القرن الماضي قام الجيش التركي بتهجير عوائل كردية من جنوب شرق تركيا، وفرّقهم في وسط البلاد وغربيّها.
 
جمال العراق الخفي
 
المخرج الكوردي سهيم عمر خليفة، يحاول اعادة اكتشاف(الجمال الخفي للعراق)، 90 دقيقة، انتاج عام 2023، من خلال رحلة يقوم بها مع اقدم واهم مصور فوتغرافي عراقي، لطيف العاني، المولود في بغداد عام 1932، يُعرف بأب التصوير الفوتوغرافي العراقي. تشكل أعماله أرشيفًا بصريًا فريدًا من نوعه للعراق خلال فترة ذروة ازدهاره من الخمسينيات إلى السبعينيات، وهي تمثل نظرة عميقة للبلاد، غير معروفة في الغالب للغربيين وحتى للشعب العراقي نفسه.
 
عندما تولى صدام حسين السلطة، توقف العاني عن التصوير. وفي عام 2015، حصل على جائزة الأمير كلاوس المرموقة، التي تمنحها سنويًا العائلة المالكة الهولندية. لقد منح هذا الاعتراف العاني ثقة جديدة ورغبة في إعادة التواصل مع عمله وبلده والسفر حول العالم كما فعل بحرية منذ سنوات عديدة. والآن، بعد سنوات عديدة من الغزو الأخير، يسافر بصوره الفوتوغرافية، ويروي القصص ويظهر العراق المجهول في تلك الأيام.
 
يرافق المخرج سهيم عمر خليفة المصور العاني بسيارة اميركية قديمة(بويك موديل 1957)، وهو في أواخر الثمانينات من عمره،(توفي العاني عام 2021 بعد تصوير مشاهد ه1ا الفيلم) حيث  يعود العاني إلى بعض المواقع من صوره للعراق الغابر من أجل الفيلم الوثائقي (الجمال الخفي للعراق).
 

في هذا الفيلم الوثائقي، يسافر العاني البالغ من العمر، وقتذاك، 86 عامًا عبر وطنه المدمر، برفقة المخرج الكردي سهيم عمر خليفة، الى بغداد والموصل واقليم كوردستان، اربيل ودهوك وزاخو، والاهوار في جنوب العراق والبصرة، بحثًا عن الأماكن التي عرفها ذات يوم وتم تصويرها في الفيلم. وفي هذه الرحلة الأخيرة، يعرض صوره للأشخاص الذين يلتقي بهم، والذين لا يستطيعون تصديق العراق النابض بالحياة والمزدهر الذي يقدمه لهم.
 
سهيم عمر خليفة، المخرج المبدع والذكي في صناعة افلامه، يتحول في فيلم(جمال العراق الخفي) الى صحفي ومعلق للاحداث، فهو يقود سيارة االبيوك الخضراء القديمة، ويحاور لطيف العاني بعد ان بذل جهدا معمقا في تاريخ العاني وقصصه وصوره وتقصى عن المناطق التي تنقل بينها منذ اكثر من 70 سنة. كما يرافقه الى باريس ودبي حيث كان العاني قد اقام معارضه الفوتغرافية الهامة.
 
وكان المخرج الكوردي سهيم عمر خليفة، الذي افتتح مهرجان دهوك الدولي للسينما بنسخته العاشرة بفيلمه(ميسي بغداد)، قد حصل على 96 جائزة عالمية بين أفلامه القصيرة "أرض الأبطال"، و"بغداد ميسي"، و"صياد سيء". وفاز فيلم "أرض الأبطال" بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم قصير في مهرجان برلين السينمائي الدولي الحادي والستين. وتم اختيار سهيم في إسطنبول كأفضل مخرج سينمائي كوردي، وفي وقت لاحق من ذلك العام أصبح عضوًا مصوتًا في جوائز الأوسكار.

ترجمة يولسيس
 
يتناول المخرج الكوردي، من تركيا، فرات يوسيل ايلان، موضوعا غير مطروقا عبر فيلمه الوثائقي (ترجمة يولسيس)، 71 دقيقة، انتاج عام 2023، الذي يتحدث عن كاوا نمير، الذي أنهكته الملاحقات السياسية وحظر اللغة الكوردية في تركيا، وفراره  من تركيا ولجوئه إلى منزل آن فرانك السابق في أمستردام، والذي أصبح الآن مقر إقامة للكتاب المنفيين.
 
كاوا نمير هو بمثابة قاموس متنقل للغة الكردية. كلما سمع كلمة أو لغة جديدة يسجلها ولا ينساها أبدًا. وباعتبار اللغة الكردية موطنه، فهو يتنقل من منفى إلى آخر. ولكن كيف يمكن نقل هذه الذاكرة الجماعية إلى الورق؟ بفضل مجموعة واسعة لا حصر لها من الكلمات والرموز والصدى المناهض للاستعمار، أصبحت ترجمة رواية "يوليسيس" للكاتب الايرلندي جيمس جويس، التحفة افنية الادبية التي كانت تعتبر بالنسبة لكاوا ذات يوم غير قابلة للترجمة، وتحولت ترجمتها للكوردية الى هاجسً بالنسبة له. ترجمة من شأنها أن تلخص جميع الكلمات والتعابير الكردية التي جمعها على مر السنين.
 

إنها تجربة في التفكير في اللغة والسياسة من خلال ترجمة هذه الرواية جويس إلى اللغة الكوردية التي لها تاريخ طويل، ولكن الكثير من الكلمات والتعابير لا توجد إلا في أذهان الشعب الكوردي. محاولة كاوا هي استعادة هذه الذاكرة الجماعية.

 تعتبر ترجمة يوليسيس، إحدى السمات المميزة للأدب الحداثي، بمثابة قاموس للحياة اليومية للشعب الكردي. من خلال رواية عرضية ومتعددة اللغات ومتداخلة النصوص، يستخدم الفيلم وثائق ارشيفية ، ومقتطفات من الصحف، ومقاطع يوتيوب، ولقطات من المقاومة الشعبية الكردية لإنقاذ "الشيء الذي يمر عبر كل شيء"، أي اللغة.

يتحول عمل كاوا الى استكشافً رائعً لعالم اللغة الكردية بل والى ملخص للتاريخ النضالي للكورد. الفيلم بالنهاية عبارة عن صورة لطيفة لشخص أصبحت الكلمات بالنسبة له موطنه الجديد.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب