رووداو ديجيتال
لا تتردد نجلاء عبد الخالق، من بغداد، من وصف نفسها، اجتماعيا، بالـ "عانس" بل تصر على القول بأن "حياتي كعانس افضل من ان اكون طرفا في زواج فاشل، ذلك ان مؤسسة الزواج، حسب اعتقادي، غير مناسبة بالنسبة لي في ظل هذه الظروف الاقتصادية والنفسية".
تقول نجلاء، البالغة من العمر 34 عاما والحاصلة على شهادة الماجستير لغات، لشبكة رووداو الإعلامية: "انا متحررة اقتصاديا، وازعم ان ثقافتي جيدة، وانحدر من اسرة مكتفية اقتصاديا واعيش في بيت اهلي وانعم بحريتي ضمن الحدود المعقولة، حيث اسافر مع صديقاتي او مع عائلتي واتصرف وفق ما تمليه علي قناعاتي، ومن الصعب ان اجد زوجا يتوافق مع آرائي او لا يقيد حريتي". مضيفة:" لم تعد العنوسة عيبا اجتماعيا فنحن نعيش في الالفية الثالثة، والزمن الذي كان في المجتمع ينظر الى المرأة العانس باعتبارها فاشلة او غير صالحة للزواج انتهى، حيث اصبح الزواج قيدا يؤخر طموحاتي ويقيد حريتي التي هي اصلا محددة بخطوط اجتماعية، خاصة مع اصرار بعض الجهات البرلمانية والسياسية الطائفية لتعديل قانون الاسرة وتحويل المرأة الى جارية في بيت الزوجية".
تكشف نجلاء عن وجود:"مجاميع(كروبات) على منصات التواصل الاجتماعي خاصة بالعوانس وغالبية عضوات هذه المجاميع من المتعلمات وبنات العوائل والمتحررات اقتصاديا، حيث نتبادل الاحاديث والتجارب والسخرية ايضا فيما بيننا". منبهة بقولها:"انا هنا لا ادعو الى عدم الزواج و لا اصف الزواج بالفشل بصورة عامة او اني ضد العلاقات الزوجية، فهناك زيجات سعيدة جدا، والعنوسة هو اختيار شخصي بحت".
من جهتها تسائلت تمارا عوني، من الموصل، عن:"سبب استغراب المجتمع العراقي من عزوف الشابات العراقيات عن الزواج لكنهم لا يستغربون عندما يحدث العكس، واعني احجام الشباب عن الزواج ويعتبرون الامر طبيعي ولا يصفون الشاب او الرجل بالعنوسة". وقالت:" في ظل هذه الهجمات التي تتعرض لها المرأة العراقية من قبل رجال دين وسياسيين وحملات محاولة تعديل او تخريب قانون الاحوال الشخصية كيف لي ان اطمئن على حياتي ومستقبلي بل ومستقبل اطفالي فيما لو تزوجت؟".
تضيف تمارا قائلة:"بعد ان انهيت دراستي الجامعية، الادارة والاقتصاد، قررت ان ادير مشروع تجاري محدود مع عائلتي، وخلال هجوم تنظيم داعش الارهابي وسيطرته على الموصل انتقلنا الى محافظة دهوك، وما زال المشروع يتطور، انا لم افكر بالزواج لانني سعيدة بنجاحي في هذا المشروع وفي اثبات ذاتي ولا اريد من يتحكم بي اي شخص فمؤسسة الزواج لم تعد كل شيء في المجتمع والدليل احصائيات الطلاق التي ينشرها الاعلام باستمرار".
ولا نعرف ان كان موضوع عزوف الشابات عن الزواج قد تحول الى ظاهرة واسعة ام محدودة، إذ ياتي ذلك في ظل ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع العراقي، وحسب احصائيات نشرتها وزارة التخطيط ومجلس القضاء الاعلى فإن "عام 2021 شهد تسجيل (73155) حالة طلاق، في حين شهد عام 2022 تسجيل (68410) حالة، وعام 2023 (71016) حالة، و(45306) حالة طلاق خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي 2024".
عالمة الاجتماع، لاهاي عبد الحسين، استاذة متمرسة في قسم الاجتماع بكلية الاداب بجامعة بغداد، لا تستغرب موضوع احجام بعض او غالبية من الشابات العراقيات عن الزواج، وفي الوقت ذاته لا تعتبر نسب الطلاق في العراق خطيرة مقارنة بنسب الطلاق في الدول المجاورة للعراق.
وقالت لاهاي عبد الحسين لشبكة رووداو اليوم الاثنين، 16 ايلول 2024، ان:"ظاهرة او حالات عزوف الشابات العراقيات عن الزواج طبيعية في ظل الاوضاع السائدة في العراق وفي مقدمتها مقترح تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 حيث تحول هذه التعديلات المرأة الى ماكنة انجاب فقط وهذا لا يشرف المرأة العراقية، فالزواج هو رفقة وعلاقة سامية وراقية لتكوين الاسرة والحفاظ على المجتمع".
واعتبرت مقترحات تعديل قانون الاحوال الشخصية:"لا تتناسب مع العقل والمنطق ولا تشجع الشابات على الزواج واحترام مؤسسة الزواج، فهذا النوع من التشريعات يهين المرأة حيث تقر التعديلات حق الزواج بطفلة بعمر تسع سنوات وهذا غير مقبول في المجتمعات المتحضرة التي تعتبر عمر الـ 18 سنة او 21 سنة، عمر بلوغ سن الرشد والزواج كون الفتاة ناضجة فكريا وقادرة على اتخاذ القرار".
وأوضحت أن "70% من العراقيات هن من سكان المدن ومتحضرات ومتعلمات ويمثلن ثقلا اجتماعيا واسعا"، متسائلة: "لماذا تتزوج الشابة العراقية في ظل قوانين تحرمها من انسانيتها وحقوقها ولا تحترمها وتحول علاقة الزواج النبيلة الى علاقة تجارية وحيوانية"، مضيفة:"ان غالبية الشابات العراقيات متعلمات وحسب احصائيات فان سن الزواج لهذه الفئة يكون متأخرا، بعمر الـ 25 سنة، ذلك ان مقاييس التفكير بالزواج تتغير حسب المستوى الاجتماعي والتعليمي (الثقافي) والاقتصادي، والشابة تريد ان تعيش حياة محترمة ومستقرة والا هي ليست مضطرة للزواج مثل الحالات التي تحدثتم عنها والواتي يطلقن على انفسهن(العوانس).. هناك تغيير وتطور في عقلية وتفكير المرأة يقابله جمود في تفكير الرجل الذي يريد امرأة تقليدية تقوم بالاعمال المنزلية فقط،في الوقت الذي تفرض فيه المرأة نفسها في كافة المجالات الحياتية".
واضافت أن "المجتمع العراقي غالبا متمدن وليس ريفيا وليس من السهل اصدار قرارات لترييفه بجرة قلم مثلما يريدون القيام به من وراء ما تسمى بالتعديلات على قانون الاحوال الشخصية".
عالمة الاجتماع لاهاي عبد الحسين لا تعتبر نسبة الطلاق في العراق خطيرة او مرتفعة، وقالت:"حسب احصائيات وزارة التخطيط فان نسبة الطلاق في العراق تبلغ 23%، وهذا في مجتمع عانى من الحروب والاقتتال الطائفي والاوضاع الاقتصادية الصعبة حيث البطالة ونسبة الفقر تبلغ 30%، لكن كيف نفسر بلوغ نسبة الطلاق في دولة الامارات والاردن والكويت 30% وفي سوريا 40% وفي ايران اكثر من 30%".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً